مقالات سياسية

السودان و العبور الصعب للديمقراطية 

زين العابدين صالح عبد الرحمن 

محاولة إغتيال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، يجب أن تخلق واقعا جديدا في البلاد، علي مستوى الفعل السياسي، و علي طريقة التفكير السائدة في الساحة السياسية، و الحدث يجب أن يجبر النخبة السياسية أن تقيم أدائها و تراجع فحص أدواتها التي تريد أن تعبر بها من الشمولية إلي التحول الديمقراطي. أن محاولة أغتيال رئيس الوزراء يجب أن تكون مدانة تماما من قبل كل القوى السياسية، و بالفعل تمت إدانتها من قبل كل القوى السياسية، و الحركات المسلحة، لأنها فكرة دخيلة علي المجتمع السوداني، و الهدف منها هو أجهاض العملية الديمقراطية في البلاد غض النظر من كان وراءها، باعتبار أن حمدوك يمثل رمزا للثورة لأن تعينه قد وجد إجماعا من قبل القاعدة التي صنعت الثورة. و أن هناك بعض الرؤى المخالفة، تعتقد أن المحاولة مسرحية سيئة الإخراج، الهدف منها كسب تعاطف من قبل الشارع، بعد ما فقدت الحكومة تأييدها في الشارع بسسبب فشلها في معالجة أزمات البلاد. هذه المقولات قد دفعت قيادات قوى الحرية و التغيير أن تنفي أن تكون المحاولة مسرحية، بل تعتقد هي مؤامرة مدبرة من قبل أتباع النظام السابق، الذين يتربصون بالثورة. و لكنهم أكدوا أن هناك بطء في تنفيذ شعارات الثورة إذا كان في جانب حل مشكلة الغلاء و ارتفاع الأسعار المستمر، و الذي أرهق كاهل الشعب الذي عجز في الحصول علي حاجاته الأساسية، لكنهم لم يوضحوا الأسباب التي أدت لبطء الأداء، و من المسؤول عنه، و جعلوا السؤال دون إجابة.

إذا كانت قيادات الحرية و التغيير تشتكي من بطء في تنفيذ شعارات الثورة، هذا يعود لطبيعة التحالف الذي تحقق بين تيارات مختلفة في مرجعياتها الفكرية و تصوراتها، و التحالف أعتمد علي الكم، و ليس الكيف، فالثاني مطالب أن يقدم مشروعا سياسيا يمثل المرجعية لهذا التحالف، و يحدد الأولويات و يرتبها، و هذا كان يتم قبل تعين رئيس الوزراء، و كان يعتبر المرجعية في التفاوض مع العسكر قبل الوصول لنتائج في الحوار علي الوثيقة السياسية و الدستورية، لكن الحصل قوى الحرية و التغيير دخلت التفاوض مع العسكر دون أرضية ينطلق منها المفاوض، و كانت المفاوضات تجري علي الاجتهادات الشخصية، الأمر الذي أظهر الخلاف بين قوى التحالف الذي بنى عليه العسكر إستراتيجيتهم في الاستفادة من هذا الخلاف، لذلك عقدوا اجتماعات خارج دائرة التفاوض مع قيادات قوى التغيير، هذه الاجتماعات اثمرت. القضية الآخرة أن تعيين رئيس الوزراء تم قبل أن يصل التحالف لترتيب نفسه، و حسم قضاياه بالوصول لاتفاق حول كيفية حل الآزمات، و في نفس الوقت كيف تكون علاقتهم مع مجلسي الوزراء و السيادة قبل تشكيل المجلس التشريعي. حتى تكون الأرضية السياسية للفترة الانتقالية واضحة.

يعود ذلك؛ أن التحالف الذي يعتمد علي الكم لابد أن يؤثر علي الأجندة الوطنية المطروحة. إذا كانت هناك أحزاب تتكون من أفراد لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، هؤلاء سوف تكون أجندتهم ذاتية، و هؤلاء هم الذي يحرفون مسار القضايا الوطنية إلي منافع شخصية، و البحث عن وظائف لأنفسهم و عضويتهم الضيقة، لأنهم ليس لهم أي مصلحة في عملية التحول الديمقراطي التي لا يستطيعون المنافسة فيها. لذلك عندما قال حمدوك أمام الجالية السودانية في السعودية أن قوى الحرية و التغيير لم تقدم له أي برنامج لكي تسير علي هداه السلطة التنفيذية، كشف عن عجز التحالف و قصور أداه في مهمته، و بعد قول حمدوك عقدت قوى الحرية و التغيير اجتماعات لكي يصنعوا برنامجا للسلطة التنفيذية، مثل هذا البرنامج سوف يكون غير ضعيفا لأنه تم علي عجل.

أن البطء في تنفيذ شعارات الثورة ليس سببه السلطة التنفيذية، بل سببه قوى الحرية و التغيير، التي تحولت قياداتها جمعيا للإشتغال بالترشيحات للوظائف بعيدا عن النظر للقضايا الأساسية، كحل المشكل الاقتصادي الذي يعاني منه الناس، و أيضا تفكيك الدولة الشمولية، فتفكيك الدولة الشمولية، قد تم حصر الحديث عنه، حول الذين تم تعينهم في الوظائف من آهل الولاء. لأن الأغلبية تريد إغالة البعض لكي تحصل هي علي هذه الوظائف دون الإعلان عنها لبقية الشعب. و هذا خطأ كبير جدا في النظرة السياسية لفكرة التحول الديمقراطي. لأن الشمولية قبل أن تكون عناصر تشغل وظائف، هي تقوم علي فكرة صنعت قوانيين نتجت عنها ثقافة ترسخ قيم الشمولية في المؤسسات و في المجتمع، و التفكيك قبل أن يطال آهل الولاء في المؤسسات، كان يجب أن يتم تغيير الفكرة، بفكرة مناهضة للشمولية، و معالجة القوانيين لكي تنتج ثقافة جديدة تتماشى مع قيم الديمقراطيى، و بذلك تتحدد معطيات العناصر التي يجب أن تشغل الوظائف لكي تحقق الأرضية المطلوبة لعملية التحول الديمقراطي. و هي ليست نظرة سياسية قاصرة، أنما هي جهل بدور الفكر في تأسيس النظم السياسية و مهمة هذا الفكر في معالجة القضايا. لذلك تجد أن قوى الحرية و التغيير المتنازعة داخليا فشلت في تأسيس أرضية الحكم و تقديم مشروع سياسي متفق عليه من قبل كل عضوية التحالف، و في ذات الوقت حاولت بهذا القصور أن تصبح رقيبا علي السلطة التنفيذية، و لابد أن يحدث ذلك أثرا سالبا.

يجب علي قوى الحرية و التغيير أن تعطي السلطة التنفيذية مساحة كبيرة من الحرية، خاصة لرئيس الوزراء، الذي يجب عليه أن يحل مجلس الوزراء و يشكله بالصورة التى يعتقد إنها سوف تؤدي إلي نجاح الفترة الانتقالية، و حمدوك هو المناط به و الفريق الذي معه في مجلس الوزراء إيجاد حل للأزمة الاقتصادية، و تفكيك النظام الشمولي و مؤسساته، و هو المطالب أمام الشعب بتطبيق العدالة، و محاكمة الذين ارتكبوا جرائم في ظل النظام السابق و المفسدين، و هو الذي مناط به أيضا تحقيق عملية السلام بالصورة التي تؤدي إلي سلام اجتماعي و استقرار يساعد علي التنمية و جذب المستثمرين. و هذا لا يمنع أن يجتمع مع قوى الحرية و التغيير كل أربعة شهور لكي يجري تقييم لأداء السلطة التنفيذية. فالجلوس مع قوى الحرية و التغيير بصورة مستمرة سوف يعطل عمل السلطة التنفيذية و هي قوى عاجزة لا تملك ما ينفع لتقدمه، و هؤلاء ليس لديهم غير رفع عرائض علي أسماء للتوظيف فقط. و الغريب في الأمر أن النخب السياسية تجهل أن المساومة السياسية التي تمت مع العسكر هي التي سوف تظل سارية المفعول حتى أنتهاء الفترة الانتقالية، و أي خلاف سوف يعرض الفترة الانتقالية لإنتكاسة، لذلك يجب أن يكون هناك تناغم و تفاهم بين المجلسين، حتى تصل الفترة الانتقالية لبر الأمن. فمحاولة تصديع العلاقة بين قطبي المساومة السياسية، هي محاولة لإجهاض عملية التحول الديمقراطي، مهما كانت زرائع هؤلاء. نسأل الله حسن البصيرة.

زين العابدين صالح عبد الرحمن
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق