مقالات سياسية

 في الذكرى (٣٥) عام على أغرب خطاب في تاريخ السودان

بكري الصائغ

 ١- يوم لا ينسي في تاريخ السودان، ففي يوم ٢٥/ مارس عام ١٩٨٥ -اي قبل (٣٥) عام مضت، خاطب المشير/ جعفر النميري في جلسة موسعة بقاعة الصداقة صفوة شخصيات الدولة وكبار القادة فيها، وبحضور نائبه الاول اللواء/ عمر محمد الطيب، ومستشاريه في قصر الشعب، واصحاب المناصب الدستورية، ورؤساء الامانات بالاتحاد الاشتراكي، والوزراء ووزراء الدولة ووكلاء الوزارات،  وكبار المسؤلين في الاجهزة الحكومية المختلفة،القادة بالقوات المسلحة والشرطة والأمن، والمحافظين ووزراء الولايات، والسفراء الاجانب، رؤساء الصحف المحلية والمراسلين الاجانب.
 ٢- كان هدف النميري من الاجتماع بأهل السلطة في نظامه، التفاكر معهم حول بعض المستجدات التي طرأت في البلد بعد الزيادات التي طرأت علي بعض السلع الضرورية والادوية، وشرح الموقف الاقتصادي العصيب الذي تعيشه البلاد، التقي معهم المشير النميري، وافاض في الكلام والحديث عن الحالة الأقتصادية في البلاد، ودافع بشدة عن رفع الدفع ، وعن الزيادات التي طرأت علي السلع الضرورية، دافع بقوة عن السياسة الاقتصادية التي تسير عليها حكومته.
 ٣- شن النميري في خطابه هجوم ضاري وقاسي علي الجميع بلا استثناء، واكد لهم ان الفترة القادمة لحكمه ستكون عصيبة نسبة لان الاقتصاد في البلاد قد تدهوربسبب سلوكيات كبار رجال الدولة وتبذيرهم المبالغ فيه علي حساب ميزانية الدولة الضعيفة، وكيف ان بعض المسؤولين الكبار يركبون عربة حكومية وسيارة اخري حكومية تحت تصرف زوجته…وكانما هذه السيارات الحكومية قطاع خاص لهم ، وفق كل هذا يتم صرف الألآف من “جوالين” البنزين كل شهرعلي هذه السيارات علي حساب ميزانيات وزارتهم ومصالحهم الحكومية، شن النميري الهجوم الضاري علي سفر الوزراء في اجازاتهم للخارج وكيف انها سفريات عائلية بغرض الترفية و”الفشخرة” الفارغة التي كلفت الدولة ملايين الدورات.
 ٤-  قال لهم نميري بحدة “من الان وصاعدآ..من ياكل (٣) وجبات فلياكل وجبتين..وعليكم ان تتركوا المشروبات الباردة التي تكلف البلاد ملايين جوالات السكر، وحلو الشاي بالبلح”!!…وهنا ارتفعت الضحكات عالية من قبل الحاضرين فاغتاظ نميري بشدة ورفع صوته عاليآ كالصراخ حتي طغي علي ضحكـاتهم وراح يهددهم وكانهم تلاميذ او اطفال بالخلوة وان الاجراءات الاقتصادية القادمة الصارمة
 تستهدفهم قبل الاخرين.
٥- طلبت احدي العضوات السماح لها بكلمة، فراحت تحكي عن المعانأة التي يجدها المواطن المسكين  في الحصول علي السلع الضرورية بعد الزيادات التي طرأت عليها، وقبل ان تكلم المتحدثة باقي كلامها، قاطعها النميري بصوت عالي وراح وهاجمها هجوم ضاري الجم السنة الجميع بالقاعة، راح يقول بنبرة مليئة بالنرفزة: ” المواطن السوداني يفضل دائمآ الحياة الهنية الرغدة “واكل الباسطة ” ولبس المستورد”، ولا يود ان يعرف حقيقة الازمة التي تعرفها البلاد، ويرفض حياة التقشف وتقليل حاجياته المعيشية”.
 ٦- كان خطاب النميري مساءآ بقاعة “مجلس الشعب” – اي – قبيل سويعات من مغادرته الخرطوم الي امريكا، طار بعدها  النميري مع زوجته وبرفقة وفد رئاسي كبير الي امريكا، تاركآ خلفه السودان يحكمه نائبه الاول الجنرال/ عمر محمد الطيب، الذي كان ايضآ  يشغل منصب مديرجهاز الأمن القومي، كان يوم ٢٥ مارس ١٩٨٥، هو اخر يوم حكم فيه النميري البلاد، فقد اصبح بعد هذا التاريخ لاجئآ في القاهرة، ولم يعد للسودان الا في يوم ٢٢/ مايو ١٩٩٩، وخاطب مستقبليه في المطار”جئت للسودان مندفعاً بحب عارم للوطن ولشعبه الحبيب, ولم اصرح يوما بأنني عائد كحاكم او طالب للسلطة”.
 ٧- ماذا حدث في يوم ٢٦/ مارس ١٩٨٩؟!!
 (اندلعت مظاهرة عارمة قوامها طلاب “جامعة امدرمان الاسلامية” الذين لم يعجبهم كلام النميري الذي توعد شعبه بمزيد من الاجراءات الاقتصادية الصعبة القادمة فوق ماعليها الاحوال في البلاد من سوء اوضاع متردية في كل المجالات الحياتية، بجانب الاضرار التي سببها الجفاف والتصحر علي حساب الاراضي الزراعية. طافت المظاهرة الطلابية بعض مناطق امدرمان وفي كل مرة تزداد المظاهرة عددآ وينضم اليها الناقمون علي الاوضاع. واتجهت المظاهرة بصورة مقصودة حتي وصلت الي ” جمعية ود نميري التعاونية ” التي يملكها مصطفي شقيق الرئيس النميري، وقام المتظاهرون بحرق الجمعية بصورة كاملة، واتجهت المظاهرة الي الخرطوم، كان هدف المتظاهرون ان يصلوا الي مطار الخرطوم وقبل اقلاع طائرة النميري ووفده المكون من(٤٨) شخص الي امريكا وليمنعوه من السفر باي طريقة ما، وبالفعل وصلت المظاهرة الي الخرطوم وتشتت المظاهرة الـكبيرة الي عدة مظاهرات فرعية بعد اانضمام موطني الخرطوم اليها، وسدت المظاهرات الطرق والشوارع الكبيرة، مما حدا برجال الامن الي تغيير مسار عربات الوفد الي طرق جانبية حتي وصلوا للمطار، واقلعت الطائرة باستعجال شديد قبل وصول المظاهرة العارمة.).
 ٨- ظلت المظاهرات مستمرة بلا توقف حتي يوم ٦/ ابريل ١٩٨٥مع سقوط عشرات الضحايا، مما جعل القادة في القيادة العامة يتدخلون منعآ لسقوط مزيد من القتلي والجرحي.
        بكري الصائغ

‫12 تعليقات

    1. أخوي الحبوب،
      السوداني الخطر،
      ١-
      تحية طيبة، ومساكم الله بالعافية.

      ٢-
      جاء في تعليقك (ضيعناك وضعنا وراك يا اباعاج الله يرحمك)!!
      ٣-

      والله يا حبيب لا اعرف كم عمرك؟!!، ولكن لو عاصرت السودان في ذلك الزمن السعيد قبل وقوع انقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩، وقارنته بحال السودان بعد وقوعه في قبضة “الضباط الاحرار” لما كتبت هذا التعليق!!، هل ان مشاكل السودان قد بدأت تحديدآ في يوم ٢٥/ مايو عام ١٩٧٠ ـ اي بعد مرور عام من انقلاب ٢٥ مايو، ففي هذا اليوم اعلن النميري عن قرارات خطيرة، وقام بعمليات تاميم ومصاردة لشركات وطنية واجنبية ، وبنوك دولية لها وزنها العالمي.

      ٤-
      قام بتاميم ومصادرة: بنك باركليـز، بنك مـصـر، بنك الكريـدي ليونيه، شـركة عـثمان محمـد صالـح، شـركة خليل عـثمان، شـركة ليكوس لاستيـراد الافلام، شـركة كونتو مـيخالوس، مـزرعة كافوري للألبان، شـركة فرنكوبنـتو، فندق صـحاري، جـريدة الايام، جـريدة الصـحافة، سـينما كوليـزيوم، شـركة ابورجيلة للبصات، عـمارة مـرهـج،شـركة جـلاتلي هانكي،سـينما قديس بامدرمان،مطعم كوباكوبانا،مـنزل رجل الأعمال الأرمـنـي بودوريان،شـركة فانيان، شـركة قرنفلي،صالة غـردون ميوزيك هـول….

      ٥-
      وكانت النتيجة، ان اعلنت الدول الاوربية مقاطعتها لحكومة الخرطوم التي اممت وصادرت قطاعات اقتصادية تخص دولها، وبعد بدأ الجنيه السوداني في الانهيار، ومنذ ذلك اليوم في عام ١٩٧٠ والجنيه يواصل انهياره حتي وصل اليوم الاربعاء ٢٥/ مارس الحالي ٢٠٢٠ سعر الدولار الي (١٢٦) جنيه!!

      ٦-
      تصاعد أسعار العملات الأجنبية والدولار يسجل 126 جنيهًا
      (مارس 25, 2020- صحيفة “الراكوبة”: |تصاعدت أسعار العملات الأجنبية بالسوق في ختام تداولات اليوم الاثنين، مدفوعة بشح المعروض وحدة الطلب.وطبقا لمتعاملين تحدثوا لـ( السوداني ) فإن سعر البيع للدولار سجل (126) جنيهاً مقارنة بـ(120) جنيهاً امس الأحد. فيما سجل سعر البيع للريال السعودي (32) جنيها والدرهم الإماراتي (33) جنيها بينما بلغ سعر البيع لليورو (133) جنيها
      وارجع المتعاملون الارتفاع لزيادة الطلب على العملات الأجنبية خاصة مع إغلاق المطار أمام حركة السفر ما أسهم فى تراجع كمية المعروض من النقد الأجنبي.).

  1. الفحل الاسفيري
    خليك من خطاب مزاع علي الهواء وسمعه كل الناس فهذا ليس بالخبر لكن عدد المرات التي ادي فيها النميري فريضة الحج هو مايهم الجمهور وهو تخصصك الذي تجيد
    ولاتنسي ان تضيف الي قصاصاتك الصفراء وفاة وزير الدفاع السوداني جمال عمر من ضمن كوارث شهر مارس
    اما شهر فبراير فبالله ماتنس فيهو عيد الحب واكتب لينا عن اشهر قصص المحبين ومن انتهت بزواج ومن انتهت بشاكوش
    الست وكيلا لله في الارض
    الفاضي بهمز امو
    لا شغل لامشغلة
    لامسئولية

  2. متى حمدوك و قحط يغورون فى ستين داهية
    كلم ربعك اذا ما غادروا فالوضع سوف يتجه إلى الصوملة

    1. أخوي الحبوب،
      خواجة،
      ١-
      تحية الود، والاعزاز بحضورك الكريم، ومشكور علي المشاركة بالتعليق.

      ٢-
      اثناء وجود جعفر النميري في القاهرة (١٩٨٥-١٩٩٩)، قام بعمل اتصالات سرية مع ضباط كبار برتب عسكرية عالية في القيادة العامة بهدف القيام بمحاولة انقلابية ترجعه مره اخري للسلطة، ولما تكررت المحاولات من النمير والتي كانت المخابرات المصرية علي علم تام بها، حذرته من استغلال وضعه كلاجئ لاثارة المشاكل مع السودان، خصوصآ ان حكومة الدكتور/ الجزولي دفع الله كانت قد تقدمت بطلب للحكومة المصرية باعتقال النميري وارساله الي الخرطوم للمحاكمة بتهمة قيامه بانقلاب عسكري ضد الوضع الديمقراطي وقتها عام ١٩٦٩….بعد كف النميري عن التدخل في شآن الوضع الجديد في سودان ما بعد انتفاضة ٦/ابريل ١٩٨٥.

  3. أخوي الحبوب،
    صادق الوعد،
    ١-
    حياك الله وجعل كل ايامكم مسرات دائمة، والف شكر علي المشاركة القيمة.
    ٢-
    يا حبيب، السودان بالف خير رغم المحن والازمات ولن يتجه للصوملة، او يكون حاله اشبه بحال اليمن وليبيا، كل في الامر، ان النظام الفاسد السابق ترك خلفه عشرات الآلاف من حالات فساد سياسي واقتصادي، وقضايا تتعلق بالاغتيالات والاغتصابات والتعذيب، وقضايا نهب مقنن وغير مقنن استهدفت المال العام، ورشاوي وعمولات وسمسرة وخصخصة وبيع مؤسسات الدولة،…كل هذا وقع علي عاتق الحكومة الحالية في ان تجد لها الحلول…فصبرآ يا صادق الوعد، الله سبحانه وتعالي خلق الدنيا في ستة ايام.

    ٣-
    عودة الي موضوع المقال، بعد عودة جعفر النميري للخرطوم من القاهرة كمواطن عادي عام ١٩٩٩ ، ساله احد الصحفيين عن رأيه في حال السودان بعد غياب (١٤) عام قضاها في اللجوء بالقاهرة، ففرد عليه النميري “البلد خربان واقع في الواطة، ومافي زول بقدر يصلحها غيري!!”.

  4. النميري رحمه الله ما كان يميزه هو شخصيته القيادية _(الكارزيما ) وتمثيله لشعب السودان عزة وكرامة ورجوله هذا ما ضيعه الذين اتو من بعده للاسف فالشعب السوداني كان ايام النميري عزيزا فخورا في دول المهجر ولكنه حضر زمن ارجاع طائرة رئيسه الذي كان في زيارة الى دولة اخرى مرورا بدولة ثانية وتم ارجاع طائرته وكنت في الخليج انذاك وقد سئمت من تعليقات الناس على هذا الحادث والسخرية من رئسنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق