مقالات وآراء سياسية

الفترة الانتقالية.. العبور إلي الأمامِ أو الانتكاسة

جعفر محمد عمر حسب الله

أولا نترحم علي شهداء الثورة السودانية،ونسأل الله أن يتقبلهم القبول الحسن وأن يصبر أسرهم وشعبهم المكلوم وأن تقوم الدولة بواجب إكرامهم بعمل نصب تذكاري يخلد ذكراهم جميعا،ونسأل الله الشفاء والعافية للجرحي،ونستعجل إطلاق سراح المعتقلين،وأن نسعي بجد وإهتمام كبيرين في فك غموض المفقودين.

شبابنا بحمد الله أنجز ثورة مثلت الحدث الأكبر في التاريخ السياسي السوداني،فهي ثورة أكبر في حجمها وتأثيرها من ثورتي إكتوبر ومارس أبريل،هذه الثورة الشبابية أدهشت السودانيين والعالم بالمشاركة الواسعة من المواطنين في الريف والحضر،هذه الثورة شاركت فيها مختلف القبائل والأعراق والديانات،وشاركت فيها مختلف المدارس الفكرية والثقافية،وشاركت فيها مختلف قطاعات المجتمع الغني والفقير،والشباب من الجنسين والكهول.

هذه الثورة أدهشت العالم بوحدتها وتنظيمها وبسلميتها رغم العنف المفرط،كما أدهشت العالم بما أفرزته من قيم جديدة فيها مكانة وإحترام للمرأة السودانية وفيها ترابط إجتماعي وإخاء “كان عندك خت .. كان ما عندك شيل”،فيها رفض للقبلية والجهوية ” يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور ” ،وفيها بعث جديد لقيم إندثرت ولقدرات تفتحت في مختلف التخصصات،فيها شعارات مليانة ثبات وشجاعة وجرأة – )سلمية ..  سلمية ضد الحرامية – سقطت ما سقطت صابنها – الدم قصاد الدم ما بنقبل الدية – دم الشهيد دمي .. أم الشهيد أمي .(

ثورتنا هذه فيها كم هائل من الدروس والعبر بدأت شعوب العالم في مناطق مختلفة تستفيد في حراكها ضد أنظمتها من قيم الثورة السودانية.

بفضل هذه الثورة أصبحنا نفتخر بسودانيتنا،نفتخر بإنتمائنا لهذا الوطن العظيم بعد أن شوه المجرمون الكذابون الأشرار سمعة السودان وسمعة شعبه طوال ثلاثين عاما تم تصنيفنا فيها دولة راعية للإرهاب،دولة يحكمها الفساد دولة قائمة علي التعالي والقهر ومصادرة الحقوق،دولة شوهت الدين وشوهت كل القيم الفاضلة الراسخة في وجدان وشخصية الإنسان السوداني،دولة فرطت في سيادة ووحدة الوطن وفجرت الحروب وعدم الإستقرار في مناطق السودان المختلفة.

فبفضل هذه الثورة أصبحت شعوب وحكومات العالم تكن إحتراما كبيرا للسودان والسودانيين.

هذه الثورة الشبابية أدهشتنا بوحدة شارعها وتماسكه وإتساعه وجماله،أدهشتنا روح المشاركة من مختلف السحنات،من مختلف الديانات،من مختلف القناعات الفكرية والسياسية والثقافية والمناطقية،ما أروع الثورة عنما يشعلها كل هؤلاء،عندما توحد كل هؤلاء،هذا ما أعطي الثورة هذا الألق،هذا الإحترام الواسع من الشعوب والحكومات.

هذا الشرف يفرض علينا المحافظة علي هذه الثورة وحمايتها وأن نواصل النضال لتحقيق شعاراتها وبرنامجها.

إنتصرت الثورة ودخلت مرحلة بناء الدولة  ووضعت تصوراتها وبرنامجها للفترة الإنتقالية،هذه الفترة الإنتقالية هي الفترة الحرجة،التي تُسرق فيها الثورات إن لم نُحسن إدارة هذه الفترة،نحن أشعلنا ثورتي إكتوبر ومارس أبريل وسرقت القوي التقليدية التي لم تتحمل أعباء النضال في الفترتين،ثمرة نضال القوي التقدمية،وتم ذلك لعدم فهمنا السليم لمتطلبات الفترة الإنتقالية،لذلك لابد من مراجعة تجاربنا في العمل السياسي،أن نُحدد المهام الأولي للثوار في المرحلة الإنتقالية؟ ما هي مؤسسات الفترة الإنتقالية؟ماهو موقف الثورة من جهاز الدولة القديم؟ ما هو برنامجها؟ ما هو موقفها من الحريات والديمقراطية …الخ؟

هذا الضعف في الفهم السليم لمتطلبات المرحلة الإنتقالية هو السبب،بل هو المدخل الذي مكن القوي الرجعية أن تنظم نفسها وأن تستعيد قدراتها،وأن تشن حربها ضد السلطة الجديدة،وأن تُسقط الثورتين وتستعيد السلطة من جديد لحماية مصالحها،لذلك من المهم،أن نُراجع هذا الفهم الفطير لمتطلبات إنجاز المرحلة الإنتقالية بنجاح من غير أن تُسرق منا السلطة مجددا،هذا يحتاج أن نعي أن الواجب المستعجل والمهم في هذه الفترة هو المحافظة علي الدولة الجديدة وحمايتها،وهذا الواجب يحتاج لفهم عميق لمطلوبات حماية النظام الجديد وترسيخه من خلال خلق الوضوح حول الكيفية التي تتم بها حماية النظام الجديد والمحافظة عليه وتمكينه من تنفيذ برنامجه،هنا نحتاج للإجابة علي السؤال الأول والمهم ماذا تفعل الثورة بجهاز الدولة القديم؟ هذا الوضوح حول الإجابة علي هذا السؤال مهم جدا جدا لأن الإجابة عليه تحدد أما العبور بالثورة الي الأمام وإنجاز برنامجها أو أن تتيح لقوي الثورة المضادة المناخ المناسب لتتحرك وتنظم نفسها وهنا تكون الإنتكاسة ،لذلك لابد للثورة أن تواجه جهاز الدولة القديم بالحزم المطلوب لتفكيكه من خلال تصفية مؤسساته،من خلال إلغاء تشريعاته،من خلال إلغاء مؤسساته الإعلامية،من خلال حل جميع تشكيلاته المسلحة،من خلال إبعاد كوادره من مواقع الدولة المختلفة،هذه المواجهة مع جهاز الدولة القديم لابد أن تتم بالحزم واليقظة التامتين،أي تراخي في هذه المواجهة تمثل التبرع لقوي النظام القديم بإعادة تنظيم نفسها وشن هجومها علي الدولة الجديدة،وهذا هو المدخل للإنتكاسة،ومن الغريب أن قوي اليمين تعي جيدا واجباتها وما مفترض أن تقوم به عندما تتغلب علي الديمقراطية وتؤسس سلطتها الجديدة،هي تعرف جيدا واجباتها في فترة حكمها الإنتقالي، تعرف ما هو المطلوب من قرارات وإجراءآت لحماية نظامها الجديد،فتحل الأحزاب والنقابات وكل التنظيمات الديمقراطية وتعتقل قيادتها وتصادر أموالها وتفتح مؤسسات التعذيب والتشريد من الخدمة المدنية والعسكرية والقضائية  تحت شعار الصالح العام،وتُمكن منسوبيها من جهاز الدولة باسم التمكين وتسن التشريعات لمصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية وتشعل الحروب،تقوم بكل ذلك بلا رحمة وبحزم شديدين،هذا ما تقوم به قوي اليمين في حماية دولتها وفي حماية فترتها الإنتقالية،فما بالنا نحن نتقاعس عن حماية دولتنا الجديدة من خلال الجدية والحزم اللازمين لتفكيك جهاز الدولة القديم.

هنالك محطة أخري مهمة جدا يجب الوقوف عندها وفهما لأن الوضوح حولها مهم لأنه مكمل للإجابة علي السؤال الأول،لابد أن نفهم أن للثورة أعداء مثل ما لها من أصدقاء،لذلك علي الثورة أن تُميز في التعامل بين أعدائها وأصدقائها، لايمكن أن تساوي الثورة بين الإثنين في الحقوق،لا يمكن أن تعطي عدوك الذي سرق السلطة ونهب الثورة وإعتقل وعذب وقتل وأبعد الألآف من الخدمة المدنية والعسكرية والقضائية باسم الصالح العام،فلا يمكن أن تعطي الإنسان الفاسد المجرم الشرير نفس القدر من الحريات التي تعطيها للإنسان الفاضل السوي،الإنسان الذي ثار ضد النظام البائد،الإنسان الذي فجًر الثورة،هذا خلل وسذاجة في التفكير وجهل فاضح بمتطلبات عملية التغيير! لا يمكن أن نعتقد عندما تعطي هذا الإنسان الفاسد الشرير نفس القدر من الحريات التي تعطيها لإنسان الثورة سيصبح إنسانا فاضلا هذا وهم وسذاجة، أنت بذلك تتبرع له بهذا المناخ لتجميع صفوفه ليعيد تنظيمها وترتيبها ليشن الهجوم عليك ويسقطك أويجعلك مشلول القدرات غير قادر علي أن تُسير بالثورة لرحاب أحداث التغيير المطلوب وهذا ما يقومون به الآن،مستفيدين من المناخ المتساهل تجاههم.

علينا أن نعي أن المرحلة الإنتقالية هي مرحلة شبه ديمقراطية،الحرية فيها للشباب مفجري الثورة وليس لأعداء الثورة.

علي دولة الثورة أن تتخطي هذا الضعف في مواجهة قوي الثورة المضادة بالحزم الواجب والمطلوب،وأن تخرج من حالة اللين والضعف هذه وأن تعمل لما هو مطلوب منها في تفكيك جهاز الدولة القديم.

علي الثوار مزيد من الوحدة،مزيد من التنظيم،مزيد من الحراك الثوري والمبادرات الشعبية،مزيد من اليقظة في رصد ومتابعة تحركات ونشاط قوي النظام القديم،وأيضا علي الثوارتشديد الرقابة علي حكومتهم والضغط عليها لتنجز ماهو مطلوب منها.

أيضا علي مجلس الوزراء وعلي قوي الحرية والتغيير أن تعمل علي تعزيز الثقة مع المكون العسكري وأن لا تتعامل معهم كاعداء،علينا أن تعامل معهم من واقع تركيبة السلطة بموضوعية وفهم مستنير،فتوازن القوة فرض علينا القبول بهذه الشراكة في السلطة،إذن الواجب والتفكير السوي والمسئول يفرض علينا أن نُطور هذه الشراكة في الحكم،وتكريبها وتقويتها من خلال تعزيز الثقة بيننا وبينهم،هذا ما تقتضيه مصلحة الثورة،أي نهج غير ذلك يضر بتطور الثورة،ويساعد قوي الثورة المضادة بإختراق الثورة وإضعافها والإفلات من المحاسبة والعقاب،فعمقوا صلتكم بهم وعززوا الثقة بينكم وبينهم،فانتم وهم أصبحتم مسئولين من إدارة الدولة،من تصفية الدولة القديمة،من تحقيق شعارات الثورة وبرنامجها،وذلك لن يتحقق بدون هذه الثقة،ولن يتم بالسهولة المطلوبة،وإنما سيكلفنا الكثير من المشقة والعناء والتعب.

الرجاء أن نُصحح علاقتنا مع هذا المكون العسكري وأن نُعزز ثقتنا فيهم،وأن نضع آيادينا فوق بعض،وأن نوجه كل إمكانات الدولة لملاحقة الألآف من المجرمين الكبار ورموز النظام القديم حتي لا يفلتوا من العقاب أو يهربوا ما نهبوه من أموال،فالحكمة تقتضي فعل ذلك،وإلا سنكون عاجزين عن دفع الثورة الي الأمام.

يجب أن نتحرك بالجدية والحزم اللازمين في مواجهة قوي الثورة المضادة،وأن نقفل كل المنافذ التي يتحركون من خلالها لتجميع أنفسهم وتنظيمها.

فهم في ظل هذا الواقع الجديد،في ظل هذه الهزيمة سيتحركون تحت رايات ومسميات جديدة،ينشطون من خلالها لتجميع أنفسهم وتنظيمها مستفيدين من هذا التساهل في ملاحقتهم،ويتحركون بما عندهم من إمكانات مالية ومؤسسات وفصائل مسلحة،تساعدهم في ذلك علي الحركة تشريعات النظام القديم التي لم تلغ بعد،في خلق الضائقة المعيشية والخدمات حتي لا يحس المواطن بالتغيير الجديد،وأنه الحال أصبح أسوأ من الأول،هذا من ناحية ومن ناحية أخري وبما عندهم من آلة إعلامية واسعة سيعملون علي خلق البلبلة وسط المواطنين وإضعاف سندهم للدولة  الجديدة.

الصراع مع قوي الثورة المضادة في هذه المرحلة الإنتقالية يتجلي في أشكال مختلفة،هو صراع واسع يعبر عن نفسه فكريا وسياسيا وايدولوجيا وثقافيا وإعلاميا وحقوقيا وإجتماعيا وأمنيا وفي الفضاء الإلكتروني.

هو صراع ناعم وخشن في نفس الوقت، الإغراء بالمال – التهديد – التصفية،وسيخلق صعوبة في المعيشة والخدمات وسيستعين بالمجرمين في خلق فوضي أمنية،وسيعبر عن نفسه بمسميات جديدة – أحزاب باسماء جديدة – تنظيمات شبابية – طلابية – نسائية باسماء جديدة.

إذن هذا الصراع مع الدولة العميقة يحتاج لكادر متخصص في مختلف الجبهات،وهذا يفرض علينا بناء هذا الكادر المتخصص وتأهيله،يفرض علينا أن نتحرك وأن نستعيد مواقعنا في النقابات ولجان الأحياء،وأن نكرب بناء تنظيماتنا الديمقراطية لتطلع بواجبها في هذا الحراك.

علينا أن نُشدد المتابعة علي المؤسسات الدينية وعدم إستغلالها في نشر الفتنة،أن نُشدد من عملية رصد تحركات قوي الثورة المضادة،وهذا واجب مهم يتطلب اليقظة التامة وعلي شباب الثورة أن يكون هذا الجند حاضرا في نشاطهم اليومي.

نحتاج من مجلس الوزراء وبصورة مستعجلة قرارات في مصلحة تحسين المعيشة،وأن نُسرع في حل قضايا السلام وإيقاف الحرب.

كل ذلك جوهر نجاحه هو وحدة قوي الثورة وتماسكها،فاي شرخ في وحدتها سيضعف أداء الدولة ويمثل مدخلا تستفيد منه قوي الثورة المضادة،في هجومها علي الدولة الجديدة.

فالنشدد و(نكرب) ونمتن وحدتنا وأن نرفع من حاسة اليقظة عاليا،وأن نواجه قوي الثورة المضادة بالحزم المطلوب،وأن نضغط  علي دولتنا لتتخطي حالة اللين والضعف في التعامل مع قوي النظام القديم، لنعبر بالفترة الإنتقالية بالنجاح المطلوب.

 

جعفر محمد عمر حسب الله

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى