الحكم الراشد وحتمية الإصلاح المؤسسي، تقييم الماضي و استشراف للمستقبل
إعداد : د. أحمد محمد الحسن فقيري

قائمـــة المحتويات
| الصفحة | الموضوع |
| 3 | مقدمة |
| 4 | المشهد العام |
| 4 | واقع الحال |
| 5 | أطار عام للتحليل |
| 7 | إشكالية التنظيم المؤسسي |
| 8 | أهداف الإنقاذ وثقافتها المؤسسية |
| 9 | التمكين |
| 10 | تمكين أهل الولاء |
| 11 | تمكين المركز |
| 12 | آثار سياسات التمكين |
| 12 | تمكين الأفراد المتنفذين |
| 13 | اضعاف المؤسسية الهيكلية |
| 14 | تضخم سلطة المركز |
| 17 | واقع الجهاز التنفيذي |
| 18 | الإحتياجات الوظيفية للحكومة المركزية |
| 19 | الوزارات المركزية و إحتكار الرقابة والتنفيذ |
| 21 | وزارة المالية و احتكار مهام الرقابة المالية |
| 23 | الجهاز التشريعي و الدور الغائب في الرقابة والمسائلة |
| 27 | ملاحظات حول مفهوم الرقابة المالية |
| 28 | احتكار أنشطة التنفيذ – وزارة الري مثالاً |
| 29 | علاقة وزارة الري بمحيطها – مثال للإيضاح |
| 32 | مدخل كلي لتعريف المشكلات |
| 35 | التوصيات |
| 35 | متطلبات تفعيل اللامركزية |
| 38 | تفعيل الإنضباط المؤسسي |
| 41 | إشكالية الممارسات – راشدة أو غير راشدة |
| 41 | اشكالية البيئة المحيطة – داعمة أو معوقة |
| 43 | خاتمــــــــــــة |
مقدمة
تجئ هذه الدراسة كجزئية من مشروع يهدف الي التعريف بمفهوم المؤسسية والحكم الراشد.وهو مشروع متشعب وله جوانب عديدة، وتسعى هذه الدراسة الى التعامل معه بتجزئته الي عناصره الموضوعية، ومن ثم كتابة أوراق عمل تغطي اجزائه المختلفة.
يثير مفهوم المؤسسية قضايا مركبة وحساسه فهو يعتمد على أربعة أركان رئيسية لابد من استيفائها. أولها تبنى سياسات تلبي احتياجات أصحاب المصالح والجهات المختلفة ذات العلاقة، وثانيها العمل في اطار هياكل تنظيمية بكل ما تعينه هذه المسألة من أبعاد ، وثالثها الالتزام بالقوانين، أما المحور الرابع فيعالج قضايا الممارسات.
تهدف هذه الورقة الي تعريف وتحليل مشكلات الهياكل التنظيمية في الجهاز التنفيذي من مدخل الممارسات المؤسسية والحكم الراشد. وتحتاج هذه الجزئية فى حد ذاتها للكثير من الجهد والوقت، وقد عملنا علي إبراز أهم المشكلات ذات العلاقة بها فى المستويات الإدارية المختلفة كمثال لتوضيح عمق الأزمة التى يعيشها الجهاز التنفيذي فى الوقت الراهن، الأمر الذي يقتضي تعاملاً مهنياً يعمل علي تعريف مشكلاته وتحليلها والتوصية بشأنها وذلك علي أمل التوصل لحلول موضوعية تعالج مشكلات المرحلة القادمة.
ان الاستنتاجات الواردة في هذه الدراسة هي حصيلة الاطلاع على عشرات الوثائق والمسوحات الميدانية و المقابلات الشخصية التي اجريناها خلال فترة طويلة اثناء ممارساتنا للاستشارات الادارية فى العديد من الوزارات.
من الواضح ان المعلومات ومن ثم التحليل يغطي فترة الإنقاذ –فهي تاريخ متكامل، وحقبة مكتملة الاركان نستطيع استخلاص الكثير من الدروس والعبر منها.
د.أحمد محمد الحسن فقيري
مستشار إداري – الخرطوم – سبتمبر 2019م
Email : [email protected]
هاتف : 0912130133
1/ المشهد العام
شهد أداء القطاع العام تدنياً واضحاً خلال العقود الثلاثه الأخيرة. كما تسارعت معدلات تدهوره في كافة المجالات. فالمهام الأساسية المنوطه بوحداته لم تعد تنجز بالمستوى المطلوب، والخدمات المسئول عن تقديمها تدهورت إلى مستوى غير مسبوق، في حين اضعفت الهياكل المؤسسية المسئولة عن صنع وتطوير السياسات التى يفترض أن تكون متوازنة وقائدة لمسار التنمية في البلاد. لقد أصبحت السياسات تتغير بين عشية وضحاها دون اعتبار للمردودات السلبية المترتبة عن تلك التغييرات على القطاعيين العام والخاص ، وصحب ذلك تآكل واضح في القدرات الإدارية المطلوبة لتسيير المشروعات التنموية القائمة وكذلك قصوراً مؤسسياً قاد إلى فشل تطوير مشروعات تنموية جديدة.
إذا كان هذا واقع القطاع العام فإن التساؤلات المنطقية التي تثور هنا هي : ماذا حدث لمؤسسات الجهاز التنفيذي ؟ وما هي أبعاد المشكلات التى أقعدت به وجعلته في حاله عجز تام ماثلة للعيان؟ وكيف يكون المدخل المناسب للاصلاح ؟ وما هي أبعاد الخطة العملية المفترض بلورتها لجعل مبادئ ثورة التاسع عشر من ديسمبر موجهة لإصلاح تلك المؤسسات؟ هذه اسئلة لابد من مواجهتها والإجابة عليها عسى أن تكون مدخلاً عملياً لإصلاح الجهاز التنفيذي بحيث يصبح قادراً علي بلورة سياساته وإدارة عملياته بمستوى عالٍ من الكفاءة والفعالية.
1/1 واقع الحال :
هل يجسد المشهد العام الذي عرضنا له في تقييمنا أعلاه حال وواقع الجهاز التنفيذي؟ تعكس الحوارات التى دارت في فترات سابقة في الصحافة السودانية حول أداء الحركة الإسلامية حدة الاختلاف في تقويم اصحاب الشأن لواقع الحكم والإدارة في البلاد. فبينما يصر فريق منهم بأن حكومة الإنقاذ امتداد لدولة المدنية وتجسد الحكم الراشد، يري فريق في الطرف الأخر، إن تجربة بناء الدولة الإسلامية ومؤسساتها وصلت إلي نهاية محتومة. ( د. الطيب زين العابدين ، الصحافة ، 27 /3/2005م د. عبد الوهاب الأفندي ، الصحافة 5/4/2005م.
إذا كان تقويم تجربة أعضاء الحركة الإسلامية بهذا التفاوت الكبير، فأن واقع الحال يؤكد ،أننا نعيش في فترة انهارت فيها الكثير من الضوابط واللوائح والنظم التي كانت تحكم الجهاز التنفيذي في كافة الميادين ، و تضمن سلامة الأداء في كل جوانب الحياة ، وتضبط حركتها وفق قوانين وضوابط يحترمها الجميع ويتمسكون بها ، ومؤسسات تشرف علي الأداء….”
يتضح مما تقدم عمق الاختلافات في وجهات النظر مما يقتضى وقفة ترصد الأهداف وتتابع الممارسات وتحلللها وصولاً لتقويم موضوعى لها.
لا يقتصر التحدي الذي يواجه البلاد علي تغيير واقع مؤسسات الحكم الحالية بما فيها الجهاز التنفيذي، ولكن أيضاً في أنفاذ المفهوم الجديد للحكم الذي تطرحه شعارات الثورة واهدافها المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة واهمية ولوج عهد للحكم يتسم بالمسئولية والمسائلة والشفافية تكون القيادة فيه للشعب ،ويقوم علي النزاهة، واعتماد اللامركزية وتخويل السلطات لمختلف مستويات الحكم ” والسعى لقيام الحكم الراشد والمحاسبة، والشفافية ، والديمقراطية ، وحكم القانون، علي كافة مستويات الحكم. وتبرز في هذا الخصوص اهمية تأسيس هياكل جديدة للدولة مستندة علي اللامركزية وتخويل السلطات الأمر الذي سينعكس علي سلطة المركز وهياكله.
1/2 أطار عام للتحليل :
تعتمد هذه الورقة المدخل المؤسسي كمنهاج في التحليل لسبر أغوار القطاع العام والتعرف على المشكلات التي أقعدت به. فالحديث عن اعتماد العمل المؤسسي في الإدارة هو صنو لاعتماد مفهوم الحكم الراشد علي المستوي الكلي للدولة والتى يفترض، في التحليل النهائي، إن تشكل مكوناتها كياناً كلياً يصبح انعكاساً للعمل المؤسسي المنضبط. فالمؤسسية إذا تمثل منهاج عمل في الوزارة/ المصلحة/ المؤسسة على المستوى الجزئى، وهى كذلك عندما يكون الحديث عنهافى المستوى الكلى. عليه تصبح الأحاطه بتعريف المفهوم مسألة ضرورية حتى يكون للجهاز التنفيذى إطاراً عاماً لضبط التحليل.
دون الدخول في تعريفات مطولة ومعقدة، تعنى المؤسسية العمل في إطار كيان له سياسيات ملبية لاحتياجات الجهات والأشخاص أصحاب المصلحة وتنظيم فاعل يلتزم تطبيق القوانين المنظمة لنشاطاته والقوانين العامة الأخرى التي تنظم حركة المجتمع. ويشترط استناداً علي ذلك إن تكون الممارسات عقلانية ومشاركة وشفافة وحساسة لرأي الجماهير وخاضعة للمسائلة والمحاسبة.
يثير هذا التعريف علي بساطته قضايا مركبة وحساسة. فهو يعتمد أربعة أركان لابد من استيفائها. أولها أهمية بلورة سياسات تلبي احتياجات أصحاب المصالح والجهات المختلفة ذات العلاقة، وثانيها العمل في إطار تنظيم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من أبعاد. أما المحور الثالث فيثمن الالتزام بالقوانين. ويعتبر المحور الرابع أهمها علي الإطلاق، فهو يتمثل في الممارسات باعتبارها مجمل السلوكيات التي تشكل العمليات المختلفة التي تنتج عنها المخرجات – ومخرجات الجهاز التنفيذي أحد ثلاث. أما سلع أو خدمات أو سياسات. ويمكن لهذا المنتج النهائي، بفضل الممارسات، أن يكون فاسداً يرفضه المجتمع ويلفظه، أو راشداً يحقق الأهداف المتوخاة منه ويلقي القبول والاستحسان.
ويتيح هذا المنهاج عدم التعامل القطاعي مع المشكلات كبديل للتعامل الكلي مع مفهوم إدارة القطاع العام، باعتباره منظومة متكاملة ومتفاعلة، ومؤثرة لنظمها الفرعية ومتأثرة ببعضها البعض.
يخلق الوضع الجديد واقعاً مختلفاً ، من حيث التنظيمات المؤسسية والانماط الإدارية للجهاز التنفيذي الحالي. وعليه يصبح ضرورياً تحليل الوضع الراهن للجهاز التنفيذى بالتعرف علي جوانب القوة والضعف فيه، والأحاطة كذلك بالفرص والمهددات التي يفرضها الوضع الراهن في ما يتعلق بقضايا المؤسسية والحكم الراشد.فالبلاد تحتاج فى المرحلة القادمة إلي مؤسسات عالية الكفاءة ، وقادرة مهنياً وفنياً وإدارياً علي توجيه مسار عمليات التنمية.
ويقود التحليل المشار إليه أعلاه الي تحديد أهم العقبات التي تعترض سبيل الحكم الراشد والإدارة المؤسسية للجهاز التنفيذي، ويتيح بالتالى اقتراح حلول مناسبة للتغلب علي تلك العقبات في إطار خطط الإصلاح المقترحة. وفيما يلي أهم المشكلات التي تعوق الحكم الراشد والعمل المؤسسي.
1/3 إشكالية التنظيم المؤسسي:
يشكل التنظيم المؤسسي للقطاع العام وعاءاً لإنجاز المهام وينتج عن حصيلة عملياته أحد ثلاث – خدمات ، سلع أو سياسات. ويتيح فتح الصندوق الأسود لمفهوم المؤسسية إبراز فرص التطور والنمو المهدرة نتجة لضعف التنظيمات وتشعب القوانين ألمكبله والسلوكيات غير الراشدة بما فيها الفساد المستشري. كما تقترن إشكالية التنظيم المؤسسي بأهمية التعامل مع المنظمة باعتبارها منظومة جزئية من منظومة اشمل تتداخل معه لتشكل إطاراً كلياً يحيط بالمنظمة. يتكون هذا الإطار من المنظومة التشريعية والقانونية التي تنظم وتحكم الحركة الكلية للمجتمع ومن جمهور المستفدين.
من الأهمية اعتبار القطاع العام كيان كلي موحد له مكونات جزئية أدنى متمثلة في الوزارات والمصالح والهيئات والمؤسسات المستقلة ذات العلاقة، وأيضا المفوضيات والمجالس واللجان .ويؤمن هذا المنهاج التحليلي عدم الانزلاق في التعامل القطاعي مع المشكلات، مع اعتماد مفهوم إدارة القطاع العام باعتباره منظومة متكاملة ومتفاعلة نظمها الفرعية بعضها البعض ومؤثرة ومتأثرة ببعضها.
أن مفهوم التنظيم الإداري أكبر بكثير من الصورة النمطية التي تحصره في الهياكل التنظيمية. وتقتضي أية دراسة تهدف إلي سبر أغوار نظامه الشامل فحص النظم الفرعيه للتنظيم والتي تتكون من:
- الأهداف والقيم التي يسعى التنظيم إلي تحقيقها وترسيخها. فللعاملين دوماً أهداف واعتقادات تمثل مرجعية لهم، وتفسر تصرفاتهم وتشكل سلوكياتهم. وسنري لاحقاً كيف شكل مفهوم التمكين، كقيمة واعتقاد نادت به الإنقاذ سلوكيات إدارة القطاع العام خلال تلك الفترة.
- الفنيات المستخدمة لإنجاز الأنشطة.فالمعارف وأساليب العمل والمهارات وكذلك المعدات والمعينات تشكل جميعها رافداً متاحاً لإنجاز المهام وتشكيل التنظيم الإدارى.
- الهياكل التي تنفذ في حدودها النشاطات: وتشمل تقسيم العمل إلي مكوناته المنطقية وتنسيقه بحيث تتكامل فيه الجهود، ويعبر عن الهياكل عادة بالخرائط التنظيمية.
- البشر بكل ما يحملونه معهم لموقع العمل من مشكلات نفسية وعلاقات اجتماعية معقدة لها انعكاسات إيجابية وسلبية علي الأداء.
- الإدارة التي تلعب دائماً دوراً مركزياً في تكامل و بلورة الأهداف والتخطيط والتنسيق والرقابة والتفاعل مع محيط الجهاز التنفيذي القريب والبعيد.
أن دراسة هذه المحاور وتحليلها تفصلياً تحتاج لوقت طويل غير متاح حالياً، لذلك ستقتصر هذه العجالة علي أهم المحطات التي لها تأثيرات كبيرة علي ماهو حادث الآن، أو لها انعكاسات لما سنورده من توصيات لاحقاً :
2/ أهداف الإنقاذ وثقافتها المؤسسية
سبق أن أوضحنا أن الأهداف والقيم الاجتماعية تشكل دائماً نظاماً فرعياً رئيساً في منظومة أي كيان مؤسسي، وتعتبر معياراً يقيس الإنسان به، شعورياً أو لا شعورياً، مفهومه لما هو جيد ومرغوب- وتصبح القيم بذلك أداءة معيارية تؤثر في خيارات الإنسان ومسلكه في الحياة، كما تعكس أيضاً نظاماً للاعتقادات المشتركة تتمحور حول أهداف ومعايير السلوك الإنسانى. ولضمان بقائها، تتبنى الكيانات المؤسسية حداً أدنى من القيم الإجتماعية المشتركة وتسعى أن يكون ذلك الحد الأدنى مقبولاً من المجتمع.
تشكل القيم في ، مستوي المنظمة ، ثقافة راسخة للعاملين فيها- وعليه تمثل الثقافة المؤسسية مجموع القيم والاعتقادات والمفاهيم المشتركة الأساسية التي تقود المنظمة لسلوك أساليب محددة في التفكير والتعبير عن المشاعر وردود الأفعال التي توجه السياسات وعمليات اتخاذ القرارات وغيرها من الأنشطة التي تمارس في مستوي التنظيم.وتكمن أهمية الثقافة المؤسسية وقوتها في أنها تتشرب العاملين وتصبح جزءاً منهم وبالتالى تسيرهم دون تفكير أو تساؤل عن ماهية الأهداف التي يسعى إلي تحقيقها.
السؤال الذي يثور هنا هو ما هي الأهداف التي تبنتها حكومة الإنقاذ؟ وما هي الثقافة المؤسسية التي تشرب بها العاملين ومن ثم شكلت سلوكيات القطاع العام؟ وكيف يمكن احداث تغييرجزرى لتفكيك الجهاز التنفيذي الموروث من حكم الإنقاذ.
2/1 التمكين:
بشرت حكومة الإنقاذ باعلاء راية التمكين وجعله هدفاً أساسياً تسعى إلي تحقيقه منذ اليوم الأول الذي انتزعت فيه السلطة. وقد أوضح الدكتور حسن مكى واقع ممارسة الحركة الإسلامية لمفهوم التمكين عند ما أكد أنه ” حينما حدث التمكين لم ننجح الحركة في نقل الدعوة إلي الله حتى تصبح ملكية عامة …. ولكن …… انتهت جهود التمكين إلي تركيز السلطة ……” ( د. حسن مكى – نقلاً عن محمد خير عوض الله، الصحافة 13 /4/2005م).ومن الواضح أن الكثير من التصرفات التي حدثت في الساحة السياسية والاقتصادية والادارية تمحورت حول مفهوم التمكين وتركيز السلطات – علماً بأنهما لم يحظيا بالدراسة والتحليل على الرغم من كثرة ما تردد عنهما.
استندت هذه الورقة ، لتوضيح مفهوم التمكين، علي الممارسات التي ارتبطت به والثقافة المؤسسية المصاحبة له. وانطلاقاً من الممارسات العملية، ويمكن تعريف مفهوم التمكين باعتباره عملية مستمرة تهدف إلي تسخير كافة النشاطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية لصالح مؤسسات وافراد الحركة الإسلامية. وعليه تفشت ثقافة الهيمنة والاستحواذ في مقابل الاقصاء والتهميش ومصادرة حقوق الآخرين وفرصهم الطبيعية في العمل العام أو الخاص ، وفي الحصول علي الخدمات الأساسية من تعليم وصحة…الخ واتساقاً مع هذا المفهوم صودرت ايضا حريه التعبير وكافة الحقوق الإنسانية المضمنة في المواثيق الدولية. وبهذا الفهم والممارسات نقلت حكومة الإنقاذ الجهاز التنفيذي لمسار يختلف اختلافاً جوهرياً عن ما كان عليه من قبل.
فقد أصبحت ثقافة الاستحواذ والهيمنة بالاضافة الى الإقصاء والتهميش للآخرين والمركزية في إتخاذ القرارات مقترنة بالجزافية في التقييم والحصانة من المسائله أصبحت قيم ثقافية راسخة شكلت سلوكا يومياً لممارسات الجهاز التنفيذي في كل المستويات.
يتطلب تأسيس قيم ثقافية جديدة أجراء تغييرات جذرية في طبيعة العمالة المطلوبة من قيادات وتنفيذين للمرحلة الجديدة، وتعديلات في الهياكل الإدارية ، وفي نظم الرقابة. تمثل هذه المحاور الثلاثة أدوات أساسية للانتقال لواقع جديد.
قامت حكومة الإنقاذ لفرض ثقافه التمكين المؤسسي بالآتى:
2/1/1 تمكين أهل الولاء :
لم تتأخر حكومة الإنقاذ لحظة في تعيين أهل الولاء لشغل جميع الوظائف القيادية والوسطى في الخدمة العامة بعد أن طال الفصل الفورى شاغلي تلك الوظائف ومن ثم اختيار كوادر الحركة الإسلامية للعمل على ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة– ومعلوم أن الحالة الذهنية لهذه المجموعة تتماشي مع مفاهيم التمكين وإقصاء الآخر (الطيب زين العابدين ، الصحافة 3/4/2005م) وعليه لم تطرأ حاجة للتدريب والتأهيل لإحداث النقلة الذهنية المطلوبة في مثل هكذا ظرف. فالساحة تعج بالمتدافعين من كوادر الحركة الإسلامية في كل المستويات لتحقيق أهداف التمكين والتماهى معها. كان يفترض منطقياً، أن تؤسس هذه المفاهيم على مدى زمنى طويل، وأن تبذل جهود كبيرة للوصول لأهدافها المرتجاة لكن عملياً كان الطريق ممهداً وسهلاً.
أصبح الفصل للصالح العام بإجراءاته المبسطة منهجاً عملياً وفعالاً لإقصاء الآخر، ومن ثم أحلال كوادر الحركة الإسلامية للامساك برقاب الجهاز التنفيذى تحقيقاً لأهداف التمكين التي بشر بها. وقد نجحت حكومة الإنقاذ في تحقيق هذا الهدف نجاحاً ساحقاً. لكن الثمن كان باهظاً. فقد تمزقت البلاد، وعم الفقر الآفاق، وهرب المهنيين خارج البلاد،أو انزوت البقية الباقية منهم في ممارسة انشطة هامشية أهدرت مهارات وقدرات كان الوطن ، ولازال في أمس الحاجة لها.
نتجة لأساليب الاختيار التي مورست خلال تلك الحقبة السوداء ، والتى جاءت بأصحاب الولاء وكذلك لفصل أصحاب الخبرات من الخدمة للصالح العام، اصبحت القيادات العليا والوسيطة في الخدمة المدنية، بل في القطاع العام بكامله ، تفتقر إلي الخبرات والمهارات في مجالات صنع السياسات وتقديم الخدمات. فالكثيرون من شاغلي وظائف هذه الفئة، إن لم يكن جلهم، سلكوا دروباً ذهبية أوصلتهم بخطى متسارعه إلي قمة الهرم.وفي بعض الأحيان دخلت مجموعات منهم قمة الهرم بعد التخرج مباشرة من الجامعات. وأصبحت هذه الفئة تتنقل من قمة إلي أخرى دون أن تكون مزودة بالمهارات والخبرات الإدارية اللازمة ، أو حتى النجاحات في المواقع التي احتلتها، لكن زكتها فقط أجندة خاصة ركزت في مدى القدرة على تحقيق أهداف التمكين بالمفهوم الواسع الذى عرضنا له أعلاه. وبذلك ارتبط معيار تقويم الأداء بمدي القدرة على تحقيق أهداف التمكين، وليس بمدى النجاحات فى تقديم الخدمات أو رسم السياسات التى تدفع بعمليات التنمية فى البلاد. اصبح غير مستغرباً رؤية نفر من الموظفين يتنقلون من قمة إلي أخرى رغم الخيبات التى أحدثوها في جميع المواقع التى تقلدوا حقائبها . فمعيار التقييم لا علاقة له بتحقيق النتائج ذات الصلة بأهداف المنشأة التى يتربعون على دستها !
تتطلب إدارة القطاع العام مهارات تكتسب من خلال الخبرات المتراكمة. وبدون الخبرة أما أن يفقد المدير الثقة فى قدراته الإدارية ويصبح بالتالى بطه عرجاء غير قادرة على الفعل والإنجاز، أو يتحصن، فى المقابل، بانتمائه الحزبى الذي يمنحه حماية مطلقة من المسائلة والمحاسبة – فهو يتلفح رداء ” القوى الأمين ” الذي يجعل تصرفاته وممارساته الإدارية فوق القانون وغير قابلة للتعديل أو الإلغاء.وعليه عند وقوع الظلم على المواطن فى مثل هكذا أوضاع تصبح خياراته محدودة ولذلك استشرى الفساد والواسطة والرشوة او الاصرار على نيل الحقوق وبالتالى الحرمان من الخدمات. فمن السهولة بمكان وضع القانون في اجازه طويلة في الحالة الأخيرة.
2/1/2 تمكين المركز:
تقتضى دواعي الفعالية فى الاعمال الصغيرة تركيز السلطات فى يد المالك.ولكن يقود توسع الأنشطة وتنوعها إلى تمييز النشاطات، وبالتالى إحداث وحدات متخصصة ومختصة للتعامل مع الواقع الجديد. كما تؤدى الحاجة المتزايدة للنمو والتوسع إلى بلورة اجهزة رقابية لضبط الأداء وتقويمه. وعليه يدعم المنطق تبنى الجهاز التنفيذى توجهات مركزية خلال فترة التأسيس والتكوين. ولكن بتوسيع نطاق مهامه بتوليه دوراً رئيسياً فى تقديم الخدمات واحياناً أنتاج السلع، تتكاثر بالضرورة وحداته وعدد العاملين به، وتتزايد الضغوط وتتنامى نحو اللامركزية، والتى تكون ، فى ذات الوقت، مدعومة بنزعات إقليمية تطالب بمشاركة حقيقية فى القرارات المتصلة باقتسام السلطة والثروة.
تختلف هيكلية جهاز الدولة التنفيذى منطقياً فى مرحلة التكوين ( دولة الحكم الثنائى مثلاً) عنها فى دولة تنوعت وظائفها وتعقدت مشكلاها ( دولة ما بعد الاستقلال). وإذا كانت دولة الحكم الثنائى قد مكنت سكرتاريتها الثلاثية التكوين من الإمساك بنواصى الدولة، فأن الأوضاع أصبحت من التعقيد والتركيب بعد الاستقلال، بالقدر الذى يقود إلى أبتداع هياكل تنفيذية وأساليب إدارية جديدة. وبنفس القدر لابد من التأكيد على تطبيق أساليب إدارية تقود بالضرورة إلى تفعيل تلك الهياكل وتضمن تحقيق القيم والأهداف التى بشرت بها الثورة .
يصعب ، فى هذه العجالة، القيام بتعريف وتحليل مفصل للمشكلات الهيكلية التى تقعد بأداء الجهاز التنفيذى لدولة الإنقاذ، لكن سنكتفى بابرازآثار سياسات التمكين على الهيكلية الكلية للجهاز التنفيذى، وعلى هياكل الوحدات الإدارية المكونة له، بالإضافة إلى ما حدث من تعديلات وفى الأساليب الإدارية كنتاج مباشرة لهذه السياسات.
2/2 آثار سياسات التمكين :
تتمثل آثار سياسات التمكين في المحاور التالية :
2/2/1 تمكين الأفراد المتنفذين :
سبق التوضيح بأن تعيين أهل الولاء فى قمم الوزارات وغيرها من المؤسسات الحكومية، يهدف إلى تمكين الحركة الإسلامية على مقدرات البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية… الخ وقد تم ذلك بكفاءة عالية من واقع تركيز السلطات فى يد القيادات المختارة التى انتهجت اسلوباً مركزياً متشدداً فى إدارة المؤسسات ذات العلاقة.
فقد أصبحت مرجعية القرارات المتصلة بتوزيع الموارد، عوضاً عن مباشرتها في حدود هياكل محددة ووفقاً لإجراءات ونظم معلومة ، مودعه فى يد قله من المتنفذين.وقد قنعت مؤسسات الدولة إلى الخلود للسكون وانتظار صدور التوجيهات من أعلى –والتى هي



