ثقافة وفنون

زوجان من كندا

عبدالحميد البرنس

اِلتحقَ هو، مترقياً، منذ سنوات، بالمكتب الرئيس، في شارع برادووي. لم نعد نراه بعدها داخل ذلك المجمع التجاري إلا لماما.

علم من “عزيزتي كيتي” بقرار رحيلي المباغت ذاك إلى أتوا. حضرا لوداعي هو وزوجته دون فيشر حاملين الطعام إلى شقتي.

كان ذلك غريباً على طباع أهل “هذه البلاد”. أكثر من ذلك، أكدا لي، هو وزوجته دون فيشر، بمشاعرَ لم أعهدها من قبل فيهما أنني بمثابة شقيقهما الأصغر. ثم طلب هو مني طلباً لا يصدر الحقّ إلا عن مخنّث: أن أقف عند تقاطع شارعين، حددهما لي بالاسم، في محل إقامتي المقبلة في أتوا، ألتقطُ صورةً لي، ثم أرسلها له على عنوانه البريدي الخاصّ. كانت زوجته دون فيشر تنظر إليه في تلك اللحظة بشيء مما يدعونه “الحنان”. مع غموض كل ذلك، لم أسأله:

“لِمَ كل هذا، يا مستر ديفيد”؟

متأنق كعريس. رصين كجبل. موفور الصحة كثور الحصاد. يمضغ طعامه ببطء وعقله شارد عادة في أمكنة لا تراها العين.

أحياناً، يؤدي وظيفته كما لو أن له صلاحيات مَن يعمل مديراً لوكالة الاستخبارات الأمريكية. عدا ذلك، لا سيما خلال تلك الأوقات الرتيبة، لا ينفك ديفيد مور هذا من تقمّص أدوار الفلاسفة. في تلك المرات، التي رأيتهما فيها معاً، كزوجين “متحابين”، بدت لي دون فيشر إلى جانبه نحيلة، متعبة، شاحبة، مأكولة المعنويات، تتحدّث بصوتٍ واهن فتحسّ كما لو أنها توشك على البكاء، كما لو أن ديفيد مور يمتصّ منها ماء الحياة. مع إنّه في المجمل ظلّ يتعامل معها على الأقلّ في حضورنا نحن الحرّاس بلطفٍ يجعلك تشتهي أن تقعَ اللحظةَ في غرامٍ كبير “مثل هذا”. لم تكن تعتني بثيابها. لا تضع مكياجا. كان في نظرتها شيء ما طبيعي أقرب إلى حنان الأمومة. أما شفتاها الرفيعتان، حين تقابله أو تهم بوداعه، فقد كان يشع منهما لثانية رفيف طائر أبيض صغير. إذ ذاك، لا تملك أنت سوى أن تهتف في قرارة نفسك، قائلاً:

“يا لها من قُبلة خاطفة”!

كانت دون فيشر تحضر، إلى ذلك المجمع التجاري الضخم، حاملة في يدها شنطة قماش خضراء متوسطة الحجم، تحتوي على طعام داخل عُلب بلاستيكية صغيرة وأكواب فارغة. كان وقت راحتها المخصص لتلك الوجبة كمحاسبة ماليّة ساعة بالتمام، بينما لا يتجاوز الوقت المخصص لنا كحرّاس بلا مؤهلات علميّة تُذكر مدى النصف ساعة. كانت تقوم بتدفئة الطعام قبيل حضورها من مكان عملها القريب. تجلس إلى مائدة طرفية من موائد كافتيريا المجمع الجنوبية الواسعة في الطابق الأرضي. تضع العلب على المائدة. تزيح أغطيتها واحداً فواحداً. لا يكاد يصدر عنها صوت. تملأ كوبين بماء مغلي من صنبور ملحق بالكافتيريا. تسكب على الكوبين بعناية محتوى صرة صغيرة من مسحوق شوربة صيني خال من التوابل الحارقة. تفعل ذلك بتساوٍ دقيقٍ وصمت. لكأنها تزن أمراً أقرب في تاريخ الحرص على العدالة إلى الذهب. بعد ترقية ديفيد مور المتوقعة تلك، لم نعد نرى دون فيشر في موقع العمل مرة ثانية. لا ريب أنّها كانت مليحة في مطلع شبابها. أثر الجمال القديم على وجه النساء أمر ظلّ يصيبني بمثل ذلك النوع الغامض أو المبهم من الأسى.

أخيراً، حين يقبل هو نحوها، قبل خمس دقائق من بداية وقته الفعلي المخصص لتناول تلك الوجبة النهارية، وكان الوغد يسترق مثلها بعد انتهاء الزمن المحدد له؛ يجدها تنتظره في جلال تلك الإطراقة نفسها، بينما تضغط على أصابعها أسفل المائدة بعصبية. كذلك ينحني ديفيد مور نحوها، يُقَبِّلها خطفاً، وقد ارتسم على صفحة وجهه وسامةُ ذلك التعبير الأكثر خلوداً وجلالاً وحضوراً في الزمن المتلاشي صوب فنائه من بين سائر “المشاعر الإنسانية” الأخرى: الجلوس إلى المائدة!

 

عبدالحميد البرنس <[email protected]>

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..