طه طلعت …. فاعل خير لا نظير له وإنسانا استثنائيا

بقلم: سوسن العبد
سكرتير الجمعية القومية لرعاية الصم ، سابقا
لن يكتمل احتفالنا باليوم العالمي للغة الإشارة دون الوقوف اجلالا ، لأحد رموز ورسل الإنسانية وإبطالها ، الذين تركوا بصمة خالدة ، في مجال خدمة الصم ، وتعليمهم ، وإعادة دمجهم بالمجتمع . فعلى الرغم من تخصصه في مجال الطب ، إلا أنه آثر أن يخص بفضله شريحة من المجتمع رأى أنها عانت كثيرا من التهميش . وان الاوان لان تنهض وتتمتع بكامل حقوقها ، وفي مقدمتها الحق في التعليم .
ولد الدكتور الإنسان طه أحمد طلعت ، موضوع هذه الالتفات ،عام 1934 في أم درمان ، ، و درس طب انف واذن وحنجرة ، في جامعة عين شمس ،بالقاهرة ، و حصل على الزمالة من إدنبرة في بريطانيا . وفي 1970 أسس الجمعية القومية السودانية لرعاية الصم . وفي عام 1971 افتتح أول معهد لتعليم الصم في الخرطوم اسمه ( معهد الأمل لتعليم وتأهيل الصم) ، ولاحقا افتتح فروع له في ولايات السودان كلها. وأسس الرابطة النسوية للنساء الصم سنة 1995. وكان لي شرف أن اشغل وظيفة سكرتيرة للجمعية ، لعام كامل ، إذ استقلت بسبب زواجي ، حينئذ.عرفت الدكتور طلعت ، من قرب ، شخصية تتميز بالطيبة والإنسانية والأخلاق العالية ، كان نشيطا ،وهو يؤدي رسالته تجاه الصم . يعمل كشاب في الثلاثين رغم أنه تجاوز الثمانين عاما ، بروح تجمع بين الاحترافية في الاداء والالتزام في العمل ،
قصة معاهد الامل :-
بعد ان احس الدكتور طه طلعت مؤسس الجمعية منذ 1967م بالأعداد المتزايدة من الأطفال الصم الذين يأتون بصحبة اسرهم لعيادة الأذن والأنف والحنجرة طلبا للعلاج، والأسئلة الحائرة عن مستقبل هؤلاء الأطفال فى التعليم والعمل والزواج الخ. كما قاده البحث في اوضاع الصم الكبار ، للتعرف على مجموعة صغيرة ، منزوية فى ركن احد المقاهى البلدية بالخرطوم ، و لم يكن يقدم فى ذلك الوقت اى شئ للصم ، اطفالا وكبارا ، لا علي المستوى الرسمى او الشعبى.
وقد قام المؤسس بدعوة نفر من المواطنين ، و من اصدقائه ومعارفه من الجنسين ،ومن مختلف مشارب الحياة للتفاكر فى كيفية التصدى لهذه المشكلة ووضع الحلول لها ، بعد ان فشل في الحصول على الأستجابة المناسبة ، من الجهات الحكومية. وضعت هذه المجموعة النظام الأساسى للجمعية ، وسعت لتسجيله عند مسجل عام الجمعيات بوزارة الاعلام والعمل، فى نفس الوقت الذى وضعت فيه برنامجها للعمل ، وقامت بحملة اعلامية كبيرة وأخرى لجمع التبرعات ساهم فيها اعلاميون وفنانون ومتطوعون كثيرون ، لاقت قبولا حسنا ودعما سخيا من المواطنين ، مكنها من انشاء اول مدرسة لتعليم الصم بالسودان: معهد الأمل 1، وأول نادى للصم الكبار: النادى الاجتماعى والرياضى للصم . يذكر أن أحد المسؤولين الذين قابلتهم في بداية مسعاه لتعليم الصم ، رد عليه قائلا : – *”نحن ما علمنا السامعين فكيف نعلم الصم”*. وقيل انه قال لمن معه ( شوف ده قال عايز يعلم الطرش والبسمعو لسه ما اتعلموا ؟!)
لكن طلعت لم يستسلم ، فقابل صديقه دكتور منصور خالد ، الذي كان وزيرا للشباب والرياضة وقتها ، الذي رد على مطلبه ، بأنه ليس باستطاعته عمل شيء ، لكن بمقدوره أن يوفر له الضوء الاخضر من طرف الحكومة. فرد عليه طلعت : يان ذلك هو مايريده . وبعد حصوله على الموافقة ، اتصل باصدقائه من الفنانين وردي ومحمد الامين والبلابل وعركي وغيرهم ،والذين نظموا حفلات خيرية لتمويل انشاء المعهد وافتتاحه .
مولد قاموس لغة الاشارةالسوداني :-
وابتعثت اول دفعة من المعلمين الى سوريا لتعلم لغة الإشارة … وأول معهد من معاهد الأمل كان في الخرطوم ٢..الذي تم ضمه ، فيما بعد ، لوزارة التربية و التعليم.. وسعى طلعت طوال حياته من أجل استعادته لكنه لم يوفق حتى وفاته. ومنذ انشاء اول معهد من معاهد الأمل في الخرطوم ،اهتم الدكتور طلعت بلغة الإشارة لأنها السبيل الوحيد للتواصل مع الصم. فقدم الدعوه للقس الاب قارث سيدريك هيلوين ،خبير لغة الاشارة والترجمة الأمريكية ، والذي جاء إلى السودان وقام بإعداد قاموس الإشارة السوداني .لاحقا كثر عدد المدربين على لغة الإشارة بالجمعية ، وانتشرت وسط الصم في كل بقاع السودان.
رجل بقامة دولة : –
يقول المهندس امين بابكر ( والذي شغل منصب المدير التنفيذي للجمعية ، قبل وفاة طلعت) : مهما قلنا لن توفيه الكلمات حقه رحمه الله في جناته ، فهو كان رجل بقامة دولة وعجزت انظمة متعاقبة على السودان ان تقدم ربع ما قام بتقديمه وكما وقفت انجازاته عبر الجمعية شامخة وراسخة كالجبال تشهد عليه الاجيال السابقة والحالية وحتما اللاحقه .اتمنى فقط ان يأتي الاهتمام وتحقيق قوانين الاعاقة على ارض الواقع وهي التي كرس لها عمره وافنى زهرة شبابه فيها ورفاقه الميامين ولا زال خلفهم على نفس الدرب
وان يجد الانصاف اقلاها والتي لم يشهد عليها في حياته من ارجاع المعاهد الى الجمعية بارقامها التي تاسست عليها مثل معهد الامل ١ الخرطوم ومعهد الامل ١٠ بحري ومعهد ٤ مدني ومعهد الامل ٧ بورتسودان ومعهد الامل ٨ كسلا واهتمام الجهات الرسمية وغير الرسمية بتهيئتها وبقية معاهد الامل لتعليم وتأهيل الصم في السودان ، وان تقوم اكاديمية الصم التي قطعت اشواط كبيرة وكان فقط تبقى تصديقها من وزارة التعليم العالي وكان الموت هو السباق.وان يتواصل رعاية الاطفال الصم وتاهيليهم والكشف المبكر للسمع على الاطفال حديثي الولادة التي ابتداها في عام ٢٠١٦ في الخرطوم بجانب تاهيل الصم الكبار وتاهيلهم عبر التدريب والتشغيل خصوصا المرأة الصماء ورعاية ابداعهم ومواهبهم خاصة مثل الفن التشكيلي و الفن المسرحي الصامت والذي شرف السودان عالميا عام ٢٠٠١ بمدينة بلباو اسبانيا والحيازة على المركز الاول لافضل مسرحية وافضل ممثل من الصم .وتقديم اعتذار رسمي عن كل الظلم والتهميش الذي وقع عليه ،وعلى الجمعية ابان فترة حياته ، وان يتواصل تدريب المعلمين والمهتمين والمجتمع على لغة الاشارة ، ونشرها عبر الدورات التدريبية القومية الموحدة والابتعاث للخارج للمواكبة والتطور في المجال وطباعة قواميس لغة الاشارة السودانية ، وتوفير المترجمين لدمج الصم دمجا شاملا في المجتمع عبر الدورات التدريبية والمعارض والمسرح وتقديم الخدمات الضرورية للصم ، في هذا المجال…



