أفريقيا وتوابع الزلزال البريطاني

لم يكن قرار الحكومة البريطانية بالانسلاخ عن الاتحاد الأوربي ومؤسساته العديدة حدثاً ‏عادياً من النوع الذي لا يأبه له الناس ، إذ يمكن تشبيهه بالزلزال الذي تنتج عنه العديد من ‏التوابع كما هو الحال بالنسبة للظاهرة الطبيعية المعروفة. وكلما زادت قوة الزلزال كلما كانت ‏التوابع أوسع انتشاراً على النطاق الجغرافي ، وأكثر عدداً ، وأكبر أثراً. وبالتمادي في هذا ‏التشبيه فبإمكاننا أن نشير إلى أن حجم الدمار الناتج عن الزلزال وتوابعه يعتمد على مدى ‏صلابة وقوة الموقع الذي يتعرض لهزاته المدمرة . ولعله لا يختلف إثنان بأن دول القارة ‏الأفريقية تعتبر الحلقة الأضعف على الساحة الدولية ، كما أن العديد من هذه الدول وبالذات ‏الأعضاء في الكومنولث تتأثر سلباً وإيجاباً بأي تطورات في الدولة الأم. لا شك أن القرار ‏البريطاني يختلف عن الظاهرة الطبيعية في أنه لم يكن مفاجئاً فقد كانت الإرهاصات التي ‏سبقته والتطورات داخل بريطانيا نفسها وعلى مستوى القارة الأوربية توحي بأن الخطوة قادمة لا ‏محالة ، غير أن ذلك لم يقلل من وقع المفاجأة على الكثيرين ومن بينهم قيادات الدول ‏الأفريقية.‏

يرى المراقبون أن آثار القرار البريطاني على أفريقيا تنعكس على جانبين مهمين هما ‏العلاقات الأفريقية مع بريطانيا نفسها من جهة ، والعلاقات الأفريقية مع الاتحاد الأوربي من ‏جهة أخرى. كما تتباين هذه الآثار على الدول الأفريقية بحسب حجم التبادل التجاري والتعاون ‏الاقتصادي لكل دولة من دول القارة مع الطرفين الأوربيين. فالدول الأفريقية ذات الاقتصادات ‏الكبيرة نسبياً مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا ولدرجة ما كينيا ستتأثر بصورة أكبر من غيرها. ‏ولعل بلادنا وبسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها أصلاً من جانب بريطانيا والاتحاد ‏الأوربي ستكون أقل تأثراً من غيرها. إلا أن ذلك لا يعني أن نتائج انسحاب بريطانيا من ‏الاتحاد الأوربي لن تكون محسوسة في السودان ، فقد كانت بريطانيا تمثل دائما بوابة القارة ‏الأوربية بالنسبة للسودان وغيره من المستعمرات البريطانية السابقة. وبالرغم من أن الحكومات ‏السودانية استطاعت منذ الاستقلال فتح منافذ جديدة للتعامل مع دول أخرى في أوربا أو ‏غيرها ، وبصفة خاصة على أيام الحرب الباردة ، إلا أن بريطانيا لا زالت تمثل منفذاً مهماً ‏للتعامل مع دول الاتحاد الأوربي بصفة خاصة. كما أنها كانت خلال مختلف العهود الوطنية ‏ملجأ أو معبراً للكثير من السودانيين الذين اضطرتهم الظروف وعلى رأسها السياسية ‏والاقتصادية لمغادرة البلاد ، وتوجد في بريطانيا حالياً جالية سودانية معتبرة تتزايد مع تراجع ‏الأوضاع الاقتصادية والسياسية في بلادنا.‏

لا شك أن الآثار المترتبة على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي على القارة الأفريقية قد ‏لا تظهر على المدى القصير ، غير أنها لا بد أن تنعكس بصورة واضحة على العلاقات بين ‏الطرفين على المدى البعيد. فالارتباط التاريخي والجغرافي للقارة الأفريقية بأوربا أمر لا يختلف ‏حوله إثنان ، وقد كان تاريخ أوربا الاستعماري في أفريقيا سبباً في أن ترتبط كل الدول ‏الأفريقية سياسياً واقتصادياً وبدرجة ما ثقافياً بالقوى الأوربية الاستعمارية التي حكمتها في ‏الماضي. كانت هذه الحقيقة فضلاً عن القرب الجغرافي سبباً في ارتباط القارة الأفريقية بأوربا ‏، لذلك فإن الأحداث الكبيرة هناك لا بد أن تنعكس دائماً على أفريقيا بصورة سالبة أو إيجابية. ‏ولا شك أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي يعتبر من الأحداث الكبيرة ، وقد شبهناه في ‏مطلع المقال بالزلزال الذي تنعكس آثاره حسب قوته على مناطق قد تكون بعيدة عن مركزه. ‏لذلك فإنه من الطبيعي أن تبدي الحكومات الأفريقية اهتماماً بالحدث ، وستجد هذه الحكومات ‏نفسها أمام خيارات متباينة فيما يتعلق بسياستها حيال بريطانيا من جهة وحيال الاتحاد ‏الأوربي من جهة أخرى خلال الأشهر والسنوات المقبلة. ‏

[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..