مقالات وآراء

من إدارة الأزمات إلى أزمة الشرعية: هابرماس والرأسمالية الحديثة ( ٢ )

في الحلقة السابقة حاولت توضيح الفرق بين التصور الماركسي للرأسمالية وتصوّر يورغن هابرماس. فبينما يرى ماركس أن الرأسمالية تحمل في داخلها تناقضات تجعل انهيارها نتيجة حتمية، ينطلق هابرماس من سؤال مختلف: كيف استطاعت الرأسمالية الحديثة أن تستمر رغم أزماتها وتناقضاتها؟
عند ماركس، يرتبط استقرار الرأسمالية، في جانب منه، بما سماه «تزييف الوعي» (False Consciousness)، أي قدرة النظام على جعل علاقات السيطرة تبدو طبيعية ومقبولة.
أما هابرماس فيركز على قدرة الدولة الحديثة على إدارة الأزمات والحفاظ على الشرعية، أي الحفاظ على درجة كافية من قبول المواطنين بالنظام السياسي والاجتماعي، بما يسمح باستمرار المجتمع في العمل.
ومن هنا فإن الأزمة عند هابرماس لا تعني بالضرورة انهيار النظام، وإنما تعني ضعف قدرته على إدارة التناقضات والمحافظة على قبول المواطنين به.
ثلاث أزمات في المجتمع الرأسمالي الحديث
يرى هابرماس أن تطور الرأسمالية الحديثة يولد مجموعة من المشكلات والأزمات التي ترتبط ببنيتها الاقتصادية والإدارية. ويمكن التوقف عند ثلاث منها.
أولًا: أزمة القيم والتوازن البشري
لا يستطيع أي مجتمع أن يستمر بالاعتماد على المؤسسات الاقتصادية والسياسية وحدها. فهو يحتاج أيضًا إلى قيم وعادات تساعد على تكوين أفراده وإعدادهم للمشاركة في العمل والحياة العامة.
ومن أهم هذه القيم أخلاق العمل (Work Ethic)، أي الإيمان بأن الاجتهاد والتعليم والعمل والمشاركة عوامل ضرورية لبناء حياة أفضل.
لكن هذه القيم يمكن أن تضعف عندما يفقد الواقع قدرته على مكافأة العمل والاجتهاد.
فإذا حصل الإنسان على تعليم جيد ثم لم يجد فرصة للعمل، أو أصبح الحصول على الوظيفة مرتبطًا بالولاء السياسي أو التنظيمي بدلًا من الكفاءة، فإن العلاقة بين الاجتهاد والنتيجة تصبح مضطربة.
وهنا يمكن أن نستفيد من التجربة السودانية في عهد الإنقاذ كمثال توضيحي. فقد أدت سياسة «الولاء قبل الكفاءة» إلى إضعاف مبدأ تكافؤ الفرص، بينما أدت سياسات التعليم والتوظيف غير الرشيدة إلى تخريج أعداد كبيرة من الشباب دون توفير فرص حقيقية لهم.
المشكلة هنا لا تقتصر على البطالة، وإنما تمتد إلى إضعاف القيمة الاجتماعية للعمل نفسه.
فعندما لا يعود الإنسان يرى علاقة واضحة بين التعليم والاجتهاد من جهة، والحصول على فرصة عادلة من جهة أخرى، فإن القيم التي تحفزه على المشاركة في بناء المجتمع تبدأ في فقدان قوتها.
وهذا ما يمكن ربطه عند هابرماس بأزمة التوازن البشري أو القيمي (Anthropological Balance)، حيث تصبح عملية التنشئة الاجتماعية (Socialization) نفسها أكثر صعوبة.
ثانيًا: أزمة البيئة
المشكلة الثانية ترتبط بالتناقض بين حاجة رأس المال إلى التوسع المستمر وبين محدودية الموارد الطبيعية.
فالرأسمالية تعتمد على النمو والاستثمار وتراكم الأرباح، لكن هذا النمو يمكن أن يؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية وتلوث البيئة.
وهنا تواجه الدولة معضلة واضحة:
كيف تشجع الاستثمار والنمو الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تحمي البيئة والمجتمع من الآثار السلبية لهذا النمو؟
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ والانبعاثات الناتجة عن النشاط الصناعي.
فالسوق وحده لا يستطيع دائمًا معالجة هذه المشكلة؛ لأن تكلفة حماية البيئة قد تقع على الشركات، بينما تتحمل الدولة والمجتمع تكلفة عدم حماية البيئة.
ولهذا تصبح الدولة مضطرة إلى التدخل والتنظيم والتخطيط، وهو تدخل يزيد من مسؤولياتها ويضعها أمام مصالح متعارضة.
ثالثًا: أزمة التسلح
أما الأزمة الثالثة فتتعلق بالتسلح، وخاصة في الدول التي تمتلك صناعات عسكرية ضخمة.
السلاح، في حالة السلم، ليس سلعة استهلاكية عادية؛ فهو لا ينتج قيمة اجتماعية مباشرة مثل الغذاء أو التعليم أو الصحة، لكنه يمثل صناعة ضخمة توفر أرباحًا وفرص عمل واستثمارات.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: استمرار صناعة السلاح يحتاج إلى سوق واستثمارات، بينما السلام يقلل الحاجة الاقتصادية المباشرة إلى هذه الصناعة.
ومن ثم فإن التسلح يمكن أن يتحول إلى جزء من بنية اقتصادية يصعب التخلص منها حتى بعد تراجع الخطر الذي برر وجودها.
وهذا يوضح مرة أخرى كيف يمكن للديناميكيات الاقتصادية أن تتعارض مع المصالح الاجتماعية والسياسية الأوسع.
الأزمة الأهم: أزمة الشرعية
لكن الأزمات السابقة، رغم أهميتها، تقودنا إلى الأزمة التي تحتل موقعًا مركزيًا في تحليل هابرماس، وهي أزمة الشرعية (Legitimation Crisis).
المقصود بالشرعية هنا ليس مجرد وجود حكومة منتخبة، وإنما قدرة الدولة والمؤسسات على الحصول على قبول المواطنين والتزامهم بالنظام السياسي والاجتماعي.
فالدولة الحديثة مطالبة في الوقت نفسه بتحقيق أمرين قد يتعارضان:
رفع الكفاءة الاقتصادية من أجل استمرار النمو وتراكم رأس المال، والحفاظ على الشرعية من خلال تلبية احتياجات المواطنين والحفاظ على قبولهم.
وهنا يظهر التناقض الأساسي.
فرفع الكفاءة الاقتصادية قد يتطلب تقليل الإنفاق، وإعادة تنظيم المؤسسات، وزيادة الإنتاجية، واستخدام التكنولوجيا، وخفض بعض التكاليف.
لكن هذه الإجراءات قد تؤدي في الوقت نفسه إلى فقدان وظائف، أو إضعاف الخدمات العامة، أو زيادة عدم المساواة، أو تحميل الطبقات الوسطى والدنيا جزءًا أكبر من التكلفة.
وبذلك يمكن أن يؤدي نجاح الدولة في تحقيق هدف اقتصادي إلى إضعاف قدرتها على تحقيق هدف سياسي واجتماعي، أي الحفاظ على الشرعية.
لماذا تؤدي زيادة تدخل الدولة إلى زيادة حاجتها للشرعية؟
هذه نقطة أساسية عند هابرماس.
فكلما توسع دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع، أصبحت مسؤولة عن عدد أكبر من المشكلات.
لم تعد الدولة مجرد حارس للقانون، وإنما أصبحت مسؤولة عن التعليم والصحة والبنية التحتية وتنظيم السوق والاستثمار والتوظيف والسياسات الاجتماعية وغيرها.
وبالتالي، عندما تحدث مشكلة اقتصادية أو اجتماعية، يصبح المواطن أكثر ميلًا إلى تحميل الدولة مسؤوليتها.
أي أن توسع الدولة يزيد توقعات المواطنين منها، وهذا بدوره يزيد حاجتها إلى الشرعية.
ومن هنا تصبح الدولة أمام مهمة صعبة: عليها أن تدير مصالح متعارضة في الوقت نفسه.
فهي مطالبة بحماية شروط تراكم رأس المال، وفي الوقت نفسه حماية المصالح العامة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وضمان درجة مقبولة من رضا المواطنين.
الكفاءة في مواجهة القيم
تظهر المشكلة بصورة أوضح عندما تتعارض متطلبات الكفاءة الاقتصادية مع القيم الاجتماعية.
فالدولة، عندما تحاول عقلنة الاقتصاد وزيادة الإنتاجية وإعادة تنظيم المؤسسات، قد تضطر إلى تغيير أنماط الحياة والعمل التي اعتاد عليها المجتمع.
وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف بعض القيم التي كانت تؤدي وظيفة مهمة في دمج الفرد بالمجتمع.
ومن أبرز هذه القيم قيمة العمل والاجتهاد.
فإذا أصبح الاقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا وتقليل العمالة، بينما لا يجد جزء من السكان فرصًا مناسبة للعمل، فإن المجتمع يواجه تناقضًا بين القيمة التي تطالب الفرد بالعمل والاجتهاد وبين واقع اقتصادي لا يوفر له دائمًا فرصة عادلة لذلك.
وهنا تصبح الأزمة أعمق من مجرد مشكلة اقتصادية؛ لأنها تمس العلاقة بين الفرد والمجتمع نفسه.
من أزمة الاقتصاد إلى أزمة القبول
عندما تتراكم هذه التناقضات، قد تفقد المؤسسات والأيديولوجيات التقليدية قدرتها على إقناع المواطنين بأن النظام القائم قادر على تحقيق مصالحهم.
وهنا تبدأ أزمة الشرعية.
فالمواطن لا يسأل فقط: هل الاقتصاد يعمل؟
بل يسأل أيضًا:
هل النظام عادل؟
هل توجد فرص متساوية؟
هل المؤسسات تستجيب لمصالح المواطنين؟
هل يمكن تغيير السياسات من خلال الوسائل الديمقراطية؟
إذا أصبحت الإجابة عن هذه الأسئلة سلبية بصورة مستمرة، فإن المشكلة تتحول من أزمة اقتصادية أو إدارية إلى أزمة في قبول النظام نفسه.
وهنا تختلف رؤية هابرماس جذريًا عن التصور الماركسي.
ماركس يرى أن تناقضات الرأسمالية تقود في النهاية إلى انهيارها.
أما هابرماس فيرى أن النظام يمكنه أن يستمر فترة طويلة لأنه يطور مؤسسات وآليات لإدارة هذه التناقضات، مثل الانتخابات، والنقابات، والتفاوض الجماعي، والسياسات الاجتماعية، والتدخل الحكومي.
لكن هذه القدرة على الإدارة ليست بلا حدود.
فكل أزمة جديدة تحتاج إلى آليات جديدة لإعادة بناء القبول.
ومن هنا تصبح إدارة الأزمات وإنتاج الشرعية نفسها جزءًا من الأزمة المركزية للرأسمالية الحديثة.
من الشرعية إلى التعددية الديمقراطية
وهنا نصل إلى النقطة التي تمهد للحلقات القادمة.
إذا كان المجتمع الحديث متعدد المصالح والهويات، وإذا كان من المستحيل أن تمتلك جماعة واحدة الحقيقة الكاملة أو أن تمثل المجتمع كله، فإن الحفاظ على الاستقرار لا يمكن أن يقوم على فرض إرادة واحدة.
بل يحتاج إلى مؤسسات تسمح بتعدد المصالح، والاختلاف، والتفاوض، والمساومة، وإعادة بناء القبول بصورة مستمرة.
وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل التعددية الديمقراطية أكثر ملاءمة للمجتمعات الحديثة من النظم التي تقوم على احتكار الحقيقة أو احتكار تمثيل المجتمع.
فالديمقراطية، في هذا التصور، ليست مجرد وسيلة لاختيار الحاكم، وإنما هي أيضًا آلية لإدارة الاختلاف وإنتاج القبول السياسي بصورة مستمرة.
وهنا يصبح السؤال الذي سننتقل إليه في الحلقة التالية:
إذا كانت شرعية النظام الديمقراطي تقوم على قبول المواطنين، فكيف يمكن بناء هذا القبول في مجتمع متعدد المصالح والهويات دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع حول امتلاك الحقيقة؟
وهذا يقودنا مباشرة إلى مفهوم التعددية الديمقراطية ومشروعية القبول.
المرجع:
Jürgen Habermas, Legitimation Crisis, 1975, Boston: Beacon Press.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..