مقالات سياسية

الحلو: ألقيت باللؤلؤ أمام الخنازير

استمعت إلي القائد عبد العزيز الحلو يتحدث إلى شباب مقاومة حي العباسية في يوم ١٠ سبتمبر الماضي. وبدا أثر اللقاءات الأخيرة في أديس أبابا معه في قوله لهم إن مطلبهم كان العلمانية ولكنهم تنازلوا وسيقبلون بدستور يقوم على فصل الدين عن الدولة. ولا أعرف إن كانت الثورة المضادة والفلول يفرقون بين الأمرين من حيث المبدأ ناهيك من أنهم حلبوا تمسكه الباكر بالعلمانية (وتسويقه الأخرق بواسطة محمد يوسف ومحمد جلال هاشم) حلباً يؤسفني القول إنه كان خصماً كبيراً من رصيد الثورة. فوجدوا في المصطلح المتروك في دوائر المعارضة سانحة للعودة حماة للإسلام الذي لم يحسنوا إليه حكاماً. لقد رمت الحركة الشعبية باللؤلؤ أمام الخنازير كما يقول الفرنجة.

العلمانية مفهوم متروك في خطاب الدستور السوداني. فلم يرد في النقاش العام اليساري منذ حل الحزب الشيوعي في ١٩٦٥ وصراعه ضد مشروع الدستور الإسلامي في ١٩٦٨. واتفق لليسار وغير اليسار أن يدعوا للدولة المدنية هرباً من الحمولة الثقيلة لمفهوم العلمانية. والعلمانية والمدنية سواء إلا أن دعاة فصل الدين عن الدولة مصابون ب onomatophobia وهي الفوبيا من كلمة بذاتها لما يجلبه ذكرها من أذى من الماضي. وكان نبش الحركة الشعبية لمفهوم العلمانية مقروناً بالانفصال يوم سعد الثورة المضادة. فقد جاءهم المصلح يسعى إلى حتفه بأنفه. فهم من امتلك سردية العلمانية لعقود في حين غادرها أهلها إلى صيغ استرضائية مثل المدنية لتأمين الوحش. ولا جدوى. ورغبتُ للحركة الشعبية أن تستقل بتحقيق عن تثمير الثورة المضادة لدعوتهم للعلمانية خصماً على الثورة.

استغربت من جهة أخرى لخروج الحركة الشعبية بالدعوة للعلمانية لفظاً بعد الثورة. وكان آخر ما تعاقدت به حول الدولة والدين مع حلفائها في ميثاق باريس (٢٠١٤) هو فتح باب النقاش مشرعاً في المسألة. فقال الميثاق:

ناقش الطرفان بعمق علاقة الدين والدولة كواحدة من القضايا الجوهرية واتفقا على مواصلة الحوار للوصول إلى صيغة مرضية لكل الأطراف.

ولم تنعقد حلقة علم لموصلة الحوار عن العلمانية إلى يومنا وقد انقضت ست سنوات حسوما. وجازفت الحركة الشعبية بمطلب العلمانية والانفصال بدونها ولم “ترت” لحلفائها في المركز الذين تلقي ثورتهم المدنية عنتاً معروفاً. فتتربص بهم الثورة المضادة تنتظر عثرة لسان في الدين لتحل الثورة حلها للحزب الشيوعي في ١٩٦٥. نعلم أن الجبهة الثورية تفرقت أيدي سبأ بل انقسمت الحركة الشعبية على نفسها. ولكن ليس هذا مبرر للحركة الشعبية لتلقي باللؤلؤ أمام الخنازير في توقيتهم المناسب.

ولا أعرف من أين للحركة الشعبية القناعة أن انفصال الدين عن الدولة لا يتحقق إلا بالنص صريحاً على العلمانية. فبينما ذكر الدستور الفرنسي في ١٩٥٨ أن فرنسا دولة علمانية لم يأت الدستور الأمريكي بذكرها بالمرة. بل لم يأت هـذا الدستور حتى بصيغة “فصل الدين عن الدولة”. وقال نصاً:

لا يصدر الكونغرس أي قانون خاص بإقامة دين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته، أو يحد من حرية الكلام أو الصحافة، أو من حق الناس في الاجتماع سلمياً، وفي مطالبة الحكومة بإنصافهم من الإجحاف.

فلست تجد في هـذا التعديل الأول للدستور الأمريكي الذي سارت بذكره الركبان إشارة لا للعلمانية ولا لفصل الدين عن الدولة. فما حكمة الحركة الشعبية ركوب الصعب والأمر أهون من ذلك كثيراً باعتبار كساد استثمارنا الفكري والسياسي في مصطلح العلمانية بل هربنا للأمام منه؟

قال الحلو إنهم قبلوا بفصل الدين عن الدولة. وربما كانت المفاجأة التي تنتظره وهو يتهيأ للحوار مع الحكومة حول المطلب أنها والجبهة الثورية سبق وتواثقا عليه بالأحرف الأولى في جوبا. فاتفاق مسار دارفور قضى بالفصل العام بين المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة لضمان عدم استغلال الدين في السياسة. وتكرر في الاتفاقات الأخرى وجوب أن تقف الدولة على مسافة متساوية من الأديان والثقافات دون انحياز إثني أو ديني أو ثقافي يؤدي للانتقاص من هذا الحق. فما طلبته الحركة الشعبية من الحزب الشيوعي والدكتور حمدوك في أديس وقع في جوبا بالفعل.

لا أعرف إن جاز هنا استعادة كلمة حكيمة لماثيو أبور، الـذي هجر الحركة الشعبية في الثمانيات وهو من أبكارها، للعقيد قرنق. قال له يا قرنق لا تقتل أبناء الجنوب لمطلب العلمانية الذي لم يفلح أولاد المندكورات مثل ود يوسف ومحمد جلال في بسطه على أهلهم واقناعهم به.

‫4 تعليقات

  1. المسافة بين رافضي فصل الدين عن الدولة ومخالفيهم قصيرة جداً وأقرب مما يتصور الجانبان فقط المطلوب تهدئة النفوس والخروج من عقلية الحرب والدخول في بناء الدولة…

    ولا دولة بدون مساواة تامة في الحقوق والواجبات بناء على المواطنة والمواطنة فقط….
    الكلام للحلو:
    مرحلة رجل الحرب تختلف عن مرحلة رجل الدولة…

  2. لا سلام و استقرار في السودان بدون فصل الدين عن الدولة بشكل واضح و في الدستور لقد. سيرت قوافل المجاهدين و الدفاع الشعبي و قتلت و ابادت مواطنين سودانيين باسم الدين و سمعنا و شفنا كلنا المجاهد احمد هارون يقول امسح اكسح ما تجيبو حي و البشير يقول ما عايز اسري فهذه المشاهد لن تتكرر مرة اخري و هذه الإبادة و القصف بالطيران تم في جبال النوبة و دارفور و لم يكن في اي جزء اخر من السودان لهذا و حتي لا نعيد هذا السيناريو الدامي الذي لم يقتل فقط ولكن أوقف التنمية و التعليم في تلك المناطق و زاد من الأمية و التخلف و الفاقد التربوي لهذا فلنفصل الدين عن الدولة بدون دغمسة و نساوي بين المواطنين امام القانون و الا فالسيل سيجرف هذا السودان و اليده في النار ما زي اليده في الموية

  3. اي مجتمع تنبع تشريعاته وقوانينه من ثقافته ومعتقداته سواء كانت دينية سماوية او ارضية او عادات وتقاليد وهذا بلا شك ولا ريب تقوي من احترام الانسان للقانون ولاقتناع به فضلا ان ذلك جزء لا يتجزا من عبادته لربه كحال رديننا الاسلامي الجنيف اذن اي المساواة واين العدالة من حرمان الاغلبية المسلمة من تطبيق دينها في حياتها وقوانينها وتشريعاتها ؟! أقصى ما وصل اليه الفكر الانساني في مجال ادارة التنوع والاختلافات هو المبدا الديمقراطي وهو حكم الاغلبية مع احترام واعطاء كل الاقليات لحقوقها كاملة والتي ليس من بينها بالطبع حرمان الاغلبية من تطبيق دينها في حياتها ولكن المطالبة بحل كل النقاط التي يتظلون فيها والا فرض العلمانية من جهة الاقلية علي الاغلبية فهي قبل كل شي ء حقارة لهذه الاغلبية وظلم لها وتطاول علي حقوقها فعجبا للذين يطالبون بالعدالة والحرية للاقيات ويرفضون مجرد النقاش حول حقوق الاغلبيات ثانيا لا معنى للتلاعب بالالفاظ والمصطلحات علمانية مرة ومدنية مرة وفصل الدين عن الدولة مرة باختصار نحن دولتنا دي دايرينها تحكم بالقوانين الاسلامية تحرم ما حرم الله علينا وتحلل لنا ما حلل الله لنا ويكون الدين عنوان دولتنا وشعارها هذه من حقوقنا كاغلبية فاين الظلم هنا للاقليات ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..