مقالات وآراء

بين مدنية الدولة، العلمانية، والدولة الدينية: كيف يخرج السودان من صراع الشعارات إلى بناء الدولة؟

ميرغني الحبر/ المحامي

في لحظةٍ سودانية فارقة، بعد حربٍ أنهكت البلاد ومزّقت نسيجها الاجتماعي، يعود سؤال الدولة ليطفو على السطح بحدة غير مسبوقة:

هل نريد دولة مدنية؟ أم علمانية؟ أم دينية؟

غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في هذه العناوين بقدر ما يكمن في الخلط بين المفاهيم، وسوء إدارة الخلاف، وتقديم الشعارات على حساب بناء الدولة. فالسودان، كما أثبتت تجاربه المتعاقبة، لم يكن يعاني من نقص في “النماذج”، بل من غياب “القواعد”.

تحرير نقاط النزاع: حين تختلف الألفاظ وتتداخل المعاني
جزء كبير من الصراع ليس صراع مواقف بقدر ما هو صراع تعريفات:

مدنية الدولة عند البعض تعني دولة القانون والمؤسسات والمواطنة، وعند آخرين تعني نفي أي مرجعية دينية.
العلمانية قد تُفهم كحياد الدولة تجاه الدين، أو كإقصاء له من المجال العام.
الدولة الدينية قد تعني حكم رجال الدين، أو مجرد استلهام الشريعة كمصدر للتشريع.
هذا الاضطراب المفاهيمي جعل الحوار يدور في حلقة مفرغة، حيث يتجادل الناس حول ألفاظٍ لا يتفقون على معانيها.

المدنية كشعار… والمدنية كمشروع
من المهم التمييز بين “مدنية الدولة” كمفهوم دستوري، وبين “المدنية” كشعار سياسي رفعه ثوار ديسمبر.

فالأخيرة جاءت في سياق نضالي واضح، هدفه إنهاء الحكم العسكري وتأكيد حق المدنيين في إدارة السلطة، وهي بهذا المعنى تعبير عن معركة “من يحكم”.

أما مدنية الدولة بالمعنى المؤسسي، فهي سؤال مختلف: “كيف تُدار الدولة؟”

إذ لا يكفي أن يكون الحاكم مدنيًا، ما لم تُحكم الدولة بقواعد تضمن سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، ومنع تغول السلطة.

ومن هنا، فإن الانتقال الحقيقي لا يكتمل بمجرد إنهاء الحكم العسكري، بل ببناء دولة لا يستطيع أي طرف—مدنيًا كان أو عسكريًا—أن يحتكرها أو يختطفها.

جوهر الإشكال: الدين، السلطة، ومن يملك التفسير
السؤال الحقيقي ليس: هل نختار الدين أم العلمانية؟

بل: كيف نمنع الاستبداد أيًا كان غطاؤه؟

فالتجربة أثبتت أن:

رفع شعار الشريعة لا يمنع الظلم
ورفع شعار العلمانية لا يضمن الحرية
المشكلة تبدأ حين تجتمع ثلاثة عناصر:

نص مقدّس + تفسير بشري + سلطة سياسية

هنا يصبح الحاكم قادرًا على إضفاء قداسة على قراراته، فيتحول الخلاف السياسي إلى “خروج عن الدين”، وهي أخطر صور الاستبداد.

العلمانية بين الحياد والإقصاء
العلمانية ليست نموذجًا واحدًا.

فهناك علمانية حيادية تقف فيها الدولة على مسافة واحدة من الجميع، دون عداء للدين، وأخرى إقصائية تسعى لإبعاده من المجال العام.

في المجتمعات الإسلامية، ومنها السودان، لا يُنظر إلى الدين كطقوس فردية فحسب، بل كجزء من الهوية والقيم. لذلك فإن فرض علمانية إقصائية غالبًا ما يؤدي إلى:

رد فعل ديني مضاد
تعميق الاستقطاب
وتسييس الهوية بشكل أكثر حدة
هل يمكن التوفيق؟

نعم، لكن بشرط أساسي:

الفصل بين قدسية النص وبشرية الفهم.

أي:

لا أحد يحتكر تفسير الدين
ولا تُمنح السلطة صفة دينية
ويظل القانون نتاجًا بشريًا قابلًا للنقد والتعديل
بهذه الصيغة، يمكن للدولة أن تكون:

مدنية في مؤسساتها
ذات مرجعية قيمية مستمدة من ثقافة المجتمع
دون أن تتحول إلى ثيوقراطية أو إلى دولة معادية للدين.
الدرس القاسي: المشكلة ليست في النموذج وحده
لو كان الحل في اختيار “النموذج الصحيح”، لنجحت التجارب بسهولة.

لكن الواقع يثبت أن الخلل أعمق، ويتمثل في:

تركيز السلطة في يد قلة
غياب المؤسسات الحقيقية
تسييس الهوية واستخدامها كسلاح
بعبارة موجزة:

الاستبداد لا يهتم باللافتة… بل بالفراغ المؤسسي

السودان بعد الحرب: فرصة أم إعادة إنتاج للأزمة؟
بعد هذه الحرب الكارثية، يبدو أن هناك استعدادًا نسبيًا لدى القوى السياسية للقبول بـ“الحد الأدنى المشترك”، وتأجيل الحسم الأيديولوجي إلى حين قيام مؤتمر دستوري جامع.

هذا الطرح يحمل قدرًا كبيرًا من الواقعية، لكنه يظل محفوفًا بالمخاطر إذا لم يُحكم تصميمه.

الطريق العملي: من صراع الهوية إلى بناء الدولة
بدل البدء بحسم سؤال “من نحن؟”، الأجدى أن نبدأ بسؤال: كيف نُحكم؟

وذلك عبر:

1/دستور انتقالي توافقي

لا يحسم القضايا الخلافية الكبرى، بل يضع:

ضمانات الحقوق والحريات
قواعد إدارة الخلاف
تحييد مؤسسات الدولة
جيش خارج السياسة
قضاء مستقل
خدمة مدنية مهنية
إطلاق الحريات
لأنها ليست ترفًا، بل شرطًا لعدم انفجار الصراع.

2/مؤتمر دستوري جامع

يُدار بقواعد واضحة:

تمثيل متوازن
قرارات بتوافق واسع
شفافية كاملة
3/مسار دستوري شرعي

لجنة قومية لصياغة الدستور
برلمان منتخب لإجازته
استفتاء شعبي بضمانات حقيقية
نقطة مفصلية: العدالة أم الشمول؟
إشراك جميع القوى في المؤتمر الدستوري، بما فيها المرتبطة بالنظام السابق، قد يكون ضروريًا للاستقرار، لكن دون إطار للعدالة الانتقالية سيُفقد العملية مصداقيتها.

التحدي هنا هو:

تحقيق توازن دقيق بين عدم الإفلات من المساءلة، وعدم تفجير العملية السياسية

الخلاصة: لا تبنوا السقف قبل الأساس
الصراع بين “مدنية” و”علمانية” و”دينية” قد يبدو جوهريًا، لكنه في الحالة السودانية سؤال مؤجل بطبيعته.

فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالقواعد:

دستور يحمي الجميع
مؤسسات تُحاسِب
وثقافة تقبل الاختلاف
حينها فقط يمكن أن يُطرح سؤال الهوية بهدوء، ويُحسم بإرادة شعبية حقيقية، لا بميزان القوة.

في النهاية، الخيار ليس بين الدين والعلمانية…

بل بين:

دولة تُدار بالقانون،

أو

دولة تُدار بالصراع.

وما لم يُحسم هذا الخيار، ستبقى كل النماذج مجرد أسماء مختلفة لأزمة واحدة.

تعليق واحد

  1. استاذي الفاضل اشاركك التحليل لمعضلة العلمانية والدولة المدنية هي ثلاث مسائل مختلطة في مسألة واحدة — وطريق الفصل بينها:

    ١. تشريح المعضلة: ثلاث مسائل لا مسألة واحدة
    الخطأ المنهجي في النقاش السوداني حول العلمانية هو معالجة ثلاث مسائل مختلفة كأنها مسألة واحدة. الفصل بينها هو مفتاح إيجاد صيغة توافقية:

    المسألة الجوهر درجة الخلاف
    هوية الدولة هل الإسلام دين الدولة رسمياً أم تقف الدولة على مسافة متساوية من الأديان؟ خلاف حقيقي — لكن له صياغات وسطى
    مصدر التشريع هل الشريعة الإسلامية مصدر للقانون أم القانون الوضعي وحده؟ خلاف جوهري — قابل للإرجاء للمؤتمر الدستوري
    حرية الضمير والأحوال الشخصية هل يُفرض قانون ديني على المواطنين في حياتهم الخاصة؟ توافق واسع عليه — هو جوهر الدولة المدنية

    ٢. لماذا كلمة ‘علمانية’ تحديداً ملغومة؟
    السبب الأول — الإرث الاستعماري
    ترتبط ‘العلمانية’ في الذاكرة السودانية بالحقبة الاستعمارية البريطانية التي فرضت قانوناً وضعياً وهمّشت الفقه الإسلامي. هذا يجعلها مرتبطة بالتبعية الثقافية في وجدان شرائح واسعة، حتى ممن لا يدعمون الأسلمة السياسية ويرفضون نظام الإنقاذ رفضاً قاطعاً.
    السبب الثاني — التوظيف الإخواني لعقود
    نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية استخدما كلمة ‘علمانية’ لأكثر من ثلاثة عقود كتهمة وأداة تحريض وتكفير. هذا الإرث جعلها ‘كلمة ملغومة’ حتى بين الذين يؤمنون بمضمونها — فاستخدامها يستدعي ردود أفعال مشروطة لا تتعلق بالمضمون بل بالتاريخ.
    السبب الثالث — الواقع الاجتماعي السوداني الفعلي
    غالبية السودانيين مسلمون يرفضون الأسلمة السياسية لكنهم يرفضون أيضاً ‘إقصاء الإسلام من الفضاء العام’. هم يريدون دولة لا تحكم باسم الإسلام ولا تفرض قانوناً دينياً، لكنهم لا يريدون دولة معادية للدين أو مُقصِية للهوية الإسلامية من الهوية الوطنية. هذا الواقع يجعل ‘الدولة المدنية’ أكثر قبولاً من ‘العلمانية’ لدى الشريحة الأوسع.
    التسرع في تبني ‘العلمانية الصريحة’ كشرط للتحالف يُضيِّق التحالف المدني دون مبرر — ويُخدم استراتيجياً رواية الدعم السريع الذي يؤطِّر الحرب على أنها ‘حرب ضد الأسلمة’.

    ٣. النماذج المرجعية في التعامل مع الدين والدولة
    ثمة نماذج دولية متعددة تتجاوز الثنائية الغربية ‘علمانية تامة أو دولة دينية’:
    النموذج الصيغة قابليته للسودان
    تونس 2014 الإسلام دين الدولة مع ضمان كامل للحريات الدينية والمساواة ناجح لعقد ثم انهار لأسباب سياسية لا دينية — الصيغة في ذاتها ممكنة
    الهند مسافة متساوية من جميع الأديان — تعترف بالأحوال الشخصية الدينية مع ضمان حقوق متساوية قابل للتكيف مع التعدد السوداني
    إندونيسيا بانشاسيلا: الإيمان بالله دون تحديد دين الدولة — حرية دينية كاملة صياغة أصيلة وطنياً تتجاوز الثنائية — الأقرب للروح السودانية
    جنوب أفريقيا دستور صامت عن الدين — يضمن الحرية الدينية الكاملة والمساواة في الحقوق المدنية عملي لكن يحتاج إجماعاً واسعاً مسبقاً

    ٤. تدرُّج الصياغات المتاحة
    فيما يلي أربع صياغات متدرجة من الأكثر إلى الأقل خلافية، مع تقييم قابلية كل منها للجمع:

    الصياغة تقبلها ترفضها
    العلمانية الصريحة: فصل الدين عن الدولة نصاً دستورياً (ميثاق التأسيس) القوى العلمانية واليسارية والنسوية القوى الإسلامية المعتدلة — يضيِّق التحالف
    الدولة المدنية: غير منحازة لأي دين أو ثقافة (تقدم) غالبية الطيف المدني الإسلاميون الحركيون فقط
    المواطنة أساساً: لا يحكم باسم الدين ولا يُفرض على أحد (المقترح الأمثل) الطيف الأوسع بما فيه الإسلاميون المعتدلون الحركة الإسلامية — خارج الإجماع المدني أصلاً
    تأجيل التقنين للمؤتمر الدستوري مع ضمانات انتقالية واضحة جميع الأطراف المدنية لا أحد — لكن تُبقي الغموض مصدراً للتوتر

    ٥. الصيغة التوافقية المقترحة
    نتوافق على أن المواطنة المتساوية هي الأساس الوحيد للحقوق والواجبات الدستورية دون أي تمييز. لا يجوز لأي سلطة في المرحلة الانتقالية أن تحكم باسم الدين أو تفرض التشريع الديني على المواطنين. يُحدد المؤتمر الدستوري التشاركي طبيعة العلاقة النهائية بين الدين والدولة بعد إجماع شعبي واسع.

    هذه الصيغة تُتيح لجميع التيارات المدنية قبولها: القوى العلمانية تجد فيها ضمان عدم الحكم الديني، والقوى الإسلامية المعتدلة تجد فيها احترام الهوية دون إقصاء، وجميعهم يجدون مرجعاً واضحاً للمرحلة الانتقالية مع إبقاء الباب مفتوحاً للحسم الدستوري اللاحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..