مقالات وآراء سياسية

دعوة للحوار (1)

خالد الحاج عبد المحمود

التحية لشهداء الثورة الأبرار ثم التحية للشعب السوداني الثائر العظيم

 

ولجماعة الحرية والتغيير ولحكومة الثورة ولكل تنظيمات الثورة

 

والتحية خاصة للشبان والشابات، الذين أذهلوا الجميع بما أبدوه من أصائل الطبائع، وهؤلاء هم ضمان نجاح الثورة، وعليهم العمل الجاد على استمرارية الثورة، فهم أهلها، والأولى بها، وعلينا نحن العمل بوصية النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث قال: “أوصيكم بالشباب خيراً.. فإنهم أرق أفئدة.. آمنوا بي حين كذبني الشيوخ”، وقد أهملنا هذه الوصية كثيراً، وعلينا الآن أن نعمل بها، فقد أثبت الشبان صدق الوصية، وأحقيتهم في أن يعمل الكبار بمحتواها.

 

أما بعد إنني أكتب لأوكد معناً، هو موجود عند الثوار، ولكنه يحتاج الى توكيد، هذا المعنى هو: ضرورة استمرارية الثورة.

 

ثورة دائمة!!

الحمد لله أن الثوار واعون بضرورة استمرارية الثورة، فقد سرقت ثورة اكتوبر العظيمة، لأن الثوار وقتها ظنوا أن مهمتهم إنتهت بزوال النظام الفاسد.. وعلينا أن نتعلم من التجربة فلا نقع في الخطأ الذي وقع فيه ثوار اكتوبر. وهذه المرة الفساد لم ينته، ولن ينتهي، بمجرد زوال حكومة النظام.. هذه المرة الحكم حكم جماعة!! حكم تنظيم كامل!! شارك فيه، وفي جميع صور فساده، جميع أفراد التنظيم.. فجميعهم كانوا يعملون، في المواقع المختلفة على دعم نظامهم، وجميعهم شارك في الفساد، في مستوى من المستويات على خلاف بينهم في قدر الفساد الذي قاموا به.. ولا واحد منهم غير مدان، سوى الذين ظهر لهم فساد النظام منذ وقت مبكر، فتركوه وبعدوا بأنفسهم عنه.. وهؤلاء عدد قليل جداً.

 

إن فساد نظام الإنقاذ، طال جميع نواحي الحياة.. فما من مجال إلا ولونوه بفسادهم.. فهم مثل (أم فتفت) كل طبقة من طبقاتها تحوي ما يحتاج الى تنظيف.. ولكي تنظف، لابد من متابعة طبقاتها بالتنظيف طبقة طبقة.

 

فإزالة فساد نظام الإنقاذ يحتاج الى عمل طويل ودقيق.. فمن أجل ذلك لابد من استمرارية الثورة.. هذا في جانب العمل السلبي.. أما في جانب العمل الإيجابي،  فهنالك عمل كبير وهائل جدا، ينتظر الثوار،  من أجل بناء سودان جديد  حر، يقوم على أسس ديمقراطية سليمة، يكون فيها الشعب هو الحاكم فعلا.. فالثوار هم الممثلين للشعب!!

 

اقترح أن يستمر التنظيم الإنتقالي كما هو، على أن توضع له أسس سليمة، ويعمل على بناء منظماته في المدن والأرياف، وفي الأحياء والقرى.. وأن يؤسس التنظيم نظام تواصل دقيق عن طريقه تتم وحدة الثوار، واستمرارية الثورة. أما بعد المرحلة الانتقالية، فلابد من أن يؤسس تنظيم الثورة على أسس ديمقراطية، تحدد فيها الهياكل، وتوضح الوظائف، وتبين طبيعة العمل بصورة واضحة ودقيقة.. فيكون تنظيم الثورة هو حكومة الشعب، والرقيب الفعال على الحكومات المنتخبة.. ويقوم بدوره الكبير في التوعية.

 

لقد كان شعار (سلمية) هو أعظم شعار، فعلينا أن نتمسك به، ونجعل عملنا كله يقوم عليه، في تدبر وفهم… هو أعظم الشعارات لأن قضية السلام، هي قضية الإنسانية المعاصرة الأولى والأساسية.. فعلينا أن نعمل في هذه القضية بصورة إيجابية وفعالة .

 

مجالات العمل:-

 

إن مجالات العمل الذي يجب أن تقوم به تنظيمات الثورة، عديدة، وهامة جداً، وينبغي أن تكون واضحة من البداية.

 

شعار(مدنية مدنية)، شعار هام جداً، وهو يبين مجالات العمل.. فالعمل يدور حول نظام مدني.. والمقصود بنظام مدني هنا، أنه نظام ليس ديكتاتورياً عسكرياً، كما كان نظام الإنقاذ.. ولا هو نظام يستغل الدين لأغراض السياسة، كما كان نظام الإنقاذ أيضاً.. لقد ابتلى السودان، منذ الاستقلال والى اليوم بثلاثة أنظمة عسكرية، أقعدته عن النهوض، وعوقت مسيرته.. وكان كل نظام من الأنظمة العسكرية هذه أسوأ من الآخر.. أما النظام الثالث، نظام الإنقاذ، فلا شبيه له من حيث السوء، في التاريخ المعاصر، ولا حتى في التاريخ القديم.. فقد قتل إستالن من البشر عدداً أكبر مما قتلته الإنقاذ اليوم.. ولكن نظامه ارتفع بالإتحاد السوفيتي، ارتفاعاً هائلاً، جعله من أعظم دول العالم، في مجال التطور العلمي والتكنولوجي.. نقل روسيا من عصر الإقطاع إلى العصر الحديث.. ولم يكن استالن ولا حزبه، يمثل الفساد الفردي، الذي صار اليه جماعة الإنقاذ.. وهتلر مثلاً، قام نظامه على أسوأ المبادئ العنصرية، وصحبه العنف العنيف.. ولكن ولا واحد من هذه الأنظمة الفاسدة، لوث الفساد جميع أعضائه، وعملوا على إثراء أنفسهم بنهب أموال الشعب، وتقتيل ابنائه، كما فعل نظام الإنقاذ!! وأهم من ذلك، جميع الأنظمة الفاسدة في التاريخ المعاصر، لم يجر فسادها، باسم الله، وباسم دين الله، كما هو الحال بالنسة لنظام الإنقاذ في السودان.

 

قال الأستاذ محمود محمد طه، أثناء العمل في مقاومة الإستعمار الإنجليزي، قال) :قد يخرج الإنجليز اليوم أو غداً، ثم لا نجد أنفسنا أحراراً ولا مستقلين).. وقد خرج الإنجليز، ونحن حتى الآن، لسنا أحراراً ولا مستقلين!! ان تجربة حكم الإنقاذ، هي صورة من صور الاستعمار.. بل هي أبشع صور الاستعمار.. فقد استعمرنا ثلاثة مرات: الاستعمار التركي المصري.. الاستعمار الإنجليزي.. وأخيراً الاستعمار ((الاخواني)).. وهذا الأخير تنطبق عليه جميع مواصفات الاستعمار.. فغرضه الأساسي هو استغلال خيرات البلاد لمصلحة جماعته كما هو الحال بالنسبة لكل استعمار.. وتبريره الأساسي هو أنه يريد أن يقيم في أرض السودان دين الله!! وهو زعمُ كل أعماله ضده.. فلم يشوه دين الإسلام قط بالصورة التي شوهها به الانقاذيون.. فقد كان الاستعماريون يبررون عملهم دائماً بزعمهم أنهم يريدون ان يُدخلوا الشعوب التي استعمروها في الحضارة الحديثة.. وهذا رغم كل كذبه وقبحه، أهون بكثير جداً من زعم الأخوان المسلمين، أنهم يريدون إقامة الإسلام، وهم يكذبون على الله وعلى أنفسهم، وعلى الشعب عامة.

 

قلت ان المستعمر الأخير هو من بني جلدتنا، وإن كان للاستاذ الطيب صالح رأي خلاف ذلك.. فهو يتساءل: من أين أتى هؤلاء؟! هل ولدتهم الأمهات؟!  أو أرضعتهم العمات والخالات؟! بل من هم هؤلاء؟!

 

إن عبارة الطيب صالح عميقة الدلالة في بيان مفارقة هؤلاء النفر للقيم السودانية الأصيلة، التي وكدها الشباب في الثورة.. فهم كأنهم لا يشتركون مع الشعب السوداني، في سودانيته، ولا في قيمه المستمدة من الدين  .

 

التوثيق:

 

إن جميع السودانين أصبحوا يعرفون قدراً كبيراً من الفساد الذي مارسه نظام الإنقاذ في الثلاثين عاماً التي حكمها.. بل إن الكثير من شعوب العالم، بفضل الله، وبفضل تطور وسائل الإتصال، أصبحوا على علم كبير بالصور المختلفة لفساد نظام الإنقاذ.. ولكن الأمر يحتاج إلى توثيق.. إن التوثيق الذي تم، بعيد جداً عن أن يعطي الصورة الحقيقة لفساد نظام الإنقاذ.

 

إن تجربة نظام الإنقاذ تجربة فريدة جداً وخطيرة جداً، فهي تمثل أكبر فرصة وجدها الأخوان المسلمون لتطبيق تصورهم الديني على شعب من الشعوب الإسلامية.. فمن أجل بقية الشعوب، ومن أجل المستقبل وأجيال المستقبل لابد من توثيق ما جرى في هذه الفترة بصورة وافية، وتتناسب مع حجم الفساد الذي تم، ومدى التشويه الفظيع الذي جرى لدين الإسلام.

 

علينا جميعاً العمل الجاد في توثيق هذه الفترة، كل حسب ما يملك من معلومات.. وبالفعل هنالك من كتب قبل زوال النظام، كتابات جيدة.. كما هنالك بعض أفراد الجماعة الذين أختلفوا مع النظام، وكتبوا كتابات جيدة.. ولكن كل هذا بعيد كل البعد عن التوثيق الدقيق لمخازي النظام.. أما الان فالفرصة مواتية للتوثيق الدقيق، وإظهار المعلومات التي لم تظهر حتى الآن.

 

مثلاً نحتاج الى كتابة مفصلة عن حروب النظام التي جرت باسم الجهاد، والأماكن التي طالتها، وأعداد الضحايا من الجانبين.. وتقدير الأموال التي صرفت على هذه الحروب.. وأساليب العمل الذي صحب هذه الحروب.. من مطاردة للشباب من أجل تجنيدهم ومن دعاية مثل برنامج: في ساحات الفداء وشعارات الجماعة وأغانيهم.. مثل العمل الفظ الذي أسموه (عرس الشهيد).. وأقوال زعماء الجماعة ممن زعموا أن قتلى هذه الحروب شهداء، ونفيهم اللاحق لهذا الزعم!! ونحتاج الى توثيق عن بيوت الأشباح وما تم فيها من تعذيب ومن إهانة للناس.

 

ويمكن ان يكون هنالك كتاب وثائقي عن الأموال التي نهبت، وكيف كان التعامل معها.. وعن وسائل الجماعة في السيطرة على اقتصاد البلاد وتحويله الى مصالحهم الخاصة، وما جرى في ذلك باسم الخصخصة والشركات المعفية من الضرائب ومن الجمارك، والحيل المختلفة، مثل تسجيل الشركات باسم جمعيات خيرية الى خلاف ذلك، من الكثير جداً الذي تم في مجال نهب المال العام.. وهو نهب ليس قاصراً على القيادات العليا فحسب، بل هنالك الكثير من القيادات الأخرى في الأقاليم التي مارست النهب بأساليب مختلفة.

 

هنالك الكثير جداً الذي يمكن أن يقال في هذا الصدد كما هو معلوم بصورة عامة، وما هو غير معلوم.. فهذا مجال واسع جداً.

 

وأقترح أن ينتدب أحدهم نفسه للكتابة عن موضوع الزكاة وهو موضوع هام جداً، ومن أكبر مجالات الفساد.. ثم هو من أوضح الأدلة على مفارقة الشريعة.. الزكاة تقوم على نصوص واضحة وقاطعة ومصارفها محددة.. وغيّر جماعة الإنقاذ كل ما يتعلق بالزكاة الشرعية وحولوها الى تشريع من عندهم، ومع ذلك نسبوها لشرع الله!! وهذا الموضوع يحتاج الى كتاب خاص به.

 

ونحتاج الى توثيق العمل في مجالات الخدمة المدنية، وما قام عليه من فساد، ومن ترفيع لكوادرهم، بغير حق، الى الدرجات العليا.. وعندهم الولاء قبل الأداء!! فكل من ارتفع بغير حق يجب إنزاله بحق.. وكل ما يقال عن الخدمة المدنية، يقال مثله وربما بصورة أسوأ عن القضاء، وعن الجيش، وعن أجهزة الأمن، وعن المليشيات التي استخدمت لحماية النظام ..الخ.

 

هذه مجرد نماذج، وهنالك الكثير جداً غيرها مما يحتاج الى التوثيق.

 

خالد الحاج عبد المحمود

مدينة رفاعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق