مقالات سياسية

بالواضح

سيد الطيب

يتزامن صدور صحيفة الديمقراطي مع محاكمات رموز النظام البائد بجريمة الإنقلاب على الحكومة الديمقراطية المنتخبة، بإعتراف عراب النظام أن تخطيطهم للإنقلاب بدأ منذ السبعينات ولا علاقة له بالأوضاع الاقتصادية والسياسية التي عاشتها الحكومة الديمقراطية عقب فيضان أغسطس 1988 الشهير.

وبما أن الاعتراف سيد الأدلة والإقرار سيد الأحكام، طالت جلسات المحاكمات أم قصرت ستصل لمرحلة الحكم والإدانة بالجريمة في حق الشعب والدولة والأجيال التي ضاعت أعمارها في مآسي القمع والقهر والإرهاب والفساد، هذه المحاكمة التاريخية التي يجب أن تكون عظة وعبرة لكل من تسول له نفسه اختطاف إرادة الشعب، وقطع مسيرة تطور النظام الديمقراطي في السودان. وعلى حكومة ثورة ديسمبر المجيدة أن تضع حجر الأساس لنظام ديمقراطي مستدام ومرتبط بتحسين الأوضاع الاقتصادية، والاهتمام بقضايا المواطن العاجلة، وتحقيق السلام الشامل، حتى لا يعاد فتح باب الانقلابات العسكرية مرة أخرى للمغامرين الطامحين في الحكم عبر الدبابة والوصاية على الشعب، فهم دوما يتسللون عبر باب معاش الناس والضغوط الاقتصادية إبان الفترات الديمقراطية على قصرها.

تمر الحكومة الانتقالية بمرحلة تحدي عظيم، قذفت بها رياح التدهور الاقتصادي الذي أعقب جائحة كورونا إلى كارثة الفيضان التي شردت آلاف الأسر السودانية إلى صراعات الحاضنة السياسية وتأخر أمد السلام، الأمر الذي جعل بعض الفلول بعد أن تواروا خوفا عقب سقوط نظامهم يخرجون من مخابئهم إلى الشارع منادين بلا خجل بالإنقلاب على الثورة التي دفع مهرها خيرة شباب الأسر السودانية من دمائهم وأرواحهم ويطالبون بوأدها بإسم تفويض العسكر.

وقعت وزارة المالية عقود استيراد 27 قاطرة للسكة حديد وإنشاء مسلخ حديث وتتجه سودانير لشراء طائرة جديدة، كل ذلك يعيد الأمل والروح في اقتصادنا المنكوب ولكن جميعنا يعلم أن ذلك يتم في دولة يسكن عاصمتها اكثر من 7 ملايين نسمة، يتحرك ثلاثة ملايين منهم بالمواصلات العامة وهي عبارة عن (200 بص فقط) والمتبقي مركبات خاصة عجزت الحكومة عن تحديد تعرفة لها وضبط خطوط سيرها وجعلت المواطن رهينة لمزاج المالك، وتركته يعاني من صباحه إلى مساءه دون أي مبادرة جادة للحل أو التخفيف تلوح في الأفق.

ما الذي يجعل وزارتي المالية والنقل تؤجلان استيراد مركبات عامة لفك أزمة المواصلات التي أنهكت الناس وجعلت الكثيرين يتخلون عن وظائفهم التي لا تغطي تكاليف الترحيل؟

ما الذي يجعلهم يتأخرون في الطلب من شركة جياد بتجهيز باصات بشكل عاجل قبل أن تزداد الضائقة مع فتح المدارس والجامعات؟

لماذا لا يتعلمون من الأخطاء التي أضرت بثورات سابقة في السودان حين ابتعدت عن هموم المواطن اليومية، وانغمست في صراعات النخب السياسية والعسكرية، وتستفيد منها بتجنب زيادة الضغط على المواطنين أكثر مما تحملوا في معاشهم وصحتهم، فهذه الأمور تبعد الأسر السودانية عن حكومة الثورة يوماً تلو الاخر، وإذا استمرت هكذا سيأتي اليوم الذي لن يجدوا فيه من يدافع عنها حين يطبق عليها الفلول الحصار الكامل بالتلاعب في قوت المواطن وإشعال الفتن القبلية وتارة أخرى بإستغلال أخطاء الحكومة الانتقالية نفسها التي جعلت أصوات المدافعين عن الحرية والسلام والعدالة تخفت أمام جموع المسحوقين بالغلاء وتردي الخدمات وانعدام الدواء والمواصلات.

لا تحملوا الناس أكثر مما تحملوا وفي أمور يمكنكم حلها أو التخفيف من حدتها على أقل تقدير، فالاستقرار السياسي مرتبط بالتحسن الاقتصادي والأمل في غد أفضل عبر خطة حكومية واضحة المعالم للبناء، وخطاب إعلامي يبث قيم ثورة في الحرية والسلام والعدالة في كل بيت وكل شارع قولاً وفعلاً يوازي المرحلة بفتح فرص التوظيف للشباب في الخدمة المدنية والعسكرية والمشاريع الإنتاجية.

سيد الطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..