مقالات وآراء

ممارسة التضليل حول علاقة فيتنام بالبنك الدولي (1-2)

محمود محمد ياسين

كشف اللقاء التلفزيوني الذي تم مع رئيس مجلس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك في نهاية شهر نوفمبر المنصرم (29/11) عن العيب المزمن الذي تعاني منه مثل هذه اللقاءات المتمثل في مجافاة الأسئلة لحقائق الواقع. فاللقاء وإجاباته التي يبدو انها كانت معدة سلفا، لم يتناول وضع السودان المازوم الذي يجسده:

-ضعف وعمالة النظام الانتقالي الحاكم. وهذا الضعف تستغله الدول الغربية وبعض البلدان الخليجية عبر مخابراتها وسفاراتها لإحداث الاضطرابات بغرض تحقيق أطماعها في البلاد.
– تأسيس قاعدة عسكرية (روسية ذات قدرات نووية) على شواطئ البحر الأحمر بالسودان واقامة قاعدة برنيس العسكرية المصرية على بعد مائتي متر من منطقة حلايب وشلاتين السودانية. وتعتبر برنيس أكبر قاعدة عسكرية بحرية في أفريقيا.
-استفحال أزمة الحكم (الازمة الدستورية).
-انهيار الاقتصاد الوطني والتدهور المروع للوضع المعيشي للمواطنين.
-ملكية المؤسسة العسكرية، بشكل غير مبرر على جزء كبير من النشاط الاقتصادي والاحتفاظ بالعائدات المجنية في حالة الصادر في حسابات سويسرية (عائدات لحوم مصدرة والطيران المدني). هذه العائدات لا تدخل خزينة الدولة.
-التنكيل بالمعارضين للحكم القائم.
-انتشار الأوبئة والامراض وضآلة البنية التحتية الصحية.
-الوضع المأساوي للنازحين خارجيا والمشردين داخليا.
– تآكل النظام التعليمي.

لا نهدف من هذه الكلمة التعرض المفصل لما دار في اللقاء المار ذكره، بل التعليق على جزئية تتعلق بإجابة رئيس الوزراء على سؤال التنمية الاقتصادية. فحول هذا الموضوع تحدث رئيس الوزراء عن مجرد “أحلامه” في تحقيق التنمية وان المشكلة التي ظل يواجهها هي الدمار الذي سببه النظام السابق. كما دافع رئيس الوزراء عن الدور الحاسم للمساعدات التي تقدمها مؤسسات التمويل العالمية في اسماه “بعبور” السودان. والجزئية التي نريد التعليق عليها هنا هي رهان رئيس الوزراء على المساعدات المالية للبنك الدولي ودعوته لاستلهام تجربة دولة فيتنام مع المؤسسة العالمية في مضمار النهضة الاقتصادية. وقبل التعليق على ما نود التحدث فيه نشير الى أن تعلل رئيس الوزراء بالأحلام وترديد شعار “العبور” الفارغ وتحدى التركة الثقيلة الموروثة من النظام السابق لو ذُكرت لمحاور مقتدر لجعلته يثير ربما أكثر من سؤال متابعة (follow-questions)، منها على سبيل المثال: ماذا عن التدهور الرهيب الاقتصادي الذي تسبب فيه الحكم الحالي نفسه؟ ماذا عن الأموال الكبيرة، من مصادر محلية وخارجية، التي فقدت خلال الحكم الحالي ولا يعرف أحد مصيرها أو أي حسابات وضعت فيها؟ الخ، الخ.

دعي رئيس الوزراء الى الاحتذاء بفيتنام التي ضخَّمَ دور المساعدات المالية للبنك في تنمية مقدراتها الاقتصادية؛ لكن الخفة التي يُطلق بها مثل هذا الزعم لا تصدر الا عن فكر عاجز لا يأبه بحقائق الواقع ويحذو، في خمول ذهني (intellectual lethargy)، حذو التفكير السطحي الدارج في مثل هذه المسائل. فالتفكير الدارج البسيط يعتقد أن البنك الدولي يهدف حقيقة لتحقيق التنمية في البلدان الفقيرة؛ الا أن السياسات والبرامج، التي يضعها البنك الدولي للدول الفقيرة بغرض تأهيلها المسبق لإقراضها، تهدف لإذلال واضعاف هذه الدول ومن ثم اخضاعها لصالح راس المال العالمي (الأمريكي والأوربي الغربي على وجه الخصوص). ان البنك الدولي يسلب الدول الفقيرة سيادتها ويتحكم في أبسط خياراتها المتعلقة بنفقاتها العامة بفرض سياسات خاصة برفع الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية كالخبز وتعويم العملة.

ان البنك الدولي صار مؤسسة ائتمانية عالمية عظمى تلعب دورا في المسار الاقتصادي للدول الفقيرة يكاد يكون قريبا من الوصاية (Trusteeship) ويتم هذا بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي الذي يهتم بقضايا الاقتصاد الكلى؛ فتقييم العمليات البنكية التي يقوم بها البنك تعتمد على التقييمات الاقتصادية التي يجريها الصندوق في البلدان الأعضاء.

وكشف دور البنك الدولي في تحويل البلدان الفقيرة لبلدان تابعة خاضعة لإرادة ومنفعة الدول الرأسمالية الكبرى يتم من داخل هذه المؤسسة نفسها في شكل دراسات يقوم بها بعض موظفي البنك؛ ومن هذه المواقف هو ما قامت به الاقتصادية الامريكية بيني جولدبيرج (penny Goldberg) من خلال عملها في وظيفة كبيرة اقتصادي البنك الدولي (Chief economist). وجولدبيرج قدمت استقالتها بعد خمس عشر شهر من عملها في البنك في اعقاب اعدادها لدراسة تبين فيها بشكل مثبت أن كبار مسؤولي الدول المتلقية لمساعدات البنك يحولون جزءا من المبالغ المستلمة لحساباتهم المصرفية خارج بلدانهم. وهكذا يحّول البنك هؤلاء المسؤولين لأدوات تضع قرار دولها السياسي والاقتصادي رهن المؤسسات التمويل العالمية.
والدراسة تحمل عنوان” استيلاء النخب على المساعدات الدولية: أدلة من حسابات بنوك الملاذات الضريبية“ – Elite Capture of Foreign Aid: Evidence from Offshore Bank Accounts.

اُعدت الدراسة المذكورة في فبراير 2020 بواسطة فريق من الاقتصاديين العالميين كلفتهم جولدبيرج للقيام بهذا الغرض تحت اشرافها. وتكتم البنك على الدراسة لفترة قبل ان يذعن وينشرها كورقة عمل (working paper) بعد ان تسربت ونشرت في بعض الصحف والوسائط الإلكترونية العالمية. ووفق الدراسة فان جزءا من الأموال التي يمنحها البنك الدولي يتم تحويلها لحسابات خاصة بكبار مسؤولي الدول المستفيدة من مساعدات البنك وقيمة كل دفعة من الأموال المسروقة تحسب كنسبة محددة من قيمة المعونات المالية ونسبتها للدخل القومي؛ فكلما زادت نسبة المعونات للدخل القومي زاد استنزاف الأموال وتحويلها الى حسابات في الملاذات الضريبية (Tax havens)؛ والملاذات هي الأكثر سرية التي توجد في سويسرا ولوكسمبورج وسنغافورة وجزر كايمان. وبينما يبلغ متوسط الاستنزاف 7.5%، فان النسبة قد تصل الى 15% عندما تمثل نسبة المعونات 3% أو أكثر من الدخل القومي.

ورغما عن حقيقة البنك الدولي كذراع لخدمة مصالح راس المال العالمي يقول د. حمدوك ” أنه لا مخاوف من روشتة البنك الدولي وان السودان سيعمل على وصفة تُناسب أوضاعه لتتماشى مؤسسات التمويل الدولية مع رؤيتنا!!” وعدم “مخاوفه” من روشتة البنك الدولي، جعلت حمدوك ينصاع لوصفة البنك الدولي وينفذ معظم مكوناتها بصورة لم تحدث في البلاد من قبل ويبدو انه لم يتفكر في انتفاضة 2013 الرافضة لرفع الدعم من قبل حكومة الاسلاميين المبادة التي أراقت حينها دماء المئات من المواطنين المنتفضين.

ٳن مساعدات البنك الدولي ليست بقرة حلوبا للسياسيين المتنفذين في الدول الفقيرة فحسب بل هي أداة لتكريس الواقع المتخلف لهذه الدول حيث تتضور الشعوب من الجوع ويموت افرادها من الامراض والقهر؛ وقطعا فان هؤلاء السياسيين لا يستبصرون في السلبية التي تركتها تدخلات البنك الدولي في معظم الدول الفقيرة.

[email protected]

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..