?حلول قديمة? حتى بعد رفع العقوبات الأمريكية لجأت الحكومة إلى الطريق السهل في البحث عن القروض بإعلان البنك المركزي اقتراض ?200? مليون دولار من بنوك إماراتية، فما الفرق بين ما قبل وبعد الحصار؟

الخرطوم ? نازك شمام
نهاية العام الماضي، وفي اجتماع المكتب القيادي للمؤتمر الوطني، تزامن مع عودة الرئيس عمر البشير من دولة الإمارات العربية، حملت الأخبار الحصول على وديعة بقيمة نصف مليار دولار، مع تسهيلات لاستيراد الجازولين لفترة ستة أشهر، كان ذلك قبل رفع العقوبات الأمريكية التي جعلت الاقتصاد السوداني يرزح تحت وطأة شح النقد الأجنبي لسنوات عديدة، لعدم قدرة الصادرات السودانية الولوج إلى الأسواق العالمية وأسباب أخرى متعلقة بطبيعة الصادرات والإنتاج والتي حرمتها العقوبات، بأن تكون بالجودة المطلوبة، وبعد قرار رفع العقوبات الاقتصادية، دار في المخيلة أن الوضع الاقتصادي سينصلح حاله ما بين يوم وليلة، لا سيما في ما يختص بالنقد الأجنبي لتوفير الاحتياجات الأساسية.
ولم يكن يعلم الناس أن الدولة وبعد العقوبات ستبحث عن مخرج أزمتها النقدية بالبحث عن الطريق الأسهل المتمثل في البحث عن القروض. غير أن ذلك ما كشفه محافظ بنك السودان المركزي، حازم عبد القادر، وهو يجوب شوارع دولة الإمارات للبحث عن قروض لتمويل استيراد المنتجات البترولية والقمح والأدوية، وأعلن عن تعاقده مع ثلاثة بنوك إماراتية لاقتراض (200) مليون دولار والعمل مع ثلاثة بنوك مماثلة لتعاقد بذات المبلغ خلال الأيام المقبلة، فهل ستكون مرحلة ما بعد رفع العقوبات مماثلة لما قبلها؟
على مدار سنوات طويلة، ظل توفير النقد الأجنبي لاستيراد السلع الأساسية أحد الهموم الكبيرة للدولة في ظل شح كبير أصاب موارده بعد انفصال الجنوب وفقدان الإيرادات النفطية، ولم يسعف اكتشاف الذهب على يد الأهالي في العام 2010 في حل المعضلة وتوفير مبالغ لاستيراد الاحتياجات الأساسية، ورغم اتجاه الدولة القوي لرفع الدعم كسياسة إصلاحية باتت الموازنات العامة تحملها عاماً تلو آخر، غير أن هذه المعالجة لم تجد نفعا، ولم تستطع أن توفر نقدا أجنبيا لاستيرادها وجلبها من الخارج، علاوة على هذه التحديات الكبيرة تواجه الدولة مصاعب أخرى في ما يختص بتهريب السلع المدعومة إلى دول الجوار، وهو ما يجعلها تستمر في سياسات الإصلاح الاقتصادي لمجابهة تحديات التهريب.
غير أن القروض والمنح التي كانت تأتي من الخارج لقيام المشروعات التنموية، كانت تجد قبولاً في الأوساط الاقتصادية، لجهة أولوية التنمية بالدولة، خلافاً للقروض التي تذهب في استيراد السلع الاستهلاكية، وهو ما يعده الخبراء الاقتصاديون خطأ جسيماً في معالجة المشاكل الاقتصادية، وهذا ما قاله عضو هيئة المستشارين بمجلس الوزراء، د.هيثم محمد فتحي، إن اقتصاد السودان يعيش أزمات تمويلية خارجية منذ الثمانينيات، وأن الدولة ترى أن التمويل الخارجي هو المخرج الأسرع من تلك الأزمات، بيد أنه ينتقد الحلول الخارجية، لجهة أنها لا تعمل على حل المشكلات الاقتصادية أو تعمل على جذب استثمارات أجنبية، ولكن العامل السياسي هو الحل للأزمة التمويلية، وهذا ما تعمل عليه الجهات ذات الصلة، ويؤكد أن هذه القروض تأتي في إطار معالجة مشكلات عاجلة لا تتعلق كثيرا بقضايا ومتطلبات التنمية، شأنها شأن الودائع الخليجية التي توظف لصالح احتياطي النقد الأجنبي، أو تمويل بعض احتياجات الموازنة العامة للبلاد. أما عن الاقتراض من البنوك التجارية العالمية، فلا تتوافق ومتطلبات التنمية، فطبيعة هذه القروض أنها قصيرة الأجل وذات سعر فائدة مرتفع، بينما مشروعات التنمية طويلة الأجل تتطلب أسعار فائدة متدنية وفترات سماح تتواكب وطبيعة العائد من مشروعات التنمية.
ودعا فتحي لأنْ يكون التوجه الأساسي للحصول على تمويلات لمشروعات قائمة تحتاج مصادر تمويل، قبل التوجه للاقتراض لتمويل المشروعات الجديدة، ناهيك عن أن يكون تمويل سلع في ظل أن الحكومة لديها برنامج للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي من أهم بنوده تعزيز الموازنة العامة وضبط الإنفاق الحكومي، وهيكلة دعم الطاقة، وتحسين المناخ الاستثماري، وتوطين صناعة الأدوية وزراعة القمح.
لذلك لابد من مراجعة هذا البرنامج حتى يتوافق مع المتغيرات التي منها رفع الحظر الأمريكي، ولابد من العمل على ترشيد الواردات نظرًا لارتفاع أسعار السلع المستوردة، الأمر الذي من المتوقع أن يساهم في سد عجز ميزان المدفوعات العام المقبل، وبالتالي لن تكون هناك حاجة إلى الاقتراض من الخارج بمبالغ كبيرة.
وطالب بالتفرقة بين ما يسمى بالقروض الخارجية المنتجة، وهي تلك القروض التي تستخدم في شراء وبناء وسائل الإنتاج، وينجم عن استخدامها حدوث زيادة أو توسع في الطاقات الإنتاجية للاقتصاد القومي، وما يسمى بالقروض الخارجية غير المنتجة، وهي تلك القروض التي تستخدم في أغراض أخرى، ولا تسهم في زيادة أو توسيع الطاقات الإنتاجية للبلد، ومثالها القروض التي تستخدم لتمويل شراء السلع الاستهلاكية. والقروض الخارجية المنتجة هي وحدها التي يمكن أن تسهم في خلق فائض بالميزان التجاري عن طريق ما تدره الطاقات الإنتاجية الجديدة من عملات أجنبية، لأنها تسهم به في زيادة الصادرات أو تقليل الواردات.
أما القروض الخارجية غير المنتجة، فلا تسهم إطلاقاً في خلق أي فائض بالميزان التجاري، وتظل دائماً عبئاً على ميزان المدفوعات. كما أن التحول من الاعتماد على التمويل المحلي إلى الخارجي بالعملة الأجنبية لشراء سلع، سيعرض الجنيه لمزيد من الانخفاض وزيادة التعرض للمخاطر الخارجية.
اليوم التالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..