مقالات سياسية

مهددات شراكة الانتقال

إسماعيل عبدالله

المشهد السياسي مشغول بحدثين مهمين هما قدوم البعثة الأممية وتسليم كوشيب نفسه للاهاي، الحدثان أشعلا نار المخاوف التي تعتري العسكريين لما جره عليهم ماضيهم المظلم مع الدكتاتور، ولكأنما هؤلاء العسكريين يعلمون بمآلآت الأمور، فحرصوا منذ بداية مفاوضاتهم مع قحت على أن يضموا الداخلية والدفاع والأمن ورئاسة السيادي في مرحلته الأولى، وتركوا الفتات لقوى الحرية والتغيير (الخيبانة)، لقد علمتنا التجربة السياسية في السودان أن العسكر هم الأشطر في لعبة (ساس يسوس)، ودونكم عبود والنيمري والبشير، جميعهم سطع نجمهم بمباركات المدنيين، والبرهان في الطريق ليكون حاكم عام السودان.

ألصراع بين المدنية والعسكرية غذته أحقاد الماضي الأيدلوجية و ثأرات الطائفية، فالأحزاب على مدى تاريخ الدولة الحديثة تدعي الفهلوة والتذاكي الأعمى، بمحاولاتها الفاضحة والمكشوفة واليائسة استغلال العسكر، وفي الآخر تجدها مستسلمة راكعة لجنرالات الجيش، فالصادق المهدي ظل يقدم فروض الولاء والطاعة لنميري والبشير، والآن ينظف الأرض لظهور دكتاتور جديد، فالجوقة الحزبية لا توجد صفحة نظيفة في كتابها، لقد فقدت أعز ما تملك وهو الشرف وفاقد الشيء لا يعطيه، أما المواطنين المساكين فارتكبوا خطأ حياتهم للمرة الألف بأن أسلموا منجزات ثورة ديسمبر للكاكي عبر قحت، فتعاونت قحت مع العسكر في فض الاعتصام.

ألحالة السودانية لا تشبهها أي حالة أخرى في الإقليم وأفريقيا والعالم، لقد حبا الله السودانيين بعد المهدي الكبير بجون قرنق لكنهم فرطوا فيه كما فرطوا في شرف بلادهم منذ اليوم الأول لدخول قوات عبد الله بن أبي السرح، وكما ظل ينصحني صديقي الصدوق بعدم الانسياق وراء الحماس الوطني الجارف بحجة أن الخرطوم اغتصبها العرب منذ عشرات القرون، وأنها لن تدين لأحد غير أحفاد بني العباس ولو تلقيحاً أوإلحاقاً أو تزويراً في أشجار الأنساب، فعلى الرغم من السوانح والفرص التاريخية التي صنعها الشباب التلقائي عبر الحقب، إلا أن جيل الآباء المستلب (جيل البوخة) لا يرضى بأن يقف لحظة واحدة لكي يتضامن مع أحفاده الذين كسروا طوق الإستلاب.

ألقراران الأمميان ووصول كوشيب لمحكمة الجنايات الدولية وضعوا حكومة الانتقال بشقيها على محك القضاء الدولي، لذلك رأينا إرهاصات (الحمبكة) في إعادة قوات الشعب الدفاعي إلى العمل، و اجتماع برهان بقادة الأجهزة الأمنية والشرطية، فتم تكوين لجنة عليا للتعامل مع البعثة الأممية، لكن هذه الزوبعة لن تجدي لو علم (المجقلبون)، فالسودان قطع شكه بيقينه الراحل
قرنق بعد توقيعه على اتفاق السلام الشامل، فأكد بأن البلاد لا ولن تعود كسابق عهدها بعد ذلك اليوم المشهود، فالنخبة السودانية لن ترعوي إلا بعد خراب سوبا لأنها متحجرة الفكر ومتقوقعة ومتمترسة، ولا تسمع غير صدى صوتها.

موضوع كوشيب لم يجد الإهتمام المطلوب من جانب النخبة السودانية، فقط وجد ترحيب واسع النطاق من قبل أسر الضحايا، تماماً مثل حادثة معسكر كلمة التي اكتوى بنارها اهل المنطقة لوحدهم، بعكس مجزرة القيادة التي مازالت ملصقاتها حائمة بين صفحات الميديا، فكما قال أبو كلام (البشير جلدنا وما بنجر فيهو الشوك)، فالمحكمة الجنائية بحسب فهم النخبة الفاشلة أنها بالأساس صنعت لأمثال كوشيب وعبد الله بنده وغيرهم، لذلك لا تعاون يرتجى من هذه النخبة يفضي إلى وصول الطاغية وذراعه الأمين اللمبي إلى لاهاي، بحسب تراخي أحد مستشاري رئيس الوزراء حمدوك ليلة أمس في برنامج حوار البناء عندما أبدى عدم حماسه في تسليم الدكتاتور لبنسودا.

سوف يعمل رموز وبقايا النظام البائد الذين لم تنتشلهم يد التفكيك التمكيني من مؤسسات الدولة، نسبة لحسابات صلات الأرحام والعمومة والخؤولة والمصاهرة والأرتباطات الرأسمالية الطفيلية مع النظام البائد، لكن المعركة الفاصلة سوف تحسمها القوات الداعمة السريعة، كما فعلتها عندما أزفت ساعة رحيل الدكتاتور، فهذه القوة التي صنعها فرعون هي ترجمة حقيقية وواقعية لحتميات التاريخ، في أن الإمبراطوريات التي شغلت الدنيا والعالمين انهارت بسبب العامل الداخلي.

ألملف الخاص بقضية دارفور هو قاصمة ظهر النخبة السودانية المدمنة للفشل، هذا الملف يختلف عن ملف قضية جنوب السودان بأعتبار أن الحرب المشتعلة بسببه اندلعت بين المسلمين والمسلمين، بعكس ما نجحت فيه الدعاية النخبوية السودانية في تأليب كل السودان ضد الجنوب لأكثر من نصف قرن بسبب الدين، ففي قضية دارفور انهزم الجيش السوداني الرسمي الذي يتلقى تعليماته من القيادة العامة أمام جيوش حركات الكفاح المسلح ، بسبب عدم وجود (الغبينة) لدى أفراده والمثل عندنا يقول:(الدواس بلا غبينة ما ببقى)، حتى بعض شيوخ الطرق الصوفية استنكروا الأسباب غير المنطقية لحرب دارفور ومنهم (الياقوتي) و( أزرق طيبة).

لو عرفت جموع جماهير الشعوب السودانية ضرورة إحلال السلام ووجوب دعم منبر جوبا، لتحركت كل الفعاليات السياسية والثقافية والاعلامية الموجودة في الخرطوم إلى جوبا، لحسم هذا الملف الذي سوف يودي (بحاجة إسمها السودان) إذا لم يؤخذ بعين المسؤولية، ولنا في التاريخ لعبرة، فلولا جيش الخليفة لما حررت الخرطوم، ولولا السلطان علي دينار لما كان لنا شرف كساء الكعبة قبلة المسلمين، ولولا المقدوم مسلم لما أوقفنا زحف الدفتردار، ولولا آدم أم دبالوا لما قامت لسودان اليوم قائمة.

بناء السودان لا يكون بالرقص والطرب على أنغام إيقاع الحقيبة، لأن للأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق، فبناء الوطان لن يكون إلا بتدفق الدماء وانهمارها على جنبات الوطن، فكما تحلى أبسط مجرمينا بالشجاعة وكسر الدش في أيدينا وسلّم نفسه للقضاء الدولي، على عتاة سادات الإجرام أن يفدوا وطنهم باتخاذ ذات القرار الشجاع الذي اتخذه كوشيب.

إسماعيل عبد الله
[email protected]

‫4 تعليقات

  1. اهل الغرب هم الذين يقتلون أهل الغرب وقبائل الغرب يتقاتلون فيما بينهم وأغلبهم قادمين من تشاد وأفريقيا الوسطى والدعم السريع وقائده قريبا سيرد اسمه ضمن المجرمين

  2. يقول إسماعيل عبدالله فى مقاله المنشور أعلاه :
    يقول ” لكن المعركة الفاصلة سوف تحسمها القوات الداعمة السريعة، كما فعلتها عندما أزفت ساعة رحيل الدكتاتور، فهذه القوة التي صنعها فرعون هي ترجمة حقيقية وواقعية لحتميات التاريخ، في أن الإمبراطوريات التي شغلت الدنيا والعالمين انهارت بسبب العامل الداخلي “ .
    وهو بذلك يرهن السودان ومستقبل السودان لدى المجرم حميتى ومليشيا الجنجويد.
    والسؤال هو :
    هل هناك تفكير عقيم أكثر من ذلك ؟
    ومن يفكرون بهذه الطريقه ،
    لماذا يُصِرون على نشر عقدهم النفسية على الملأ ؟

    1. اسماعيل يدس السم في العسل،،داعم للخط الإماراتي السعودي لتولية حميتي إمارة السودان،،عميل رخيس

  3. قد جاء الوقت الحقيقي لمعني إسم السودان الذي يعني ان السوء دنا اي اقترب اختلاط الحابل بالنابل ومن ثم انتشار السوء ثم الفناء..سترك يا رب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..