
لا شك أنها ذكرى أليمة للأسرة المباشرة والأصدقاء والأقارب وليس المقصود هنا تجديد الجراح ولكن وفاء ودين مستحق .. لقد شاءت الظروف أن أعايش وأكابد جانبا من القصة المأساوية واتابع تراجيديا أحداث تفاصيل وتطورات ملابسات الجريمة البشعة التي ارتكبتها ــ بلا مبرر ــ عصابة الإنقاذ في حق زينة الشباب طالب العلم المرحوم مجدي محجوب محمد أحمد .. ومن مفارقات الزمان وسخريات القدر أن تجئ النهاية على يد الجيل الذي ولد وأمضى سنوات التكوين والنمو في كنف ذلك النظام الظالم المقيت ومع ذلك لم يتأثر به أو يماثله قيما وأخلاقا .. كنت وقتها أعمل في الإمارات العربية المتحدة في مدينة أبوظبي .. وقد جمعتني علاقة صداقة بالسيدة منيرة شقيقة مجدي وزوجها أحمد خليل نشترك كلنا في حب الفن والأدب وطيب الكلم .. كان بيتهم ملاذا لنا في ”هجير“ ليالي الغربة وتداعيات الدياسبورا وريبها .. نعمنا ردحا من الزمن بصحبة تلك الأسرة الوديعة تديرها وترعى شؤونها ـ واسطة العقد ـ منيرة الإنسانة الرائعة المحبة للناس يسعفها ذلك المخزون الضخم من الجينات الطيبة والإرث الحضاري والأرومة النبيلة .. هكذا كانت تمضي بنا الأيام سعيدة في صحبة تلك الأسرة المضيافة .. ولكن هيهات !! تأبى الأيام إلا أن تكدر المياه ويسودها التقلب المتفق مع طبيعتها والمنسجم مع معابثاتها ..وهكذا ”تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن“ وعلى رأي المتنبي أيضا حين قال مصيبا:
أود من الأيام ما لا توده وأشكو لها بيننا وهي جنده
فلم تكن تلك الأسرة الوادعة المطمئنة مستعدة لاستقبال حدث جلل يهز وجدانها بعد أن أصاب المجتمع السوداني قاطبة بالذهول من هول الفجيعة ووقع المفاجأة ..جاءت الأخبار من السودان تحمل الخبر المشؤوم بأن النظام الجبان أقدم على اغتيال الشاب مجدي متهما إياه زورا بتجارة العملة بعد أن وجدوا حفنة من الدولارات في بيته!! ولم يشفع له أنها تخص ورثة والده المتوفي قبل سنوات ثلاث وأن الابن مجدي قطع دراسته في لندن وجاء الى الخرطوم ليتشاور مع العائلة في هذا الشأن .. ولكن هل يجدي المنطق السليم مع عقول خربة أخذتها العزة بالإثم ؟ ولم تشفع الرحلات المكوكية للوالدة المكلومة في ملاحقة رئيس النظام للنظر في الأمر .. وهكذا أقدموا على ارتكاب الجريمة في برئ صار دمه لعنة على رجال الثورة الذين يقبعون الآن في ظلامات الجب ..
وبوصول الخبر تقاطرت في تعاضد جموع الجالية السودانية في أبوظبي نحو مقر إقامة الأسرة للمشاركة في العزاء الذي اقامته الاسرة المؤمنة الصابرة .. وكان لسان حالها الاستهداء بقول الله تعالى في كتابه الكريم ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”.. وبقول النبي صلى الله علية وسلم ” عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ ”.
ومن عجائب تصاريف الزمان وأحكام القدر أن يتم تنفيذ الحكم في ١٩ ديسمبر نفس يوم قرار استقلال السودان وأيضا اندلاع ثورة الشباب التي أدت إلى سقوط النظام في مزبلة التاريخ !!
آلا رحم الله الشهيد مجدي وعوضه شبابه الجنة وألهم آله وذويه الصبر والسلوان ..
د. الفاتح ابراهيم/ واشنطن
[email protected]



