مقالات وآراء

من الكرامة إلى المواطنة (1-2)

عوض الكريم فضل المولى جادالله الشيخ

من الكرامة إلى المواطنة
مدخل إلى ميثاق إنساني للتعايش الديني والمجتمع.
كرامة الإنسان هي الأساس الأخلاقي للمواطنة، والعدالة الإنسانية هي الطريق الذي يحوّل هذه الكرامة إلى واقع.
فالمواطنة الحقيقية لا تعني فقط حمل جواز سفر أو بطاقة هوية، وإنما تعني أن يشعر الإنسان بأن الدولة وطنٌ له، كما هي وطنٌ لغيره؛ وأن القانون فوق الجميع، وأن الحقوق متساوية، وأن الإنسان لا يحتاج إلى قبيلة تحميه، أو جماعة سياسية تسنده، أو طائفة تمنحه الأمان.
الدولة العادلة هي التي تجعل القانون صاحب الحماية الأولى للإنسان، لا الانتماء القبلي أو الديني أو السياسي.
ومن هنا فإن المساواة أمام القانون ليست شعارًا قانونيًا فحسب، وإنما هي اعتراف عملي بكرامة الإنسان، وترجمة حقيقية لمبدأ المواطنة.
لا يمكن الحديث عن كرامة الإنسان بمعزل عن العدالة.
فالإنسان الذي يُقتل بلا حق، أو يُهجّر من منزله، أو يُعتقل بسبب هويته، أو يُحرم من حقه لأنه ينتمي إلى جماعة معينة، لا يعيش في مجتمع يحترم كرامته، مهما كانت النصوص والقوانين التي تتحدث عن حقوقه.
ولهذا فإن العدالة التي نحتاج إليها ليست مجرد عدالة جنائية أو انتقامي أو عدالة إدارة أهلية. تأتي بعد وقوع الجريمة، وإنما عدالة إنسانية تبدأ قبل الجريمة، بمنع الظلم والتمييز والإقصاء، وتعمل على إزالة الأسباب التي تنتج العنف والكراهية، وتعيد للإنسان حقه في الحياة والحرية والأمان والاحترام.
فالعدالة الإنسانية ليست مجرد معاقبة من ارتكب الجريمة، وإنما هي بناء مجتمع لا يُنتقص فيه حق إنسان بسبب دينه أو عرقه أو لونه أو أصله أو قبيلته أو منطقته أو موقفه السياسي.
إنها عدالة تنظر إلى الإنسان قبل انتمائه، وإلى حقه قبل موقعه، وإلى كرامته قبل هويته.
والعدالة الإنسانية لا تنتصر لقبيلة على قبيلة، ولا لدين على دين، ولا لمنطقة على منطقة، ولا لجماعة سياسية على جماعة أخرى.
إنها تنتصر للإنسان.
ومن هنا تصبح العدالة الإنسانية شرطًا للمواطنة، كما تصبح المواطنة الإطار الذي تتحول فيه العدالة إلى حق مشترك بين الجميع.
إذا كانت الكرامة هي الاعتراف بقيمة الإنسان، فإن العدالة هي حماية هذه القيمة من الانتهاك.
فالكرامة تقول: هذا الإنسان له قيمة.
والعدالة تقول: إذن يجب أن يُعامل بما يليق بهذه القيمة.
والمواطنة تقول: إن هذه الحقوق لا تتوقف على اختلاف الناس في الدين أو العرق أو اللون أو الأصل أو الثقافة.
أما الدولة العادلة فتتولى حماية هذه المبادئ وتحويلها من قيم أخلاقية إلى مؤسسات وقوانين وممارسات.
ولهذا فإن مشروعنا لا يرى العدالة الإنسانية قضية منفصلة عن الكرامة والمواطنة، وإنما يراها امتدادًا طبيعيًا لهما.
كرامة بلا عدالة تظل مبدأً جميلًا لا تحميه القوة القانونية والاجتماعية.
وعدالة بلا كرامة قد تتحول إلى مجرد إجراءات وعقوبات.
أما العدالة الإنسانية فتجمع بين الأمرين: حماية الإنسان وصون كرامته.
من أخطر ما يهدد التعايش أن يتحول الاختلاف الديني من اختلاف في الاعتقاد إلى حكم على قيمة الإنسان.
قد أؤمن بما أراه حقًا، ويؤمن غيري بما يراه حقًا، لكن إيماني لا يمنحني الحق في إهانة المختلف أو الاعتداء عليه أو حرمانه من حقوقه.
إن حرية الاعتقاد لا تكتمل إلا بالاعتراف بإنسانية المختلف.
ومن هنا فإن حماية كرامة الإنسان المختلف في الدين ليست تنازلًا عن العقيدة، وإنما هي التزام بالمبدأ الأخلاقي الذي يجعل الإنسان قادرًا على ممارسة إيمانه دون أن يحوّل إيمانه إلى أداة لسلب الآخرين حقوقهم.
فالاختلاف الديني يمكن أن يكون مصدرًا للتنوع والثراء الإنساني، لكنه يتحول إلى خطر عندما يُستخدم لإنتاج الكراهية أو التمييز أو العنف.
والعدالة الإنسانية هنا تضع حدًا واضحًا لهذا الانحراف: لك أن تختلف في الاعتقاد، ولكن ليس لك أن تسلب المختلف إنسانيته أو حقوقه.
لهذا فإن المبدأ الأول في الميثاق الإنساني للتعايش الديني والمجتمعي الذي نقترحه هو:
كرامة الإنسان غير قابلة للانتقاص بسبب الدين أو العرق أو اللون أو الأصل.
وهذا المبدأ ينبغي ألا يبقى فكرة فلسفية أو قيمة دينية في الكتب، وإنما يجب أن يتحول إلى ثقافة اجتماعية، وقاعدة قانونية، وممارسة سياسية، ومنهج تربوي.
وإذا اتفقنا على أن الإنسان مكرّم، يصبح من الممكن أن نبني عليه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..