
كتب عبدالله مكاوي مقالاً يدافع فيه عن مواقف دكتور/ حيدر إبراهيم الذي نكُن له فيض من الإحترام والتقدير. فمواقف حيدر يا مكاوي نعلمها عبر كتاباته وإنتاجه الفكري الذي قدَّمه لشعوب السودان وشعب الهامش العريض.
تحدَّث في المسكوت عنه من التاريخ عبر مجلة الخرطوم. علي سبيل المثال تحدَّث عن ثورة الليري التي قام بها (كوكو كبنقو) ومعاركه مع الإنجليز في جبل (لفوفا). ويُعتبر البطل كوكو كبنقو أول ثوري سوداني تم ضربه بالطيران، وبعد هزيمته تم أسره وإعدامه في (حلة كوكو) الحالية في محلية شرق النيل بولاية الخرطوم والتي سُمِّيت بإسمه تخليداً له. ولم يقف عند هذا الحد بل ذهب ليتحدَّث عن ذلك الفتى الثائر (فيلكس دارفور) الذي ناضل في جغرافية أخري، ومن أجل شعوب أخري مُدافعاً عن حقوق المُّهمشين. وهو أول سوداني طرح مشروع السودان الجديد في جغرافيا أُخري.
عرفنا كل ذلك عبر الإنتاج الفكري لمركز الدرسات السودانية الذي يملكه دكتور/ حيدر إبراهيم.
وإن أخفق حيدر إبراهيم فلنا الحق في إعادته إلى الصواب ليحتفظ لنفسه بتلك الصورة الزاهية. لا أعرف ما هو الدافع الذي جعل عبدالله مكاوي يكتب مدافعاً عن دكتور حيدر إبراهيم !!. غير إنها العقلية السلطوية الأبوية المركزية التي تستمد قوَّتِها من المثل العربي : (أنصر أخوك ظالماً أو مظلوما). وهو إصطفاف درج عليه أهل المركز للرد ومواجهة كل من يُطالب بحقوقه ثم وصفه بالعنصرية كقوالب جاهزة لتمييع الحقوق المشروعة لشعوب الهامش.
فمكاوي كتب بشكل فيه الكتير من “التعميم” مُنتقداً الحركات المُسلَّحة للتمويه فقط ولكن المقصود بمقاله هي الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال ..لأن من كتبوا مُنتقدين حيدر إبراهيم هم كُتَّاب مؤيِّدين لمشروع السودان الجديد. فالحركات المُسلَّحة التي إنتقدها مكاوي بشكل مُعمَّم هي مُتماهية مع رؤية الحكومة الإنتقالية التي يُساندها كذلك ويقف خلفها حيدر إبراهيم.
عبدالله مكاوي ذكر في مقاله – ناصحاً – الحركات لدعم الحكومة الإنتقالية من أجل إقتلاع الدولة العميقة من السودان. فيا أستاذ مكاوي .. مُعظم الحركات المُسلَّحة في الجبهة الثورية – كما تعلم – تدعم الحكومة الإنتقالية عبر مسارات وهمية لتذويب قضية الهامش وإبتلاعها دون وازع أخلاقي وضمير. وكان الأجدى لك أن تنتقد الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال مُباشرة لأنها هي الوحيدة التي تُطالب بالعلمانية وحق تقرير المصير للشعوب السودانية مُستندة علي قطاع عريض من الشعب السوداني في المناطق المُحرَّرة و المناطق تحت سيطرة الحكومة.
وهذا لا يعني إن الحركة الشعبية – شمال لم تدعم الحكومة الإنتقالية فهناك بيانات كثيرة من رئيس الحركة الشعبية وسكرتيرها العام داعمة لحكومة “الأمر الواقع” المدنية، وآخرها بيانها الداعم لتعين حكام الولايات من المدنيين لتحقيق أهداف الثورة وهو أمر لا تعارضه الحركة الشعبية طالما سيلبي رغبات وتطلُّعات الشعب السوداني الذي لم ولن تقف الحركة الشعبية ضدها. نحن نقف مع المدنيين وليس العسكريين حُلفاء الجبهة الثورية.
فزيارة حمدوك لكاودا الصمود كان أكبر دليل للدعم السياسي للمدنيين إحتراماً لشعارات الثورة ودماء الشهداء.
فوصفك وسؤالك عن للعلمانية بإنها ليست (وصفة سحرية) لحل مشكلة السودان، يؤكِّد سعيك للتدليس وتغبيش الوعي. فالعلمانية في تفكيرنا هي أكبر من أي وصفه سحرية، لأنها وببساطة تساوي بيننا في كل مناحي الحياة (- الإجتماعية – السياسية – الإقتصادية) بل هي كرامتنا وإنسانيتنا جميعا. فلماذا تدفعنا إلى السُكات عن قولها، والتحاور من أجلها وتنزيلها لأرض الواقع بطرق أُخرى ؟ .. ببساطة سوف تقول لنا إن الزمن والوقت غير مناسب، وكذلك الظروف والأوضاع..!!. في محاولة منكم لفرض الوصايا والأبوية علي نمط : ( منقوا قُل معي لا عاش من يفصلنا).
كما ذكرت إن الإنقاذ عملت علي عرقلة إنتاج أي مشروع وطني يوحِّد المعارضة بسياسة (فرِّق تسُد) .. نتَّفق معك في هذه الفرضية. ولكن الآن أنت تُمارِس نفس نظرة وسياسة الإنقاذ، لأن دعوتك للكف عن المطالبة بالعلمانية لا يُوحِّد السودان، ولا يبني وطن يسع الجميع. فالسودان جرَّب كل المشاريع السياسية الفاشلة مثل دولة (الإسلاموعروبية). ماذا جنى غير الخراب والدمار والإنفصال إلى شطرين .. ؟ !!. وهذا الإنشطار قابل للزيادة إن لم نعي دروس وعبر التاريخ السيئ.
وما يُحيِّرني .. كيف لك أن تصف العلمانية التي ننادي بها بأنها دعوة (صفوية الإتجاه) أي إنها من بنات أفكار النُخبة وقادة الحركات المُسلَّحة دون “المُجتمعات المحلية”. وأعتقد إنك لم تتوفَّق في هذه الفرضية .. فزيارة حمدوك لـ(كاودا) كانت أكبر رسالة من شعوب المناطق المُحرَّرة .. إعلامياً ظهر في اللافتات والشعارات التي رفعت من كل الفئات مطلب (العلمانية) .. فالحركة الشعبية تملك إرث نضالي قديم، ومؤسَّسات فكرية عظيمة، وبحوث ودراسات كثيرة حول هذا الأمر، بالإضافة إلى المدارس السياسية والفكرية، والوعي الجماهيري .. فهذا “وعي جمعي” وليس تطلُّعات نُخب.
لماذا لا ننادي بالعلمانية والطيران العسكري كان يقصف مناطقنا بإسم الإسلام وبإسم العروبة ؟ ولماذا لا ننادي بالعلمانية والمجاهدين يحرقون القُرى ويغتصبون النساء وينهبون الممتلكات بإسم الاسلام والآيديولوجيا الإسلاموعروبية ؟؟ .. ولماذا لا ننادي بالعلمانية وشعوبنا يحصدها الجوع والجهل والمرض بإستخدام الإسلام والعروبة ؟؟ ببساطة نحن نريد وطن نكون فيه (حُكَّاماً ومحكومين) .. وليس وطن يكون فيه (ظالم ومظلوم).
أمَّا وصفك بأننا نفتقد لأسُس الديمقراطية، وقراراتنا تُتَّخذ بصورة مركزية، فيه تجنِّي، ويؤكِّد إن مقالك مُغرض .. وفيه دوافع أُخري نعلمها .. فالحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال في 2008 مارست الديمقراطية في مؤتمرها العام في جوبا. وفي 2017 عقدت مؤتمرها العام الإستثنائي في (كاودا) وتم علي إثره إنتخاب الرفيق القائد/ عبد العزيز آدم الحلو – رئيساً وقائداً عاماً للجيش. والآن الحركة الشعبية لديها منفستو ودستور، وسلطة مدنية بكل صلاحيتها ..تدير أراضي تُعادل دولتي (رواندا – بورندي) في أفريقيا. و تُعادل مساحة دولة (بلجيكا) في أروبا ..
والسؤال إن كُنت تعتقد إن قحت بكامل أحزابها مؤهَّلة ديمقراطياً أكثر من الحركة الشعبية، أذكر لنا تاريخ هذه الأحزاب ومتي مارست الديمقراطية عبر مؤتمر عام أتى بقيادة جديدة. فحزب الأمة ديناصور، والإتحادي ديناصور، وكذلك الحزب الشيوعي. وهذه الأحزاب عقد بعضها مؤتمراتهم بعد مؤتمر الحركة الشعبية في 2008 لتتماشَى مع الوضع الجديد الذي أفرزته نيفاشا في 2005. فالديمقراطية التي تتوفَّر في الحركة الشعبية – شمال لا توجد في أي تنظيم سياسي في السودان. فنحن حملنا للسلاح كان ولازال بدافع البحث عن الحقوق التي كُنَّا نُنادي بها سلمياً .. وعندما لم نجد آذان صاغية .. كان الخيار الوحيد المُتبقِّي هو الكفاح المُسلَّح.
أمَّا قولك : (علينا أن نساند الحكومة الانتقاليه) .. حسناً، كما وضَّحنا لك مُسبقاً.. إن غالبية بيانات الحركة الشعبية ومواقفها كانت مُساندة للحكومة الإنتقالية .. ولكننا لا نُساند من يبحثون عن المُحاصصات السياسية والإنفراد بالسلطة والثروة علي حساب قضايا جماهير شعبنا المُتجذِّرة. فالسلام الذي ننشده هو السلام الشامل والعادل الذي يُناقش ويخاطب جذور المشكل السوداني.
وصفك لنا بـ(عجزنا عن إقتلاع النظام عسكرياً و إن الفضل يرجع للشباب الثُّوار) .. من هم الثوار ؟؟ إنهم جماهير شعبنا الذين كانوا يهتفون (حرية .. سلام ..وعدالة) لمن ترجع هذه الشعارات ؟؟ إنها شعارات السودان الجديد .. والسؤال الجوهري : من الذي أضعف النظام إقتصادياً وكسَّر آلياته العسكرية وغروره .. ؟؟ إنه الجيش الشعبي الذي مهَّد الطريق بالقوة العسكرية أمام الشعب السوداني، وأضعف النظام، لينقض عليه الثُّوار بالتصفيق سلمية سلمية ضد الحرامية ..
النضال مستمر والنصر أكيد
عاطف نواي
[email protected]




نكُن. – نكن بضم النون وبكسر الكاف يا كافي
بسم الله الرحمن الرحيم
الاستاذ عاطف نواي تحية طيبة
اليك بعض التوضيحات:
اولا، لا اظن فات عليك ان المقال المشار اليه، لم يتقصد الدفاع عن دكتور حيدر فقط، ولكن الدفاع عنه شكل مدخل للحديث عن هشاشة الفترة الانقالية وموقف الحركات منها، وهذا ما يتعدي دكتور حيدر لغيره ممن يقف نفس الموقف. ومن هنا ينتفي الدفاع عن دكتور حيدر من بعد او نزعة مركزية لم تخطر حتي علي البال، ولكنك للاسف تصر علي الباسه لكل من يختلف مع الحركات المسلحة او من يرفع لافتات قضايا الهامش، سواء في طرحها او تكتيكاتها. اي مكان مولدك وهو بالمناسبة صدفة محضة، سابق علي وعيك ومصادر لموقفك، اي كانك تصادر علي المطلوب ابتداءً. وفي هذا ليس ظلم لمن تسئ بهم الظن فقط، ولكن ايضا فيه تشكيك في شعارات العدالة التي ترفعها الحركات. وفي هذا السياق مفهوم الهامش والمركز نفسه يحتاج لمراجعة حتي لا يجلب مثل هذ التعميم المخل، او يحرف القضية، من قضية اعادة تاسيس الدولة علي اسس حديثة تعالج المظالم التاريخية علاجا جذريا، الي قضايا تختص بمكونات وجهات محددة من الدولة. اي تعمل بوعي او غير وعي علي تكريس اسلوب المحاصصات الذي رفضته انت نفسك.
ثانيا، اتفق معك ان التعميم الذي يعامل الحركات المسلحة علي ذات المستوي غض النظر عن مواقفها واطروحاتها فيه ظلم. وان الحركة الشعبية كان موقفها متقدم في مسالة الولاة والمجلس التشريعي. ولكن المقصود، ان موقف الحركات ما بعد الفترة الانتقالية كان المتوقع ان يحدث فيه تحول جذري يتناسب مع التحول الذي تم خلال الفترة الانتقالية. اي علي اعتبارها اكبر فرصة اتيحت في الفترة الاخيرة، يجب استغلالها والبناء عليها. وهذا الدعم للمكون المدني يجب ان يتنزل بصورة عملية وليست خطابية. لانه ليس قدر السودان بصفة عامة والحركات المسلحة بصفة خاصة، ان نخوض صراعات وحروبات الي ما لانهاية. وهذا لا يعني ان تترك الحركات المسلحة والشعبية منه بصورة اخص كل مطالبها المشروعة، ولكن القصد ان تقتصد في المطالب بالقدر الذي يتيح للمرحلة الانتقالية النجاح. وهذا لا يخص الحركات وحدها ولكن لكل مكونات الفترة الانتقالية، وهذا ما اكدت عليه المقالة المشار اليها. باختصار المنظور الذي ننطلق منه نزعم انه قومي، ولذلك نعتقد انه يتقاطع مع كل الحركات فيما يخص شؤون الدولة ككل، وليس خصما من بعضها او وقف ضد بعضها. بدليل الدعم الذي قدم للحركات طوال فترة نضالها (كشئ مستحق) ضدم نظام الانقاذ، كعقبة ضد قومنة الدولة السودانية.
ثالثا، اما ما يخص العلمانية فيبدو ان ردك هو ما حمل التشويش علي ما طرحناه. لان الحديث عن العلمانية ليس وصفة سحرية، ليس القصد منه التقليل من قدرها او ازاحتها جانبا. ولكن القصد ان تهيئة البيئة واستخدام الاسلوب المناسب لتنزيلها يضمن لها النجاح، اما فرضها باي اسلوب كان، سيحرمها فرصتها في الاقناع وتاليا التوطين الطوعي في الوعي. وكما بينا في المقال السالف عن سوء الفهم الذي يكتنفها ومتاجرة البعض بالاساءة لها. اي المسالة ليست خلاف علي العلمانية حتي نتهم بالتدليس وتغبيش الوعي. كما ان الموقف من العلمانية تحدده القناعة بها وباهمية دورها، ولا يحتاج لشهادة حسن سير وسلوك من اي جهة. اما الجانب الآخر، انا لا اقصد بالنخبوية الموقف من العلمانية، ولكن قرار اتخاذ الحرب كوسيلة مفروضة علي تلك المناطق واهلها. وهذا مع التاكيد علي ان المقاومة المسلحة هلي الاعلي كلفة والاعظم تضحيات، ولن تتاتي الا لمن امن بعدالة قضيته. وكل هذا مع العلم بحساسية قضية العلمانية لمن تعرض للابادة باسم الشعارات الاسلاموية. ولكن لهذا السبب تحديدا وكما اشرنا في المقال المشار اليه، يحتاج التعامل معها للحكمة، وليس العكس.
رابعا مسالة فرض الوصاية التي تطرح ضد كل من له راي مخالف او من منطفة مختلفة، من مناطق الحركات والهامش! هو في حقيقته وصاية معاكسة او حجر علي الآخرين، وهذا غير انه يجعل انصار الحركات ومسوؤليها بالذات، هم من يقررون ما هو صحيح او غير صحيح وما هو مقبول وما هو غير مقبول، وان لم تكن هذه وصاية فما هي الوصاية اذن؟ عموما اسلوب (رمتني بداءها وانسلت) سيجعل الحركات تدور في دائرة مفرغة من ذات الاراء والافكار والمواقف، التي تعبر في الحقيقة عن مصالح من يقومون بشانها، مهما تلبسوا لبوس النضال.
خامسا، اما مسالة ان لي اجندة تعلمها فقد جانبك الصواب فيها، ولكن لو كان هنالك تقصير او خطا من جانبي، فهو تعميي لغياب الديمقراطية داخل الحركات المسلحة. ولكن ما نعلمه ان اي ديمقراطية تجري في ظروف غير ديمقراطية، فهي لا محالة تنتج لنا نفس امراض الاحزاب السياسية السودانية، التي يظل رئيسها حاكم حتي موته. ولكن في كل الاحوال قيام الحركة الشعبية جناح الحلو باجراء انتخابات (مع الاخذ في الاعتبار تداعيات الانشقاق وحاجة الحلو لشرعية) هو تقدم ايجابي علي طريقة (القحة ولا صمة الخشم). ولكن السؤال اذا كانت الديمقراطية تجري بهذه الطريقة السلسة، لماذا حدث الانشقاق في الحركة الشعبية شمال؟ وهذا ما نقصده من غياب الديمقراطية الذي اشرنا له في المقال بالنص.
سادسا، نتفق معك في ضعف مكونات قحت، ولهذا السبب تحديدا طلبنا دعم الحركات المسلحة لها، بدلا من ان تكون خصما عليها، وصحيح ان الحركة الشعبية بشقيها اقرب لقوي قحت من بقية الحركات، الا ان ما هو مطوب منها يتعدي ذلك، للضغط عليها للتخلص من عيب المحاصصة، والانفتاح علي قضايا اساسية لصالح بناء الدولة السودانية الموعودة.
سابعا، المقصود بشباب الثورة (ولحسن الحظ كل شباب السودان شارك فيها) ليس الشباب كشباب، ولكن كوسائل وآليات واساليب مختلفة. صحيح انها استفادت من ضعف النظام المتهالك لعدة اسباب منها جهود الحركات المسلحة، ولكن الفارق ان النظام لم يطور آليات لمواجهة الثورة السلمية، بسبب ان جهوده اغلبها وجهها للثورات المسلحة.
واخيرا نتمني معك ان يتاكد النصر ليعوض كل هذه التضحيات.
ولك خالص التحايا
اخوك عبدالله مكاوي