لا لجمهورية (منبر الخراب العاجل)..!ا

رشا عوض

بعد أن اكتملت إجراءات ومراسم استقلال جمهورية جنوب السودان في التاسع من يوليو الماضي، كثر الحديث عن(الجمهورية الثانية) في خطاب قيادات حزب المؤتمر الوطني، والجمهورية المقصودة هنا هي دولة السودان (الشمالي)، وكعادة المؤتمر الوطني في التهرب من مواجهة القضايا الكبيرة والأزمات المعقدة بما يليق بها من جدية ومصداقية، جاء خطابه عن الجمهورية الثانية مركزا على هدفين، الهدف الأول تصوير انفصال الجنوب وإعلان دولته المستقلة كإنجاز عبقري للشمال يستوجب الفخر والاحتفالات! ومن ثم تنقلب الحقيقية رأسا على عقب! فبدلا من ان يوضع المؤتمر الوطني في قفص الاتهام والمساءلة التاريخية عن تقسيم البلاد التي انفرد بحكمها لمدة اثنين وعشرين عاما يصعد بقدرة قادر إلى منصة التتويج! وبدلا من أن يكون فقدان السودان لجنوبه صافرة إنذار قوية تستوجب المراجعة النقدية للمنهج الذي أديرت به الدولة السودانية منذ استقلالها ومن ثم تقويم اعوجاج ذلك المنهج في أوجهه الفكرية والسياسية والتنموية والثقافية لأن فقدان الجنوب ما هو إلا تأكيد لا يقبل المغالطة على فشل ذلك المنهج، يصبح فقدان الجنوب مناسبة لإعلان التمسك بذات المنهج وفي أسوأ نسخة منه أي النسخة الإنقاذية في إدارة ما تبقى من السودان!
أما الهدف الثاني فهو الدعوة مجددا إلى إخضاع البلاد للمشروع الإسلاموي في نسخة أكثر انغلاقا وتعصبا وأكثر تنكرا لحقوق الآخرين بحجة أن ذهاب الجنوب يعني انتهاء واقع التنوع والتعددية في السودان، وهذا الهدف ظاهره إعلاء الهوية الإسلامية للدولة والمجتمع وتطبيق الشريعة وباطنه تبرير احتكار الأقلية الحاكمة للسلطة وحماية مصالحها الدنيوية المحضة بمبررات دينية!
في مقدمة الناشطين في ترويج هذا الخطاب الكارثة صحيفة الانتباهة لسان حال ما يسمى ب(منبر السلام العادل) وهو منبر عنصري مرتبط ارتباطا وثيقا بالسلطة الحاكمة ، ولكن هذا الخطاب الذي ينذر (الجمهورية الثانية) بمصير أسوأ من مصير (الجمهورية الأولى) التي انتهت بانفصال الجنوب ليس حكرا على ذلك المنبر العنصري، بل هو جوهر خطاب قيادات الحزب الحاكم، فعلى سبيل المثال لا الحصر كتب الأستاذ أمين حسن عمر في صحيفة الرائد بتاريخ 13/7 / 2011 مقالا بعنوان الاستقلال الثاني اعتبر فيه شمال السودان أحق من جنوبه باستخدام مفردة(الاستقلال)! وقال (فض هذه الشراكة الوطنية إن كان له ضرر فضرره الأقل على شمال السودان وإن كانت له عوائد وفوائد ففائدته أكبر وأكثر لشمال السودان وما عاد السودان في حاجة إلى أن يسير بسير ضعفائه لأن من كان يتأبَّط ذراع السودان اختار أذرعاً أخرى ليستند إليها واختار قبلة أخرى ولغة أخرى وربما ثقافة أخرى) ومقالة أمين حسن عمر شأنها شأن الخطاب الرسمي عن الجمهورية الثانية غاب عنها تماما الحس النقدي لأداء الدولة السودانية والتوقف عند فشلها الذريع في إدارة التنوع وهو فشل تشترك فيه بدرجات متفاوتة كل القوى السياسية التي حكمت السودان منذ الاستقلال ولكنه بلغ ذروته أو بالأحرى انحدر إلى حضيضه في العهد الإنقاذي. ويضيف أمين حسن عمر في مقالته تلك(السودان لا يزال وطناً من أكبر الأوطان وأنه يأتي في المرتبة السابعة عشرة من دول العالم من حيث المساحة وأنه بات الآن أكثر تجانساً من حيث السكان والعقيدة والثقافة واللغة وأصبح أكثر ترابطاً واتصالاً بين أجزائه وأرجائه وأصبح بانفصال الجنوب أرقى درجة في سُلَّم التنمية الاجتماعية والاقتصادية بمؤشراتها المختلفة سواء في الصحة أو التعليم أو نصيب الفرد من الناتج الإجمالي)!!
وهنا نتساءل في دهشة إذا كان تجانس السكان في العقيدة واللغة والثقافة يجعل الوطن مترابطا لماذا تفكك الصومال وانهارت دولته واحترب أهله فيما بينهم بوحشية وسكانه من إثنية واحدة وعلى دين واحد و يتحدثون لغة واحدة؟ ولماذا اندلعت الحرب في دارفور ضد السلطة المركزية في الخرطوم وظلت أزمتها مشتعلة إلى يومنا هذا رغم أن دارفور مسلمة 100%؟ وأية تنمية بشرية هذه التي يفاخر بها الأستاذ أمين ونسبة الصرف على الصحة والتعليم في ميزانيات الإنقاذ منذ مجيئها لم تتجاوز 5%!! بينما يذهب أكثر من 70% الى الأمن والدفاع؟
حدث انفصال الجنوب حدث مفصلي في تاريخ السودان، ويجب أن يكون علامة فارقة في المسيرة السياسة للشمال تستوجب التغيير الجذري، وأولى الخطوات نحو هذا التغيير هي استئصال العنصرية وسياسات الاستعلاء والإقصاء والأحادية السياسية والثقافية والمظالم التنموية من منهج إدارة الدولة السودانية، وذلك في سياق مشروع وطني ديمقراطي تعددي، وبدون هذا التغيير لن يتمكن شمال السودان من الاستقرار السياسي وتحقيق التنمية والتقدم، فالشمال ليس متجانسا وليس منسجما مع بعضه البعض، الشمال يعاني من أزمات في دارفور غربا، وفي الجنوب الجديد ممثلا في جنوب كردفان التي تشتعل فيها الحرب الآن وتعاني من كارثة إنسانية مروعة، وشبح الأزمة يتربص بالنيل الأزرق، وهناك احتقان سياسي في الوسط وسخط شعبي بسبب الضائقة المعيشية وتردي الخدمات وتراكم المظالم، ولهذه الأسباب مجتمعة فإن أي حديث عن (جمهورية ثانية) يجب أن يكون في سياق البحث عن مشروع وطني يستوعب جيدا درس(الجمهورية الاولى) التي انتهت بانفصال الجنوب،
واستيعاب هذا الدرس لا يعني بالطبع أن يدخل الشماليون في حالة من الاكتئاب الجماعي ويفقدون الأمل في بناء مستقبل مشرق في وطنهم، ولكنه يعني إدارة الشمال بمنهج جديد يحافظ على وحدته في ظل دولة مدنية ديمقراطية، حتى نتجنب إعادة إنتاج أزمة الجنوب القديم في الجنوب الجديد، أما أفكار منبر السلام العادل الذي قال رئيسه( عندما أسمع كلمة تنوع أتحسس مسدسي) فإنها لن تقود السودان إلا إلى الخراب العاجل!

الجريدة

تعليق واحد

  1. لك وحشة يا رشا
    افتقدك القراء كثير ..بحديثك الرصين والعاقل والقوي ..
    اهلا بك رشا وعودا حميد ورمضان كريم

  2. لمازا لا يتم تطبيق الشريعة علي المسؤلين في الدولة، لقد جلدت فتاة بسبب لبسة بنطلون -يجب ان يخرج الشعب السوداني ليس من اجل تغيير الحكم -وانما من اجل تطبيق الشريعة علي الحكومة نافع لدية عشرات القصور يجبان يصلب البشير سرق

  3. التحية والتقدير الكبير لك الاخت رشا عوض فحقيقة ان مازكرتيه سليم وحقيقة واقعة فأن هؤلاء الجرزان فى المؤتمر الواطى يعلون تماما ان كل الشعب السودانى يعرف ما هى الجمهورية الاولى وما ادراك من الجمهورية الاولى جمهورية الندم والدموع جمهورية تمزق فيها وطن المليون ميل مربع جمهورية اللصوص تجار الدين جمهورية اغتصاب النساء والاطفال جمهورية اولى للقتل الجماعى والتطهير العرقى جمهورية اولى خاصة بأزدهار وتقدم وثراء مثلث حمدى جمهورية اولى ونهاية الفصل الاول من اعمال الابادة الجماعية والتطهير العرقى لأبناء الجنوب والنوبة والنيل الازرق ودارفور والشرق وأبناء المناصير جمهورية أولى من شعارات النفاق والدغمسة ولجس الكوع والضحك على العقول جمهورية اولى من اهم أنجازاتها على لاطلاق والتى تستحق له الحكومة التصفيق والتكريم هو أمتلاء دار المايقوما من ابناء الزناء واللقطاء ومن اعظم انجازات حكومة الدولة الرسالية فى الجمهورية الاولى هو تخريج طالبات من كلية الشريعة للعمل كقوادات لبيوت الطالبات ومرشدات جليلات لتوصيل طلبات من الطالبات الى كل من يرغب فى الخدمة مع تجهيز الطلبات باللازم من حفر الدخان والكبرتة انه ان النجاح الباهر الزى يجب ان تحتفل به الجمهورية الاولى لبلد اصبح أثرأ من بعد عين بلد أنجب المحجوب والازهرى وعبد الله خليل بلد الابطال المهدى وابوعنجة وود حبوبة والمك نمر بلد اصبح فيه قاصر مثل الطيب مصطفى ناصحا ومرشدا وهو لا يساوى جزمة المحجوب او خضر حمد او مبارك زروق بلد تحكمه النعاج وشلة من القواديين فى المؤتمر الواطى ومخنثى جهاز الامن الجبناء وسفلة الانتباهة ومطبلاتية مؤتمر اللصوص من السفهاء وارازل القوم من الصحفيين ووقمامة البشر فى صحف الانتباهة والرائد تف عليكم وعلى مؤتمركم الهالك يا أرزل واتفه واحفر من مشى على ارض السودان

  4. منبر السلام الظالم ورئيسه لا علاقة تربطهم بالإسلام وسماحته وعدالته التي تحافظ على حقوق غير المسلم والمسلم معاً في الوطن الواحد. هذا المنبر نواة للشر والفتنة ومحرض على ا لكراهية بين أبناء الوطن الواحد. هذا المنبر عدو للإسلام وليس مدافعاً عنه

  5. الله عليك استاذتنا الجليلة رشا عوض . مقال منسجم مترابط يحمل المشكلة والحلول الناجعة لها . ولكن ليتهم يعقلون

  6. رائعة دائماً يا رشا ..
    مقالاتك كلها كل واحد احلى من الثاني ..
    أرفع لك القبعة إجلالاً ..

  7. كفاية بكاء على انفصال الجنوب أنا لا أدعم حكومة الفساد هذه ولكني أعتبر انفصال الجنوب احد الانجازات القليلة للحكومة وأي انسان متحضر يرى انفصال الجنوب يمثل قمة العدل والديمقراطية

  8. الاستاذة رشا

    حمدلله على سلامتك افتقدنا قلمك كثيرا—

    دايما تضعين يدك على الجرح مباشرة للعلاج ولكن الطبيب ليس طبيب او حكيم لكنه حرامى ومستشاريه جزارين!!!

  9. ان مبداء و ثقافة الاعتراف بالاخطاء تعد من الكبائر لدى الانقاذيين فالمحاسبة شي لا يوجد في عقول هذه الفئه فالعالم تخطي حدود الدولة واصبحت عدة تدار بمنظومة اقتصادية وقانونية واحدة ويتمتع الفرد بلكل الحرية داخل تلك المنظومة فمحمد (ص) تحدث بالعربية التي يفهمها صاحب الانتباهة وبقية اقلامه عن مكارم الاخلاق وهذه الكلمة جوهر الحياء لذى يقال فاقد الشئ لايعطيه فكيف يتم الاعتراف والمحاسبة والكل وشح بوسام التملغ او بالاحرى ثقافة دعني اعيش واحكم حتى لوفقدت شرفي

  10. التحية اليك يارشاء السودان يجب ان يتغير فى الفكر والمفهيم واتفق معك فى معظم ماذهبتى الية ولكنى اختلف معك فى ان انفصال الجنوب ليس وصمة عار لانة اول اوجة تغير العقلية القديمة …..الجنوبين حقيقة حاربوا 20 سنة من اجل هذا الهدف والا لمذا سموها الحركة الشعبية لتحرير السودان….نعم اسفلوا الاحزاب الشمالية فى التحالف حتى بعد 2005 حتى لاتتكررفعلة نميرى فى نقد المواثيق ((صفة الجلابة)) الجنوبين اكتوابنيران العقلية القديمة عقلية الظلم والاستبداد وعقلية السلطة لنا المحابا واسلوب التملك واعطاء الاخرين من فتات الموائد …..السودان السابق مبنى على القبلية والجهوية وعقلية العب والحر وولد عرب وولد بلد وعقلية (((قبيلتى والحمد لله))) …..متى ياترى يمكن ان يحكم السودان رجل زنجى بطريقة ديقراطية حتى الاحزاب الشمالية مدعة الديقراطية…….متى يا رشاء نصبح كما تمنيتى وتنمن الكثيرين من ابنا بلادى

  11. كلام جميل يا استاذة رشا الجنوب انفصل وباقي السودان يواجه مصير مجهول

    ولتفادي هذا المصير على ما تبقي من السودان الانخراط في الحركة الشعبية

    قطاع الشمال واسقاط الحكومة الظلامية بالعمل الثوري المسلح، هذه هي اللغة

    التي يفهمونها القوم وتصحيح الأعوجاج الذي لازم الدولة السودانية منذ الاستقلال

    ودعكي عن انتفاضة شعبية أو مظاهرات أرجو التحريض بهذا الاتجاه ودعم قوى

    الهامش هي الوحيدة القادرة علي اجراء التغيرز وثرة حتي النصر

  12. إنفصال الجنوب إنفصال الجنوب
    والله الإنفصال دا أعقل قرار اتخذتو الحكومة دي هو الموافقة والاعتراف به
    اتفاقية نيفاشا اي زول اتطلع عليها وعلي بنودها ولاقت قبول كبير ولكن الحركة الشعبية غدرت بالشمال كلو حكومة ومعارضة ومواطنين واتبنت الانفصال في اللفة الاخيرة
    بالنسبة للحديث عن الصومال في نقطة واحدة بي حرابتهم دي لو دخل اي اجنبي بيواجهوه كلهم ونحن الان قطاع الشمال بيتحالفو مع الحركة الشعبية وبينفذو اجندتها بكل ماتحمل من معاني الغدر والخيانة الوطنية والمتضرر الاول هو المواطن.
    اعود لانفصال الجنوب ماذا استفاد السودان من الجنوب قبل نيفاشا وخمس سنوات من البترول وماتمن براميل البترول هذه إراقة دماء ابناء القوات المسلحة واستهلاك للموارد واضعاف للاقتصاد طيلة 50 عاما.
    بلي وانجلي

  13. لابد إن طال الذمن او قصر من محاكمة كل من شارك أو حرض على فصل الجنوب لان الذين اتخذوا هذا القرار السودان ليس ملك لهم كما ان الجنوبيون لم تكن لهم رغبة في الانفصال اذا عملت الحكومة بجد لذلك

  14. كعادتك يا رشا لا تتركين لنا حيزا للتعليق …
    فحديثك الدسم والمرتب على طاولة الحوار يشبع نهمنا للحديث …
    نشكرك على هذه المائدة الرمضانية التي تطعم عقولنا لا عواطفنا …
    والحمد لله الذي جعل بيننا شبابا مستنير مثلك …

  15. الأخت رشا لك التحية الطيبة

    نظام الانقاذ هم آخر حكام الجمهورية الأولى،وهم أول حكام الجمهورية الثانية وربما آخر حكامها

    والخوف كله أن تكون الجمهورية الثانية هي آخر الجمهوريات

    أخشى أن نكون قد تجاوزنا (هذا) واصبحنا على مشارف الطوفان

    نسأل الله السلامة وربنا يستر على السودان ويلطف بالأجيال القادمة (آمين)، إنه سميع مجيب

  16. المناضلة رشا عوض
    لك التحية
    نتمنى أن يفيق أعضاء الموتمر الوطني من غيبوبتهم وأن يستبينوا النصح .

  17. التحية لك يا مربية ماما رشا وانتي ترددي عبارة لا لجمهورية الخرب العاجل /اني وطني من اقصي جنوبي كردفان ولي صلة باهلي الدناقلة والمحسيين والحلفاويين النوبيين وليس امثال ساتي وعبدالرحيم فالشكر ليك يا اماه

  18. بعد 22 عام علي تطبيق الشريعة قالوا تاني عايزين يطبقوها و في الاصل ( يطربقوها ) واكبر مقلب للكيزان كان عمر البشير طلع بعثي و شيخه ميشيل عفلق عليه السلام

  19. شكرا استاذة رشا..شغل في الصميم في الشهر العظيم…
    الاخ jilani…منطق مشقلب مقولب مفهلب مهكرب..مرة تقول انفصال الجنوب هو اعقل قرار اتخذتو هذه الحكومة السنية و لا اقول حكومتك …ومرة تقول انو الحركة الشعبية غدرت بالشمال و قررت الانفصال في اللفة الاخيرة من المضمار…..يعني الجماعة شربو مقلب ….كدي خجها و روبها و اشربها يمكن تفهم حاجة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..