
في ظل هذه الحرب الكارثية والتي تحولت الي محنة حقيقية تواجه الشعب السوداني ومستقبل البلاد من حيث وجود وطن واحد موحد أرضا وشعبا , وفي ظل عدد من التحديات التي تواجه الحق الوجودي للإنسان خاصة في واقع استمرارية الحرب وتزايد الاعداد في مساري النزوح واللجوء مع مؤشرات المجاعة في ظل تراجع العون الإنساني , تصبح كل النداءات لوقف الحرب وحماية ” المدنيين” لا تغطي الحوجة الحقيقية لما يتطلبه الواقع اليومي المعاش سواء داخل البلاد او خارجها في غياهب الشتات . ومن هنا أري ضرورة البحث الجاد عن ” حماية الحياة ” في مقاربة شاملة حسب ما تتطلبه الان الظروف الذاتية والموضوعية والتي تستدعي تغيير مناهج العمل نظريا وعمليا وتبني الأطر العاجلة والشاملة لضمان حق الحياة وليس حماية المدنيين فقط من خلال ما يتم طرحه من هدنة لوقف اطلاق النار وفتح المسارات الآمنة للعون الإنساني وهو أولوية، لكن الأوضاع الكارثية تتطلب معالجات مختلفة لتفادي تداعيات الحرب علي الأرض وضمان منظومة حقوق الانسان بكل متطلباتها وتفادي تداعياتها ما أمكن ذلك , وما زالت الحرب مستمرة بكل تداعياتها خاصة في دارفور وكردفان.
بالرغم من أن السودان قد تصدر مجددا قائمة “مراقبة الأزمات الإنسانية العالمية” الصادرة عن “لجنة الإنقاذ الدولية” التي نشرت بتاريخ الثلاثاء 16/12 /2025 نتيجة الصراع العسكري المستمر منذ 15 أبريل 2023 م , وقد أودى بحياة عشرات الآلاف وسط الدول الـ20 الأكثر عرضة لحالات طوارئ إنسانية جديدة أو تفاقم أخرى جارية, وقد أشار الرئيس التنفيذي للجنة الإنقاذ الدولية في بيان له “ما تشهده اللجنة على أرض الواقع ليس حادثا مأساويا , فالعالم لا يكتفي بالتقاعس عن الاستجابة للأزمة، بل إن الأفعال والأقوال تساهم في تفاقمها وإطالة أمدها”. , وأضاف أن “حجم الأزمة في السودان قد أصبحت الآن أكبر أزمة إنسانية عالمية مسجلة على الإطلاق، دليل على هذا الخلل “.
كما ان التقارير المتعددة عن الأوضاع عامة مع تفاقم المجاعة والأوضاع الإنسانية والوجودية وقصور المعلومات وضعف التمويل الدولي وعدم التنسيق علي ارض الواقع يعكس التدهور المستمر في الأوضاع عامة وفي الحق الوجودي خاصة وليس الفجوة في المساعدات الإنسانية فقط مما يستدعي أن يتم التعامل مع اكبر كارثه أنسانية في العالم بمفهوم شامل تفرضه ضرورات الوضع ليس من منظور غذائي فقط , كما لا يعتبر ” حماية الحياة ” (Life Protection) فقط من منظور قانوني أو بيولوجي، بل أيضاً من منظور أخلاقي واجتماعي وتنظيمي , حيث يشمل هذا المفهوم حماية حياة البشر والكائنات الحية الأخرى والبيئة التي تدعمها، وضمان استمراريتها وسلامتها.
ما هو مفهوم حماية الحياة؟
إن مفهوم حماية الحياة يتجاوز بكثير مجرد ضمان الوجود البيولوجي للإنسان بل هو مجموعة الإجراءات والسياسات والضوابط القانونية والمؤسسية التي يمكن اتخاذها بشكل شمولي للحفاظ على سلامة الوجود الإنساني والوجود البشري وفقا لما قررته المنظومة الحقوقية للإنسان، مع منع الضرر أو الخطر الذي قد يؤدي إلى فقدان الحياة أو تدهورها. وفي سياق هذه الحرب الكارثية يصبح الحديث عن ” الهدنة وحماية المدنيين ” قاصرا كمطلب وأصبح ربطه الجدلي بمفهوم ” الحياة ” ضرورة يمليها واقع الحرب والدمار الشامل ومتعددة الأبعاد. فقد أصبح مفهوم ” حماية الحياة” يشمل حماية الكرامة، والأمن، والصحة، والتعليم والبيئة وصولاً إلى الحق في مستوى معيشي لائق , هذا التوسع في المفهوم بشموليته يعكس الحوجة المتزايدة للربط بين حقوق الإنسان الأساسية، كما يشير الي أن أي تهديد لأحدها يمثل تهديداً مباشراً للحياة نفسها. فالحياة، بمعناها الأوسع، هي أغلى ما يمتلكه الإنسان، والتمتع بها كاملاً لا يتحقق فقط بالحماية من تداعيات العمليات العسكرية التي يكون ضحيتها الانسان وفقده لحياته فقط , بل أصبحت أهمية هذا المفهوم تتزايد في ظل التحديات المعقدة والمترابطة التي تواجه الانسان نتيجة استمرار الحرب وتداعياتها من حيث الوضع المعيشي وانتشار الأوبئة التي راح ضحيتها اعداد مهولة مع تفاقم تردي الأوضاع الاجتماعية والنفسية , بالإضافة الي ما أدي اليه من تغييرات مناخية متعددة , وقد عكست هذه الأوضاع تهديدات مضاعفة لها اثارها السالبة على استقرار المجتمعات وسلامة الأفراد , وبذلك يتقاصر مفهوم حماية المدنيين في ظل هذه الأوضاع الكارثية , ويصبح هذا المنهج المتكامل يقود إلى أهمية الرؤية الشاملة التي تتطلب تدخلات متعددة ومتنوعة .
لماذا الحق في الحياة؟
يعتبر الحق في الحياة من الحقوق الأساسية في منظومة حقوق الانسان، وقد أكّدت كل المواثيق على حق الإنسان في الحياة لانه يمثِّل جوهر حقوق الإنسان الأساسية، ففي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهي أهم وثيقة اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة تنص على أن “لكل شخص الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي (المادة 3) “، ممّا أدي الي وجوب ان يضمن هذا الحق الإنساني في أي وثيقة دستورية كأساس لحماية حقوق الانسان. كما يشكل الحق في الحياة الأساس العملي لجميع حقوق الإنسان الأخرى، مثل الحق في الغذاء والصحة والتعليم والمأوى والمستوى المعيشي اللائق وصولا للحق في التنمية. وبهذا أصبح هذا الحق ليس مجرد حق يعني عدم التعرض للقتل، بل هو حق شامل يتطلب توفير الشروط اللازمة للعيش بكرامة وأمان , وقد تطور هذا المفهوم بشكل كبير خلال العقود الماضية ليؤكد على الترابط الوثيق بين كافة المواثيق والمعاهدات الدولية خاصة خلال الحروب والنزاعات المسلحة، ولذلك، يتدخل القانون الدولي الإنساني لتوفير حماية خاصة للمدنيين كشرط أساسي من ضمن شروط حماية الحياة, والامثلة علي ذلك متعددة مثل:
⦁ اتفاقية جنيف الرابعة والتي حظرت بشكل مباشر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية للمدنيين، وخاصة أعمال القتل بجميع أشكالها، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب. كما نصت الاتفاقية على حظر أخذ الرهائن، والاعتداء على الكرامة الشخصية، والتعامل المهين والحاط بالكرامة.
⦁ تُعتبر أعمال التهجير القسري للمدنيين من منازلهم جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني. فالتهجير القسري، سواء كان ترحيلاً أو نقلاً، محظور تماماً بغض النظر عن دوافعه, ويشمل ضرورة تفادي الآثار الإنسانية للنزاعات المسلحة ليس فقط فقدان الأرواح، بل أيضاً الحرمان المهلك من الغذاء والمياه النظيفة والخدمات الصحية.
⦁ تفادي تدمير البنية التحتية الحيوية مثل الطرق والجسور والمستشفيات, كما تؤدي النزاعات أيضاً إلى تراجع مساحات الفضاء المدني وتآكل بنية موسسات المجتمع المدني وانهيار هياكل المجتمع، مما يزيد من مستوى الخوف ويجعل الإبلاغ عن انتهاكات حقوق الإنسان أمراً بالغ الصعوبة.
⦁ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يتضمن مجموعة من الحقوق الأساسية ويحظر الحرمان التعسفي من الحياة، والتعذيب، والاعتقال التعسفي, لذلك وجدت هيئات رقابية مختصة، مثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، مهمتها مراجعة مدى التزام الدول بالأحكام المنصوص عليها في جميع هذه المعاهدات. فقد نصت المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل شخص في عدم التعرض لأي تدخل تعسفي أو غير مشروع في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته.
⦁ يؤدي تغير المناخ الي مضاعفات متعددة خاصة التهديدات على الصحة العامة ويمثل تهديداً أساسياً للصحة البشرية، حيث يعمل كمضاعف للتهديدات الموجودة ويقوض الخدمات الصحية وتردي بيئة العمل حيث يشمل الآثار الصحية المباشرة وغير المباشرة مثل ارتفاع الوفيات نتيجة الأوبئة وما تخلقه من الأمراض المعدية الحساسة للمناخ، مثل الملاريا وحمى الضنك، حيث يتحمل الأطفال دون سن الخامسة قرابة 90% من عبء هذه الأمراض.
أن المناداة بالوقف الفوري والشامل للحرب دون أي شروط مسبقة يعني الالتزام الكامل بالقانون الدولي الإنساني بما في ذلك التفكير العملي في حماية حياة المدنيين والمرافق المدنية الحيوية لانها تشكل الأساس لحماية ” الحياة “مع تأكيد تسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق وإزالة كافة القيود والشروط لضمان وصول الدعم المنقذ للأرواح إلى المحتاجين وتكثيف الجهود الدبلوماسية المنسقة لإنهاء الصراع والضغط على أطراف الحرب للعودة إلى طاولة المفاوضات من أجل انقاذ وحماية حياة الانسان في السودان.
ان الأوضاع التي يعيشها السودان كدولة وكشعب تتباين أوضاعه الاجتماعية والطبقية وحتي بين النازحين داخل البلاد سواء فيما يسمي المناطق الأمنه او معسكرات الايواء , او في ظل الشتات بين دول الجوار المختلفة تتطلب التعامل مع هذه الأوضاع برؤية مختلفة وبمناهج عمل متعددة كما تفتضيها السياقات المختلفة وبالتالي المتطلبات والالويات حسب الاحتياجات الفعلية واليومية والتي عجز المجتمع الدولي والإقليمي من التصدي لها مما فاقم من الأوضاع . ونواصل في حلقة قادمة.


