مقالات وآراء

عن واقعنا السياسي، أقول

معتصم بخاري

إبتُلي السودان كما لم يبتلي بلد آخر في العالم بظاهرة فريدة، هي وقف عليه، الا وهي ظاهرة ” التكاثر ” الحزبي..  إذا راجعت التاريخ المنشور و المقروء للأمم، فلن تجد بلد قد مر بمثل هذه التجربة الشائهة علي مدار الوجود الإنساني… و منذ ان تجمع الناس في حواضن إجتماعية، تطورت لتصبح جماعات، ثم قبائل وصولآ إلي أن تصبح  دولآ ثم بدأوا في تشكيل الأحزاب السياسية كتعبير عن إختلاف إتجاهاتهم الفكرية أو العقائدية… لم يحدث أن توالدت أحزاب بمتوالية هندسية كما حدث لدينا للأسف !.

إن دولآ مثل الولايات المتحدة الأمريكية، يبلغ تعداد سكانها عشرة أضعاف سكان السودان، يتنافس علي حكمها حزبان أثنان فقط… بريطانيا، واحدة من أعرق الديمقراطيات في التاريخ، يتنافس فيها ثلاث أحزاب رئيسية.. و علي ذلك قس..

في السودان لا تستطيع أن تحصي عدد الأحزاب السياسية و إن حرصت، و لو كنت من المتخصصين في علم الإجتماع و السياسة.. فمع صباح كل يوم جديد ينشأ حزب من العدم.. دون سبب و  دون برنامج او هدف.. دون قاعدة جماهيرية أو حاضنة شعبية.. و لأول مرة في التاريخ نسمع عن مصطلح ” أحزاب الفكة “، و ربما قريبا نسمع بأحزاب ” العكة”  أو أحزاب “الجكة”، ففي السودان كل شئ وارد.

الشئ الذي يدعو الي الحيرة و التأمل، أن جل أحزابنا مستوردة أو مصنوعة بالخارج.. فكما نستورد زبدة ” الفول السوداني ” للأسف، دأبنا علي إستيراد الأحزاب و الأفكار السياسية.. فلدينا أحزاب ناصرية، و بعثية عراقية، و بعثية سورية، أحزاب شيوعية لينينية، و أخري ماركسية… بل لدينا حزب يدعو للاتحاد مع دولة جارة (!!) دون أن يكون هناك حزب مرادف له في ذات الدولة الجارة..  و الحزب الذي نشأ بشعار ” السودان للسودانيين ” كانت نشأته ” بتدبير ” خارجي.. حتي الإخوان المسلمين جاء فكرهم من خارج الحدود.. بل والأعجب أننا في فترة ما كان لدينا حزب اللجان الشعبية الليبية، أي والله… و أسوأ الحشف ” طبعآ ”  ما كان يعرف بحزب ” المؤتمر الوطني “، و قد وضعت كلمة الوطني  “إمعانآ ” في التضليل، كأن تقول  ماخور  “المتقين ” مثلآ !!.

أما الحركات المسلحة، فتلك مصيبة أخري إبتلينا بها.. و يقينآ لا يوجد من يستطيع أن يحصيها عددآ، أو أن يدرك أسماءها او مسماها.. حتي ليخيل إليك أن هناك حركة مسلحة لكل مواطن في المناطق المهمشة. و قد أصبحت الحركات تنسب ” لصاحبها ” حتي يتم التعرف عليها.. و كلها تدعو الي تحرير السودان (!!). فتسمع عن حركة تحرير السودان ” جناح  فلان” ، لأن معين الأسماء قد نضب و  لم يعد يسمح بالزيادة إلا أن تسمي الحركة بتحرير السودان ” بالبيض ” أو ” بالزيت الحار ” فما عاد في الأسماء الطبيعية من متسع لكثرة الحركات !!. أنظر الي فلسطين ” المحتلة ” هناك ثلاث حركات تقاتل من أجل تحرير شعب فلسطين، و في سريلانكا كانت نمور التاميل هي الحركة المسلحة الوحيدة و الرئيسية التي تقاتل الحكومة، كما حركة الفارك في كولومبيا و قس علي ذلك..

كان من المؤمل بعد أن نجح الشباب دون مساعدة من حزب أو تنظيم، من إنجاز ثورة باهرة و ماهرة… إقتلعت واحدة من أسوأ الدكتاتوريات “الفاسدة” في العصر الحديث.. و ربما علي مر التاريخ.. كان مأمولآ أن تبرز قيادة وطنية شابة، تنشئ حزبآ سياسيآ من رحم الثورة المباركة لتقود هؤلاء الشباب بروح العصر نحو التجديد و التجويد و الإنطلاق نحو المستقبل بخطي ثابتة وواعدة وصولآ إلي تحقيق آمال و تطلعات شباب هذه الأمة.. للأسف ذلك لم يحدث و وجدنا أنفسنا أمام نفس الواقع المأزوم الذي ظل يراوح مكانه منذ الإستقلال المجيد… لحسن الحظ ما زال هناك وقت لبروز مثل هذه القيادة الرمز.

أقول، إن هناك خلل بنيوي في تركيبتنا السياسية ، و لا بد من عقد ورش لمناقشة هذا الوضع الشاذ و المعيب.. إن بلدا كالسودان لا يحتمل أكثر من ثلاثة أحزاب، أحدها يمثل اليمين بكلياته،  و آخر لليسار لكل ” الرفاق “، ثم حزب للوسط لما بين الإثنين.. أكثر من هذا يصبح الأمر عبثآ لا يحتمل و لن يقدم للبلاد أوالعباد ما يرتجي من الأحزاب السياسية، و لن نري إلا المزيد من التشظي و التشرزم… إن الأحزاب السياسية ضرورية لممارسة الديمقراطية، و لكن ما نراه لدينا ” الآن ” لا يمت للأحزاب بصلة… إنها دكاكين لتزجية أوقات فراغ العاطلين و العاجزين عن العطاء..

نسأل الله السلامة و التوفيق..

د. معتصم بخاري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..