ترزية النظام

عدد من الزملاء الأفاضل سألوني عن سبب تأخيري عن تناول التعديلات المقترحة على قانون الصحافة، وهي التعديلات التي رفضها الصحافيون جملة وتفصيلاً والتي تكرس لدولة بوليسية مستبدة…
صحيح تأخرت كثيراً عن تناول هذه القضية لسبب واحد فقط وهو نتاج كثرة الاحباطات، وتمدد البؤس الذي أخذ بخناق كل شيء وانتشر كالأورام السرطانية في جسد البلاد…
هذا البؤس المتمدد ـــ في ظني ــــ والذي أخذ بالنواصي والأقدام أصبح لا يثير الاستغراب ولا يستدر الدهشة، وهو أمر في ظل الوضع الذي نعيشه بكل اسقاطاته ومآسيه سيبدو عادياً جداً…
ومألوفاً وطبيعياً إلى درجة معقولة… لذلك لم يثر اهتمامنا لأنه ليس الوحيد…
وأود هنا أن أطرح سؤالاً وألقي به في وجه الذين سألوني من الأحباب الحادبين على مهنة صاحبة الجلالة…
أرأيتم لو أن الدستور المعمول به الآن في السودان متقدم جداً في مجال الحريات على الدساتير الأمريكية والبريطانية والفرنسية، وفيه كل المواد التي تكفل حرية الإعلام، هل سيحاكم النظام القائم الصحافة بنصوص هذا الدستور والقوانين المشتقة منه؟!!…لا… طبعاً، لأن للنظام قوانينه الاستثنائية التي تدوس على الدستور… كلنا على قناعة راسخة أن دستور 2005 المعمول به الآن في السودان هو من أفضل الدساتير التي مرت على البلاد من حيث النصوص الراقية والتعابير الظريفة التي تشعرك بأنك مواطن محترم تعيش في كنف دولة ديمقراطية ترعى حقوق الإنسان وتحترم آدميته وكرامته… لكن بالطبع الواقع غير ذلك، فكثيراً ما تجد هذه النصوص تسقط في عتبة أول امتحان للحريات…
وبعد السقوط المدوي والفضيحة أم جلاجل يبحث “الترزية” المتخصصون في تفصيل القوانين والدساتير وترقيعها، عن مخرج لتفادي مثل تلك المطبات، وبدون أي حرج وبدون “خجلة” يدخلون التعديلات التي تناسب الوضع الذي يريده النظام…
الآن، وبعد أن ضاقت السلطة الحاكمة ذرعاً من بعض الأقلام القليلة جداً، بدأت الآن عبر أذرعها الأخطبوطية المعروفة، وترزيتها المشهورين تبحث عن حيلة جديدة لكسر الأقلام الحرة، وإيقافها إلى الأبد لما سببته من ازعاج للنظام وأجهزته.
والنظام بالطبع يريد ليشرعن لهذه الخطوة، ويجد لها ما يجعلها قانونية حتى لا تسائله منظمات المجتمع الدولي المدافعة عن حرية الصحافة، وإذا ما احتجت تلك الجهات لمنع صحافي من الكتابة يبرز القانون، ومن عجب أن القانون نفسه فصلته الحكومة عبر ترزيتها وأجازته داخل مجلس وزرائها المطيعين، وستجيزه داخل برلمانها بأغلبيتها الميكانيكية… أها تاني شنو؟؟؟!!!… فهذه حيلة من حيل السلطة لمحاربة الأقلام الحرة، والنظام قادر عبر أجهزته التنفيذية والتشريعية لإضفاء شرعية زائفة لهذه الحيلة… اللهم هذا قسمي فيما أملك…
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين..
الصيحة



