مقالات وآراء

من أوهان الى وول أستريت: ماذا بعد الكورونا؟

د. شذى بلة المهدي

-١-
في يوم 18 من شهر أكتوبر العام 2019 ، انعقدت جلسات حوار عميقة داخل مركز جون هوبكنز للامن الصحي بنيويورك ، بالاشتراك مع المنبر الاقتصاد العالمي ومؤسسة بيل وماليدنا قيتس الخيرية ، وكان عنوان الفعالية (الحدث 201)، ويعتبر الحدث 201 من أكبر الفعاليات التي عقدت مؤخرا لتجريب ونقاش ما قد يترتب علي حدوث جائحة عالمية ومدى تأثيرها على العالم.

أستضافة المركز وقتها لواحد من أكبر المنابر الاقتصادية فى العالم لنقاش سيناريو الجائحة المحتمل كان ايمانا من المركز وخبرائه بالارتباط الوثيق بين الصحة والاقتصاد خاصة فيما يتعلق بالاوبئة التي تنتشر بسرعة وتضرب عظم النمو الأقتصادي وتطيح ببورصات العالم ومؤشراته الأقتصادية في لمح البصر.

السبب الاساسي في انعقاد الفعالية وتسميتها كما ورد في موقع مركز الامن الصحي ان العالم شهد مؤخرا عددا من الأحداث التي ترقى الى درجة الوباء او الجائحة، وبلغ عددها حوالي 200 سنويا. هذه الاحداث في تزايد مهول جعلتها لا تؤثر على صحة بعض البشر فحسب بل على أنظمة صحية واقتصادية واجتماعية كاملة، باختصار، هذه الاحداث غيرت من مسار العالم في ازمنة سابقة، وستظل تحدث تغييرات عظيمة، ربما تكون في احداها نهاية العالم فعلا كما توقع الكاتب التكنلوجي استيفان بيترانيك

ومن المحتمل أن واحدة من هذه الأحداث ستخرج عن السيطرة في لحظة ما، وتصبح وباءا عالميا او جائحة، تغطي مناطق العالم الجغرافية الستة بطريقة كارثية. وهذا التوقع هو ما اسمته المجموعة بالحدث رقم 201، وهو ما يتطلب توحدا وتنسيقا عاليا بين كافة المجالات ليس على المستوي القومي فحسب بل على مستوى عالميا

ماذا يقول سيناريو الحدث 201؟

الحدث 201 كان اصطناعا وتخيلا دقيقا لسيناريو تفشي وباء فيروسي من عائلة الفيروسات التاجية (الكورونا)، وهذه ليست صدفة، فهذه العائلة من الفيروسات تحديدا تسببت فى الكثير من الأوبئة الخطيرة مؤخرا ، والفيروس التاجي المتصور فى السيناريو هو تحورا فيروسيا من فيروس السارس الذي شهد العالم وباءه في العالم 2003 ومن نفس عائلة فيروس الكورونا المنتشر حاليا.

يقول السيناريو في (الحدث ٢٠١) ان الفيروس الذي يصيب الخنازير في الأساس حدث له تحور جيني جعله قادرا على اصابة البشر، فبدلا من تناقله بين الخنازير كسر الحلقة ووجد طريقه الى البشر، وقد كانت نقطة الانتقال في مزرعة للخنازير في البرازيل، ثم انتشر الفيروس بعدها بسرعة من شخص لأخر في بيئة نشأته الفقيرة من ذوي الدخل المحدود، وسرعان ما طاف منطقة امريكا اللاتينية، ثم حمله المسافرون عبر خطوط الطيبران الى البرتغال فامريكا فالصين وبعدها أنتشر في معظم دول العالم وفي النهاية ولسرعة انتشار المرض أصبح من الصعب السيطرة عليه رغم اغلاق الحدود واعلان الطواري وسواه!

وهذه بالضبط ما يحدث الآن بخصوص فيروس الكورورنا فهل كان هؤلاء القوم سحرة؟ هل صدفة كان إنعقاد فعالية قبل شهر بالضبط من ظهور فيروس الكورونا؟ هل هم من صنع الفيروس كما ادعت بعض المجموعات التي تعتقد ان وراء كل حدث كبير مؤامرة كونية تم الترتيب لها بدقة؟ كلا بالطبع!

هؤلاء فقط كانوا يقرؤون مسار التاريخ بخصوص الاوبئة بمعرفة وحصافة ويريدون أن يقنعوا العالم بتبني برامج عالمية للاستعداد ونظم الانذار المبكر والرؤية العالمية للأوبئة خارج الاطار المحلي او القومي، ولأن بيل قيتس ومركز الصحة الأمني يهتمان بالأوبئة بصورة خاصة فليس سمنار الخدث ٢٠١ سوى واحدة من سلسلة نقاشات وتصورات حملت كلها انذارا للعالم الذي لا ينصت جيدا.

انتهي التصور المتخيل في سيناريو الحدث 201 بمقتل 65 مليون نسمة، واخذ الوباء فترة 18 شهر حتى بدا في التراجع ، وكان متوقعا ان يصيب 80 الى 90 بالمائة من سكان العالم قبل أن تتمكن الجهات المختصة من إنتاج لقاح له.

65 مليون نسمة ضحية للفيروس التاجي المتخيل، وهو وان كان رقما مهولا فقد حدث من قبل حين قضت جائحة الانفلونزا قبل حوالي مائة عام على رقم شبيه بعد ان اصابت ثلث العالم بالوباء.

اما اليوم، وبينما عدد مصابي فيروس الكورونا في العالم يتضاعف كل بضعة أيام ويقترب من المليون مصاب بضحايا فاقوا الثلاثين ألف للفيروس التاجي وبينما الكرة الأرضية تمر بواحدة من اعظم كوارثها الصحية في العصر الحديث، تلك الكارثة التي لم تمنعها انظمة الدول الصحية المتطورة ولا جدرها العالية ولا تكنولوجياتها العظيمة، فان البشرية بلا شك ازاء امتحان عظيم سيعيد ترتيب رؤيتها لنفسها وللآخرين حولها.

إن الخلاصة بوضوح من هذه التجربة التي لم تنته بعد، انه لا يكفي النظام الصحي القومي لأي دولة مهما كان متطورا وعظيما، لحمايتها من الأوبئة العالمية، ما لم يكن هذا النظام مرتبطا بآخر عالمي، يتشارك التكنلوجيا الصحية وانظمة الانذار المبكر مع دول العالم بما فيها الدول ذات الأنظمة الصحية المتهالكة، بل ويسعى للتعامل مع أنظمة الصحة في الدول الفقيرة كأمر يرقى إلى درجة الخطر الأمني لأهل تلك الدول وللعالم بحيث يكون إصلاحها من اولويات اجندته في العمل المشترك.

من المؤكد أنه لن يجدي اعتصام الدول الكبرى والغنية بترف ومنتجات التكنلوجيا الطبية والصحية القومية التي لا تستطيع تقصي آخر مريض مصاب في أبعد قرية في العالم، لان الحقيقة العظيمة من هذا الدرس الكبير أن ذلك المريض تحديدا بامكانه ان يهز عرش العالم ويفضي الى واحدة من نهاياته العديدة، بالضبط كما أطاح مريضا من أووهان بالصين باكبر بورصات العالم وأسواقها. هي فرصة عظيمة للعالم القابع الآن في بيته للتأمل، عسى ان تخرج صحة الانسان من قوقعة مؤشرات التنمية في العالم الى حق أصيل لكل فرد فيه يرتبط ارتباطا وثيقا بامن العالم وسلامته وأقتصاده بل وحتى وجوده.

شذى بله المهدي

الصورة من فيديو الحدث ٢٠١ اكتوبر ٢٠١٩
الصورة من فيديو الحدث ٢٠١ اكتوبر ٢٠١٩

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..