مقالات وآراء

فض الاعتصام.. الذكرى الأولى والأخيرة

د. ناصر السر ناصر محمد

لا أعلم رجلاً زجّ بنفسه فى مازق يصعب الخروج منه بسلام كما هو حال المحامي نبيل أديب الذي سوّلت له نفسه الأمارة بالسوء في يوم أغبر أن يحمل على عاتقه مسؤوليات تعجز عن حملها الجبال الراسيات، ويتحمل وزر مئات الأرواح ومئات الأعراض التي أٌّنتُهكت خلال مجزرة فض اعتصام القيادة العامة الشهيرة بالخرطوم في 3 يونيو 2019م. فالرجل ماكان بحاجة الي عائد مادي مقابل هذه المجاسفة بتاريخه ومستقبله بل وبنفسه ذاتها اذا استدعي الأمر (لا قدر الله). اذ الشعار الثورى واضح وغير قابل للمساومة (الدم قصاد الدم مابنقبل الدية). فالمحامي اديب يُعتبر مرجع قانوني مهم وبارز فى الساحة العدلية، ويمتلك خبرة طويلة وثرة في هذا المجال، وكان يحظي باحترام وتقدير من كافة أقطاب السياسة والقانون. انتماؤه المسيحي “القبطي” أكسبه ميزة اللعب على جميع الحبال الممدودة، فكان يترافع عن فرقاء السياسة بشتي الوانهم وتوجهاتهم أمام المحاكم عندما تنتهي بهم الاقدار السياسية الى السجن، وارتبط اسمه بالقضايا الكبيرة التي تشكل الرأي العام فى الغالب، خصوصاً قضايا حقوق الانسان، فهو رئيس المرصد السوداني لحقوق الانسان.

رجل بهذا الوصف بكل تاكيد لا يخفي عليه خطورة وحساسية مثل هذه المهمة، لكن كيف رضي لنفسه أن يكون بمثابة حاجز الصد لسهام الثوار وذوى الضحايا ضد الجناة الحقيقيين الذين يختبؤون خلف اسوار السلطة ويستخدمون امكانات الدولة في حمايتهم ومسح آثار الجريمة، مع إنهم معروفين للقاصي والداني؟ الاجابة فى اعتقادي هي واحدة لا غير، التعويل على سهولة التلاعب بالقانون وضياع الحقوق، وهوان الدم السوداني في نظر السياسيين والقانونيين. ومع توفر كل الأدلة والقرائن التي تشير بكل وضوح الى الجناة الا أن التباطؤ والتسويف ظل ديدن هذه اللجنة لإعلان تقريرها النهائي.

ومع مرور الذكرى السنوية لهذه الماساة، تتفتق جروح الأمهات الثكلى، ويعود البؤس متربعاً على قلوب الحرائر المنتهكة أعراضهن، ويتجدد الغبن والحنق في صدور الثوار، فينصبّ الغضب العارم على هذه اللجنة التي حالت دون تحقيق العدالة الناجزة في قضية ما كان ينبغى أن تنتظر اسبوعاً واحداً قيد النظر لولا ثقة الضحايا وذويهم بمجموعة من الانتهازيين باعوا لهم السراب عندما اقنعوا الراي العام بضرورة تشكيل الحكومة وفق شراكة مع العسكر، ثم تسنموا المواقع الوزارية وتقاسموا المناصب التشريفية، ثم اتخذوا المسكين نبيل أديب فى وجه العاصفة يدارى عنهم شرارة الغضب وهم يتنعمون بالسلطة.
أى متأمل لهذه القضية يجد أنها تمثل معضلة حقيقة للجنة أديب والحكومة معاً. فما اصعب الامر عندما تكون عالماً بالحقيقة وعاجزاً على قولها بسبب خوفك من النتائج. بل اقولها صراحة من المستحيل أن يعلن أديب عن تقرير لجنته، وسيناور ويراوغ الى ان يقضي الله حكمه في الأمر. فالمسؤول الاول عن هذه المجزرة هم قادة المجلس العسكرى الذي انقلب على البشير أو انحاز الى الثورة كيفما يري الناس، المهم أنهم هم المسؤول الاول عن هذه المأساة باعتبار انهم كانوا الحكام الفعليون في ذلك الوقت ولم تكن الحكومة قد تشكلت بعد، على الأقل من الناحية الادارية باعتبار أنهم مسؤولون عن حفظ الامن في البلد ورعاية مصالح الناس وحماية الثوار الذين احتموا بقيادة قواتهم المسلحة. بل هم المسؤولون عن تصرفات أي عسكري يحمل سلاح في جميع أنحاء البلاد.

وهؤلاء القادة هم الان يمثلون قيادة الدولة بصفتهم رئيس واعضاء مجلس السيادة فى حكومة الثورة. فخطوة الشراكة معهم اساساً كانت مختلة، وفي الواقع، بمجرد التوقيع على هذه الشراكة كان على كل عاقل ان يفقد أى أمل لتحقيق عدالة حقيقية في هذه القضية. الا ان الأمل كان أكبر من الظنون، والعشم في المدنيين الذين أتت بهم الثورة كان أكبر من الواقع، مع ان الخذلان هو ديدن ساستنا منذ بواكير استقلال السودان. فكان على الثوار أن يعلموا أنه لم يعد هنالك سياسي “مدني” جدير بالثقة والتمجيد بحسب تاريخنا المخزي تجاه الممارسة الديمقراطية مقابل الانقلابات العسكرية، فكيف غاب عنكم أن تامنوا مجموعة طامحين سياسيين وحديثي عهد بالسياسة على ثورتكم التي مهرتموها بدمائكم؟ فالخزي في القصاص ظل بمثابة “عادات وتقاليد” قديمة نتوارثها، ودماء شهداء الفداء والتضحية عندنا دائماً تذوب بين أطماع الساسة، وبسبب “البرود” واللامبالاة من الجميع. وسبحان الله، تاريخنا يتشابه بصورة غريبة، ففي أكتوبر 1964م عندما كانت الثورة الشعبية ضد الدكتاتور عبود تتخلق وسط المجتمع، أطلق طلاب جامعة الخرطوم الشرارة الأولي للثورة وقدموا اول شهيد مهراً للمدنية التي طالما حال بينهم وبينها العسكر الطغاة بمعاونة المدنيين الخونة. الطالب أحمد القرشي طه سقط شهيداً إثر اشتباك مع قوات الشرطة فاصيب برصاصة قرب عينه اردته قتيلاً.

ثم نجحت ثورة أكتوبر 1964م وأجبرات الدكتاتور على التنحي لكنه تمكن من مساومة المدنيين الذين كانوا كل همهم السلطة كما حدث الآن بالظبط. فمنحوه الأمان وسمحوا لابنه أن يكمل تعليمه الجامعي فى أمريكا على حساب الدولة ومن بيت سفيرنا هناك، ومنحوه معاشاً شهرياً مجزياً، وعاش معززاً مكرماً الى أن انتقل الى الآخرة. ليس ذلك فحسب بل كرموه بعد موته وأطلقوا اسمه على مؤسسات بالدولة تخليداً لذكراه المجيدة منها حديقة عبود الشهيرة بالخرطوم بحري. أما الضحية الطالب الشهيد القرشي، “فحدث في قضيته ما حدث”، انطلقت الإذاعات والصحف باسمه ممجدة ومترحمة عليه، وأعدوا ملحمة غنائية خالدة في تمجيده وذكر مآثره، هذا كل ما استطاعوا ان يقدموه له وفاءً وعرفاناً. أما فيما يتعلق بالقصاص له فقد تم تشكيل لجنة عسكرية للتحقيق حول الحادثة وتحديد الجاني، وبعد شهور من اللت والعجن كما يحدث الآن صرح قائد الشرطة بان من أصدر الأوامر ضابط برتبة “حكمدار”، وسوف يتم اتخاذ اللازم. لكن لا أحد يعلم ماذا جري في حقه. وعند سؤال شقيقه عبد المتعال القرشي عما اتخذته الأسرة من اجراءات قال إن والدهم جاء الى الخرطوم لمقابلة الصادق المهدي لتحريك القضية، ثم خرج من عنده بمقولة شهيرة “ان ابني اصبح ابن كل السودان وقضيته قضية كل السودان”، ومن هناء ضاع دم القرشي رحمه الله، ثم تكرر ذات مشهد الانتهازية في خطف ثورة أبريل 1985م ضد الدكتاتور نميرى، وما زال البحر يجري!!

فالمحامي نبيل اديب لن يستطيع التحقيق في هذه القضية لأن المسؤولين عنها فى المقام الاول هم راس الدولة، وهم الممسكون بمصادر القوة “المال والقوة العسكرية والدعم الخارجي”. فكيف يستقيم أن يتجرأ مواطن عادي لا يملك الا ورقة منصوب عليها قرار وزارى بتكليف بالمهمة وعبارة فضفاضة يراد بها تجميل الديكور النظري للتكليف وهي تفيد يتفويض صلاحيات النائب العام لهذه اللجنة من اجل القيام بمهامها على الوجه الأكمل. لكن في الواقع لن تستطيع اللجنة استخدام هذه الصلاحيات الا عن طريق المكون العسكري نفسه لان القانون يتطلب القوة العسكرية لتنفيذه، بمعني أن اللجنة تدور حول نفسها لترجع فتجد أنها تحت رحمة العسكريين، هذا اذا كانت لها ارادة جادة في التحقيق، مع ان الواقع يشير الى انعدام هذه الارادة من الاساس. فمن الافضل للجميع أن لا يدلقوا ماءهم على أمل السراب، ولا ينتظروا شيئاً من فاقده.

هذا الوضع المحتقن لن يطول امده كثيراً بل ان إكتمال الفترة الانتقالية لهذه الحكومة المؤقتة رهين لهذه القضية، وبموجب هذه المعطيات يبدو جلياً أن الانفجار بات وشيكاً، لأن المحامي نبيل ولجنته بإمكانهم أن يخدعوا بعض الناس بعض الوقت لكن حتماً ليس كل الناس كل الوقت، فللصبر حدود، واهدار الأرواح ليست نزهة حتي يتغاضي عنها.

أما اذا أرادت اللجنة أن تُخيب ظننا وتثبت نزاهتها وفاعليتها فإن الجناة قد أهدوها كل الأدلة، فهنالك مقاطع الفيديو يظهر فيها العسكر وهم يلهبون ظهور الضحايا جلداً وركلاً وتصويباً للسلاح، فمن السهولة جداً القبض على هؤلاء الأفراد وبالتحقيق معهم تتبين كل الحقائق. ليس ذلك فحسب بل ان الخالق عز وجل من فضائل عدله وتشديده على حرمة الدماء دائماً يسوق الجاني لكي يترك دليلاً على جريمته، فأحد القادة العسكريين فى غفلة ذات مرة كان قد اعترف بعبارات واضحة ولغة صريحة في تصريحات منقولة ومتداولة بكثافة أنهم أمروا بفض الإعتصام، وبالطبع بعد أن أدرك عواره وخطله، وربما تم توبيخه من زملائه عاد ونفي ما قال بتبريرات مضحكة. ومع ذلك البعض ينتظر لجنة تحقيق لكي يكتشف المكتشَف.

د. ناصر السر ناصر محمد
[email protected]

‫3 تعليقات

  1. شكراً جزيلاً يا دكتور فقد أثلجت صدورنا.

    نحن في إنتظار الإنفجار حتي يُساق المجرمون زمراً ليواجهوا الثوار ولات ساعة مندم.

    الدم قصاد الدم……لن نقبل الدية
    يا عسكر مافي حصانة……إما المشنقة إما الزنزانة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..