مهدي السودان المنتظر: ثورة حقيقية بلا حزبيين

د. محمد عبد القادر سبيل
قلنا في مقام آخر،إن واقع السودان الذي يأكل بعضه بعضاً هذا، لا يقدر عليه سوى مهدي جديد، قلبه عامر بالمحبة والخير والهمة العالية، وفوق ذلك البصيرة، ليملأ الأرض عدلاًوإصلاحاً بعد أن ملأها السياسيون جوراً وإفسادا. ثم إن قضية التغيير تعد أكثر جدية من أن نتركها لأهواءوأجندة السياسيين، فمن سواهم باع الدم القاني والأعراض والسيادة الوطنية، فقط لكي يشعربأنه انتصر، من غيرهم عطل المدارس ودولاب العمل وحتى الأمل في نفوس الناس طوالسنوات؟، من سواهم ملأ الأرض جثثاً وإهدار كرامة للحرائر غيرهم؟ من غيرهم يملأ الأسافير هجاء ووعيداً؟، وما زالوا يشمرون السواعد للمزيد، بعد إدمان الفشل.
يجب وفوراً إبعاد جميع السياسيين السودانيين، يمينهم ويسارهم، من حياة العامة، دون الخضوع لحكم الجيش، ويضاًدون إخضاع الجيش للأهواء والابتذال السياسي الذي يستهدفه من باب النكاية.
السياسيون السودانيون في الحقيقة لا يملكون لهذا الشعب سوى المزيد من المكائد المتبادلة،والصراع حتى على الجيف والقمامات، فهمهم ومبلغ حلمهم هو تصفية الخصوم وإبادتهم لاأقل، حتى يخلو لهم الجو فيبيضوا ويصفروا ما يشاؤون، وهذا في دينهم لا يتأتى إلا بسحق منافسيهم ومحو وجودهم الخطر، وكل من يعترض على مثل هذا التفكير العدواني والخيار التصفوي السلبي فهو في حكم الأعداء لا محالة، ويجب سحقه وحرقه معهم، وهكذا يظل حاضر ومستقل السودان مشروع تصفية حسابات وخيانات وطنية متصلة وبلا هوادة.هل هنالك من يملك أي قراءة اخرى اكثر تفاؤلا او يحوز أملا حقيقيا آخر يمكن أن يمثل بديلاً يحل محل هذا المستنقع الآسن؟، أكاد أجزم بلا، إلا في حالة واحدة، هي التخلص من جميع الأحزاب السياسية، التي نيّفت علىالمائة في أغرب تجربة تعددية في التاريخ البشري، والتخلص أيضاً من تسلط الجيش على السلطة طويلاً في الوقت ذاته، لأن الجيش مهما يكن نزيهاً ووطنياً إلا أنه لا مناصله من استعانته بالأحزاب بصورة من الصور، وثانياً، فالعالم الخارجي لا يقبل بحكمالعسكر، وسيدخل البلاد في اختناقات اقتصادية وسياسية، حال الركون إلى الحكم العسكريالمتطاول.
فكيف المخرج إذاً؟.
نحتاج إلى ثورة شعبيةحقيقية لا تديرها الأحزاب فتختطفها لتصفية حساباتها القذرة، بل يقودها ثوار أطهار (مهديون)متبرئون من التنظيمات السياسية، والحركات المسلحة، على أن يجمعهم ميثاق معلن ومقدسيتضمن ما يلي:
1/ استبدال عقلية الإسقاط السياسي والجأر بالمطالب والتفكير السلبي ، بعقلية الإيجابية والانشغال ببناءالوطن والانتصار للشعب، باتجاه هزيمة التردي الماثل والضعف والخراب المستمر.
2/ تأسيس الدولة السودانية البديلة بمفاهيم جديدة، تهيمن عليها أدوات تنافس سياسي أكثر مدنية وتشاركاً تضامنياً،فالتنمية الشاملة مسؤولية الجميع تضامناً.
3/ لابد من الديمقراطيةولو طال الفشل.
4/ الديمقراطية المنشودةيجب أن تعقب فترة انتقالية اصلاحية مدتها خمس سنوات، يقودها رئيس جمهورية منتخب (بالرقم الوطني، دون الحاجة إلى ترسيم دوائر وإجراء إحصاء سكاني).
5/ الديمقراطيةالتضامنية البديلة هي النموذج السوداني المهدوي، الذي يناسب شروط واقعنا ومستوىنضجنا المدني السياسي، بدلاً عن هاتيك الديمقراطية الليبرالية (ويست منستر) التي أثبتت فشلها ، أو في الحقيقة فشلنا، أربع محاولات، لم يتمخض عنهن إلا اليأس و من ثم دعوة العسكر من جانب الأحزاب ذاتها، ابتغاء الاستقرار والحكم الرشيد!.وريثما نفصل ملامح(الديمقراطية التضامنية) التي يطبقها المهدي المنتظر، في مقالة لاحقة، نشير إلى أنمؤداها هو أن تشارك جميع الأحزاب ذات الثقل الشعبي في إدارة السلطة، مهما يكن وزنهاطفيفاً، وتكون مشاركة الجميع إلزامية بالدستور، على مستويي الجهاز التشريعيوالتنفيذي معاً، بنفس نسبة تحصيل الكيان السياسي من مجموع أصوات الناخبين في الانتخاباتالعامة، وذلك لسد الطريق أمام شهوة إسقاط الحكومات التي لا تحسن أحزابنا سواها.
6/ إقتصادياً ينبغيتبني برنامج إصلاح جاد ومنحاز للشعب والدولة، وعلامة جديته تتمثل في انتزاع وامتلاك مظان الثروة القومية، كالذهب والصمغ العربي والحبوب الزيتية والقطن والنفط والذرةوالمنتجات الحيوانية، إمتلاكاً كاملاً لصالح الدولة والشعب، على أن تترك بقيةالموارد لصالح القطاع الخاص بما يفضي إلى نموذج ( الاقتصاد المختلط).
7/ اجتماعياً لاتفريط في هوية هذه الأمة، وأسباب تناغمها وسلمها الإجتماعي.إن انتزاع مصير ومستقبلشعبنا ووطننا، من أيدي هؤلاء السياسيين، المستهترين الذين أفنوا حياتهم وحياتنا جميعاًفي تعاور الحقد والتنابز بالألقاب، قد بات ضرورة وطنية وواجباً أخلاقياً، ينبغيالعمل من أجله من جانب كل غيور على هذا الشعب المنسي الذي لا بواكي له، لأنه لارجاء في انصلاح حال هذه الأحزاب التي امتهنت الكراهية والكيد السياسي، بدون أي سقفزمني أو خطوط حمراء. الشارع مليء بالشبابالغيورين، الذين وعوا الدرس، لذلك فالثورة النظيفة لابد قادمة، ثورة ضد الأحزابوالدكتاتوريات معاً. وبرنامجها (السياسي والاقتصادي) معلن قبل النزول إلى الميادين،ويجسده نموذج ديمقراطي بديل، بمفهوم تضامني جديد، وإقتصاد تشد خيوطه يد الدولة، فالثروةلأفواه الشعب لا لخزائن الرأسمالية الطفيلية. والثورة لصالح الشعب، لا لتشاكس الأحزابالمتباغضة، ولا للتوحل في مستنقع الماضي، فقط أين المهدي؟، والله سيوفقه.



