العواصف التى صاحبت رحلة جاستن ترودو إلي الهند

هاشم بدرالدين/كمبالا
ربما لا توجد في الذاكرة شخصية جسدت الليبرالية في السلوك والمواقف رغم تقلبات السياسة وتوترات الحرب الباردة مثل بيير ترودو، رئيس وزراء كندا من 1968الي 1979ومن 1980 إلى 1984، والد رئيس الوزراء الحالي جاستن والذي غيبه الموت عام 2000 بعد صراع طويل مع المرض.
كانت فترة حكمه الطويلة عاصفة بالأحداث وكانت مواقفه فيها دائما مبدئية، متميزة لا يقتفي أثر واشنطون ولا يبالي بنقدها وضغوطها. فقد إحتفظ بعلاقات دبلوماسية وتجارية مع كوبا رغم المقاطعة الامريكية، وكان اول زعيم لدولة في حلف الناتو يزور هافانا بصحبة أسرته أمضوا فيها ثلاث ليالي قوبلت بحملة عنيفة من الولايات المتحدة وقوى اليمين في كل الغرب.
بيير ترودو كان له اعداء مفرطون في العداء لكن محبوه كانوا هم السواد الأعظم، فالكريزما التى كان يتمتع بها تجاوزت حدود كندا إلى كل أصقاع الأرض. خرج عن المألوف في السياسة والبروتوكول الغربي، جلس إلى جوار الملكة بقميص مكفف، وشاهد المباريات الرياضية جالسا في المدرجات مع عامة الناس. إرتدى أزياء الهنود الحمر وركب قارب الكانو وجدف في الأنهار. مارس مختلف ضروب الرياضة وكان يحمل الحزام الأسود في الجودو. خرج في اللقاءات الجماهيرية بالفلينة ورقص مع عرب الخليج في الصحراء. تزوج فتاة تصغره ب 29 عاما أنجب منها اربع اطفال وانفصلت عنه وهو في السلطة.
بيير ظل حتى بعد اعتزاله السياسة خطيبا بليغا مليئا بالثقة يهرع الآلاف لسماع كلماته وينقلها الإعلام. لذلك لا تزال شخصيته تحيطها القداسة من جيل السبعينات الذي يري فيه الزعيم الذي بني كندا الحديثة وصاغ القومية الكندية. إنتخاب إبنه ربما كان حنينا إلى ماضى الليبرالية الكندية التليد وأملاً في غدٍ مشرق في عالم إختلطت فيه الأوراق بعد صعود اليمين المتطرف والعنصري في الولايات المتحدة وغرب أوربا.
إبنه رئيس الوزراء جاستن ترودو أنهي يوم أمس السبت زيارة الي الهند إستغرقت أسبوعاً وقوبلت بعاصفة من النقد والسخرية في البلدين وفي الاعلام الغربي عموماً.
بدأت باستقبال فاتر من مضيفه رئيس وزراء الهند، ناريندرا موتي، الذي إعتاد ان يستقبل ضيوف بلاده في المطار كان آخرهم ولى عهد أبو ظبى وناتنياهو، لكنه إستقبل رئيس وزراء كندا من خلال حسابه في تويتر، ولم يلتقيه شخصيا الا في اليوم السادس للزيارة.
إتهام الهند لكندا بتعاملها غير الجاد مع حركات السيك الانفصالية المتطرفة التى تتخذ من كندا قاعدة لها ليس جديدا، لكن دعوة احد المتطرفين السيك، جاسبال أتوال، الذي سبق أن أدانته محكمة كندية بتهمة محاولة إغتيال وزير هندى في مدينة فانكوفر، لحفل عشاء أقيم علي شرف ترودو في السفارة الكندية بدلهي سبب عاصفة من النقد من جانب الدولة المضيفة مما أضطر الجهة الكندية المنسقة للحفل لإلغاء الدعوة.
الحكومة الكندية ردت علي الاحتجاجات بأن الحكومة الهندية هى التى منحت أتوال تأشيرة دخول للهند لإحراج ترودو.
إرتداء ترودو وافراد أسرته للأزياء الهندية قوبل بإعجاب من العامة في الهند وكثير من النقد من الإعلام الهندى، وبعض الدهشة في كندا وغيرها. كما علق كثير من الهنود بأن ترودو لا يعلم أن هذه الأزياء تظهر فقط في الأفلام الهندية وإن الهنود لا يرتدونها في حياتهم العادية.
صحيفة (تايمز أوف إنديا) ذكرت في مقالٍ لها ان أى زيارة لرئيس وزراء لدولة أخرى يقوم بتنسيقها الطرف الزائر ولا يكون للدولة المضيفة أى دور فيها تكون دائما محفوفة بالمخاطر. وتمضي لتقوم أن ترودو هدف من زيارة لتسجيل أهداف في وسط ناخبيه الهنود الكنديين من طائفة السيك، فقد جاء معه اربعة وزراء سيك من ستة وزراء في وفده وعدد من السيك اعضاء البرلمان الكندى، وإن حفل العشاء الذي أقامته السفارة الكندية كان إحتفالا لإقليم البنجاب، فقد دخل ترودو إلى صالة الحفل وهى يرقص علي إيقاع البانغرا.
تايمز اوف إنديا علقت علي إرتداء ترودو واسرته أزياء السيك بأنه مسرف وتجنبت التعليق علي زيارته الى المعبد الذهبي في إمرستار أقدس مكان عند السيك، الذي كان مسرحاً لأحداث عنف هزت الهند عام 1984 فقد تحصن داخله متطرفون سيك يطالبون بالانفصال عن الهند وإنشاء دولة خالستان في إقليم البنجاب. وبعد فترة طويلة من الشد والجذب والحسابات السياسية الداخلية والخارجية، أمرت أنديرا غاندى قواتها بإقتحام المعبد مما نتج عنه مقتل ما يقدر ب 500 مسلح من الانفصاليين و100من الجيش الهندى وإعداد كبيرة من المدنيين تحت وابل المدفعية. وهو الحادث دفعت أنديرا غاندى حياتها ثمنا له، إغتالها إثنين من حارسها السيك فقد أصرت علي الاحتفاظ بهما رغم نصائح المقربين منها.
نقلت تايمز أوف انديا قول مسؤول هندى انه بالرغم من وجود اعداد كبيرة من السيك في بريطانيا واستراليا، لكن كندا هي الدولة الوحيدة في العالم التى لا يجد قادتها حرجا في الظهور بصحبة الانفصاليين السيك دعاة دولة خالستان.
نيويورك تايمز كعادتها في مقال رائع ومحائد، تناولت الزيارة من عدة جوانب وركزت اكثر علي إرتداء ترودو وأسرته ما وصفته بازياء بولي وود عاصمة السينما الهندية. وقالت إن آراء منتقديه تثير السؤال: (The debate, which played out on social media, raised the question of where to draw the line between honoring local customs and cultural appropriation.)
الهند شريك تجارى مهم لكندا والجالية الهندية الضخمة والمتنامية في كندا هى أحد الركائز الانتخابية للحزب الليبرالي، تسليط الضوء علي الثقافات المتميزة والإحتفاء بها ظل شعارا لكندا كمجتمع متعدد الاعراق والثقافات لكن يبدو أن إفراط جاستن ترودو في تقمص واحدة من هذه الثقافات أثار عواصف لم تكن في الحسبان.
لكن مثل كل خروج عنه المألوف، فعله أبوه من قبله، لم تكن شجاعته فقط في الفعل لكن أيضا في الثبات في وجه عواصف ردود الفعل.



