مقالات سياسية

مصر يا أخت بلادي

إسماعيل عبد الله

ما زال التصعيد الإعلامي قائماً بين المصريين والسودانيين من تراشقات كلامية وكتابية, على خلفية تفشي وباء كورونا في مصر وموقف الحكومة الانتقالية السودانية من ملف سد النهضة, ما أدى إلى اعلان الجهات المصرية المختصة عزمها البت في اجراءات قانونية, بحق صحفية سودانية شهيرة كتبت مقالاً وصفت فيه أم الدنيا بأم المصائب, فيبدو أن هنالك جيلاً جديداً من السودانيين أراد أن ينزع عباءة الاستلاب الحضاري ويخلع جلباب الاستتباع الثقافي لمصر, الجارة الحميمة التي شدا باسمها المطرب المخضرم عبد الكريم الكابلي في حضرة الزعيم ناصر مترنماً (مصر يا أخت بلادي يا شقيقة).

إذا تتبعنا التسلسل التاريخي للعلاقة بين سودان القرنين التاسع عشر والعشرين  وبين مصر الحديثة, لوجدنا أن العلاقة التي أسست لها أنظمة الحكم المركزي لدينا مع جارتنا الشقيقة هي علاقة التابع بالمتبوع, وهذه التبعية بدأت منذ ما قبل الاستقلال بغزو مصر الثقافي للسودان, حيث كان الأزهر يمثل قمة الطموح الذي يمكن أن يصل إليه طالب العلم السوداني, حتى أن لقب أول رئيس للوزراء (أزهري) بعد خروج المستعمر, نال حظاً من سمعة هذا الصرح العلمي والديني العريق, ولا ننسى أن الحزب السوداني الأكبر حينذاك كان شعاره (وحدة وادي النيل).

إن مسألة العبودية الحضارية ليست بالأمر الذي يسهل الفكاك منه, لمجرد الافلاس في القول أوالفحش في العبارة أوالشتم والسباب, فالأمر أعمق من ذلك بكثير, فالذي يسقيك من كأس خمره الثقافي لعشرات السنين لن تستطيع الافاقة من نشوى سكره في يوم وليلة, لقد ظلت دور العلم والثقافة بالسودان تنهل من معين المكتبة المصرية وتتغذى على مادتها الدرامية والروائية والفكرية والسياسية سنين عددا, فجميع السودانيين كبيرهم وصغيرهم يحفظون على ظهر قلب أسماء الروائيين المصريين, نجيب محفوظ ويوسف السباعي وطه حسين, وينحتون ذاكرتهم بألقاب الممثلين السينمائيين والمسرحيين والمطربين والمطربات المصريات, لكن وبالمقابل لن تجد هذا التشبث والاهتمام لدى الطرف المصري الذي إن سألته عن اسم مطرب افريقيا (محمد وردي) أو سلطان المسرح السوداني (الفاضل سعيد) لقال لك (ما عرفش).

ألاستلاب الثقافي يؤدي الى الانصياع التلقائي والهرولة نحو مرتكز الحبل السري الذي يرفد الشخص السمتلب (بفتح اللام) بالمحددات الثقافية والمفاهيمية للمستلب (بكسر اللام), فأول ما يخطر على بال المريض السوداني في بحثه عن محطات الاستشفاء هو القاهرة, بالرغم من أن محطة الهند أقل كلفة وأكثر جودة في تقديمها للخدمات الطبية, وأهم ما يشغل بال رجل الأعمال السوداني هو تملكه شقة سكنية فخيمة في حي المهندسين بالقاهرة, فهذه الهرولة تعني شيئاً واحداً للمُهَرول نحوه, ألا وهو الشعور بالأفضلية والاستحسان والخيرية وعلو الكعب, و من خلال هذا الانهزام النفسي تمرر الاجندة الاقتصادية و السياسية و الثقافية.

السودانيون أمامهم طريق طويل ومرهق بوعثاء السفر ليصلوا إلى التحرر الكامل من هذه التبعية وذلك الاستلاب, وأول خطوة في هذا الطريق تبدأ باعادة كتابة تاريخ السودان وإعدام كتب التاريخ التي ظللنا عبرها نلقن أطفالنا بأن غزو كتشنر للخرطوم ما هو الا فتح مبين, وأن الأستعمار هو حكم ثنائي وشراكة مصرية بريطانية في إدارة السودان الذي كان لقب حاكمه العام (سير) وليس (باشا), وثاني هذه الخطوات نفض الغبار عن تاريخ الممالك النوبية القديمة التي امتد سلطانها حتى تخوم بلاد الشام.

نهاية الحكاية وختام الرواية السودانية المصرية تجسدها عقدة علاقة الحب التي تنشأ من طرف واحد, فالوشيجة القائمة بين حكومات البلدين المتعاقبة انعدم فيها عنصر الندية منذ أن تركهما المستعمر, فاستغل أحدهما التميز النوعي لبنية مؤسساته المعرفية وموقعه الجغرافي الذي جعل منه مركزاً للاشعاع الثقافي, في حين أصبح الآخر مستهلكاً للمنتج الثقافي الذي يقدمه الأول , فاذا كانت ثمة ندبة حظ يلعن بها السودانيون مآل حالهم البائس, فهي سخرية القدر التي وضعتهم في هذا المأزق التاريخي الأليم واللئيم.

إسماعيل عبد الله
[email protected]

‫10 تعليقات

  1. إقتباس…//
    فيبدو أن هنالك جيلاً جديداً من السودانيين أراد أن ينزع عباءة الاستلاب الحضاري ويخلع جلباب الاستتباع الثقافي لمصر, الجارة الحميمة…إنتهي

    إنت شايت وين يا أخوي ، من كلامك فهمت أ، الشباب يفعلون شيء جميل بنزع هذه العباءة ، طيب كيف تكون مصر جارة حميمة وهي تسلبنا حضارتنا وثقافتنا…؟؟ والله سهير علي الأقل واااضحة وليست متملقة

  2. انت زودتها حبتين! حاولت محاورتك بهدؤ المرة الفائتة.. لكنك الان تلف وتدور… ياخي بلاش فلسفه.. قال الاستلاب الثقافي!! … ديل استلبوا تاريخنا كلو. الاشكالية كلها هي (الانبطاح) الذي تدعونا أنت اليه. وتبرره. ثم تأتينا بتغريد الفنان الكبير كابلي (مصر يا أخت بلادي). لتعلم أن جيل الكابلي وما سبقه وما تلاه قبل هذا الجيل كان جيل الانكسار… لست أدري من ي جيل أنت بحسب عمرك… لكنني أستشف أنك من جيل الانكسار الذي سبق هذا الجيل. فان كان ذلك كذلك فلتسكت وتدع هذا الجيل العظيم يلغي الإستلاب الثقافي الذي أتحفتنا به. وان كنت من هذا الجيل الثائر على كل سلبيات الماضي الكريه.. فلتستعن بطبيب نفسي يخلصك من عقدة الدونية البادية عليك.
    مصر أخت بلادك وشقيقتك أنت فقط وما سبقك من أجيال. وسبب ذهابنا للعلاج في مصر أو السكن فيها. هو من افرازات أجيال البؤس التي حكمتنا فضيقت علينا العيش.. واقول لك مصر تريدنا هكذا…. محتاجين لها. لتشعرنا أنها ملجأنا فنسكت.. أما عن الكاتبة التي تريد أن تقاضيها مصر فهي لا تحتاج حتى لمحامي دفاع… فقط لو أشارت الى سرقة تاريخنا وإغراق أرضنا وتشريد أهلنا في حلفا فلن تحتاج براءتها للمزيد. فأي مصائب يريد القاضي أكثر من تلك.؟
    أمسك قلمك عليك في هذا الشأن.. بلا استلاب ثقافي بلا لف ودوران. اخلع عنك رداء جيل الكابلي والأزهري وجيلي أنا… فتلك أجيال ما حست بالظلم والظلم وحده لا يولد الرفض والثورة عليه. بل الاحساس بالظلم هو الفاعل… دع هذا الجيل العظيم الثائر يعيد صياغة الانسان السوداني السوي ويعيد كتابة التاريخ.

  3. زى ما انتا اخترت الطبيل و مسح الجوخ يا خي الصحفية دي اختارت ترد بشراسة على كل حكومة انتهازية وكل شعب زبالة يتطاول على السودانيين ونحن نقف معها قلبا و قالبا. و بعدين اسمع يا حبيبنا انتا ارقص عشرة بلدي و خليها هي تبشر وتهز بالسيف.

  4. سلام وتحية .. مهما يكن الأمر.. ،
    فإن العقدة المصرية لدى الجهلاء منهم الذين لايرون من السودان وشعبه من مدى ، أكثر من أخمس أقدامهم ، متناسين أن من السودانيين من تفوقوا عليهم علما ومعرفة ، ولكن من المؤسف حقا أن تجد من السودانيين من يطبل لهم لغرض في نفسه أو شئ من نقص يعانونه وهو يرى في كل مرة ، سيل الشتائم تنهال على السودانيين وأهل السودان قاطبة متى ما كان هناك إختلاف أو أزمة سياسية ، ناهيك عن كرة القدم وما يرددونه من شتائم قذرة يستحى منها كل ذو عقل وأخلاق ، لذلك أرى أفضل ما قاله الإمام الشافعي : ( يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيبا …. يزيد سفاهة فأزيد حلما ….. كعود زاده الإحراق طيبا .
    محمد مختار

  5. لقد شخصت الأزمة.
    الاستلاب الثقافي.
    السودانيين ما عايزين يعترفوا بالحقيقة.
    الاستلاب هو التلصق في الآخر والشعور بالدونية تجاه المصري.
    المصريين العمال الدخلو السودان ايام البترول قبل الانفصال اتزوجو بنات سودانيات وسكنوا معهم في بيوت اسرهم ولدوهم و سافروا خلوهم وما سألوا منهم ولا من أطفالهم..

  6. هههههههه
    مادام المصريين رفعوا كثافتنا للدرجة دي معناها بيعنوا لينا الكتير
    الله لا كسبكم اولاد فوزية..

  7. دا ظلم للمصر واهلها العلاقه مع مصر علاقه عميقه ويكفى ان من حول الحكم من ملكى الى ثورة 23 يوليو هو محمد نجيب والدته من امدرمان وتربى فيها زمان ليس بالقصير والسادات من قاد نصر اكتوبر الذى يفتخر به المصريين والعرب جميعهم امه من قبيلة الفور ( ام سترين)
    عن اى استلاب تتحدثون

  8. ستظل العلاقة بين البلدين كعلاقة القط والفار، ما لم نتحرر من التبعية للعسكر داخل وطننا ونستغل بانفسنا في حكم البلد، بمدنية نظيفة لا تعكر صفوها كدر العسكرية. ساعتها سنحسم اي قضية مع مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق