مقالات وآراء

تحديات الأمن والسياسة في السودان: بين هيمنة المليشيات وفشل المؤسسات”

 

تعتبر الأحداث التي يشهدها السودان اليوم نتاجًا لفشلٍ تراكميٍ طويل الأمد، حيث بدأت القصة منذ أن فقدت الدولة هيبتها ومؤسساتها. إن الوضع الراهن يعكس الأزمات الناتجة عن سياسات المؤتمر الوطني الذي اتبع منهجيات غير تقليدية في إدارة البلاد، مما أدى إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
كان من الواضح أن المؤتمر الوطني، بدلاً من الاستماع لصوت العقل والمطالب الشعبية بالإصلاحات الهيكلية وتحقيق العدالة الاجتماعية، اتجه إلى إنشاء قوات خارج نطاق المؤسسة العسكرية. وقد منح البرلمان هذه القوات حماية قانونية، مما ساهم في تعزيز النظام القائم على الفساد وعدم الشفافية.
يتحدث الكثيرون عن المليشيات بمعزل عن السياسات التي اتبعتها حكومة الإنقاذ، والتي وفرت غطاءً قانونيًا وماليًا لهذه القوات. لقد تم دمج قوات الحركات المسلحة التي وقعت اتفاقيات سلام مع الحكومة ضمن قوات الدعم السريع، مما أدى إلى تعزيز سلطتها وزيادة رواتبها مقارنة بالقوات النظامية الأخرى.
لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل امتدت العلاقات مع دول التحالفات الإقليمية، مثل عاصفة الحزم، حيث شارك السودان بقوات من الدعم السريع. كما أبرمت حكومة الإنقاذ اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية، مما جعل السودان نقطة عبور للمهاجرين. في المقابل، حصلت الحكومة على تمويلات سنوية تقدر بأربعين مليون يورو مقابل منع تدفق المهاجرين.
مع وصول حكومة ثورة ديسمبر، تفاقم الوضع أكثر؛ حيث تم إطلاق يد المليشيات ومنحها غطاءً سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. وقد أقرّت الوثيقة الدستورية وجود قوتين نظاميتين: القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. هذا الأمر أدى إلى اختلال المعادلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث أصبح من الصعب دمج هذه القوات في فترة زمنية معقولة. فقد طالبت قوى الحرية والتغيير (الحزب الحاكم آنذاك) عبر ورشة “الإصلاح الأمني” بفترة عشر سنوات لدمجها، بينما رفض الجيش ذلك وطرح فترة ثلاث سنوات؛ باعتبارها قواتًا كانت تابعةً وأنشئت لدعم القوات المسلحة. وقد عُبر عن فترة العشر سنوات بأنها طويلة جدًا في ظل الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي السائد، مع تزايد حجم تدخل قائد قوات الدعم السريع بصفته نائبًا لرئيس المجلس السيادي. حيث استطاع أن يؤثر على رئيس مجلس السيادي لإحداث تغييرات في قيادة الجيش، من خلال حل “هيئة العمليات” التي كانت تتبع لها قوات الدعم السريع سابقًا. وطلب أيضًا أن تكون له منظومة متكاملة من الطيران، بما في ذلك وحدة الطائرات المسيرة، مما فُسر بأنه عملية لابتلاع القوات المسلحة.
كان الاتفاق الإطاري أحد أسباب إشعال الصراع عندما استُبعِدت عدد من قيادات قوى الحرية والتغيير. وقد وُوجه الخيار: إما الاتفاق الإطاري أو الحرب. رغم الجهود الوساطية التي بذلتها قيادات مثل مالك عقار، والدكتور جبريل، ومني حاكم إقليم أجل، من أجل احتواء الأزمة، إلا أنها فشلت بسبب تدخل جهات دولية متمثلة في فولكر، ودولة الإمارات، وقوى الحرية والتغيير، وآلية الرباعية؛ والتي عملت على اتساع دائرة الخلاف. مع الأخذ في الاعتبار أن أحداث الخامس والعشرين من أكتوبر كانت بتمويل من قائد الدعم السريع، هو الذي وفر الدعم المالي والحماية والحشد من أجل الضغط على قوى الحرية والتغيير لإجراء حوار شامل والعودة إلى منصة التأسيس. لكن سرعان ما تدخلت أطراف أخرى وغيرت من موقف حميدتي إلى موقف مناهض للجيش، وإعادة انتشار قواته داخل العاصمة، والاستيلاء على مقرات هيئة العمليات التابعة للجهاز الأمني والمخابرات، والتوسع نحو مطار مروي بهدف تحييد المطار حال بدء الحرب.
هناك أكذوبة يتم التسويق لها عبر إعلام الدعم السريع وحلفائه السياسيين من “صمود” أو “التأسيس”، بأن الصراع هو مع الحركة الإسلامية ودولة “56”، والواقع يكذب ذلك؛ لأن قائد قوات الدعم السريع ونائبه ومسؤول الإعلام الفاتح فروشي ومعظم مستشاري الدعم كانوا من قيادات المؤتمر الوطني. وقادة تحالف “التأسيس” و”الصمود” هم أيضًا من دولة “56”. إن انتهاكات حقوق الإنسان، وسرقة أموال المواطنين، والقتل الجماعي، وإحراق المحاصيل) جرائم حرب وإبادة صمت العالم حيالها، مما شجع قوات الدعم السريع على ارتكاب مزيد من الفظائع كما مارستها في دارفور من 2003 إلى 2018، من حرق القرى والاستيلاء على أراضي الفور والمساليت والزغاوة . والداجو، من أجل إحداث تغيير ديموغرافي، وإيجاد وطن بديل لعربان التشات في كل من تشاد والنيجر وأفريقيا الوسطى. ذلك الحلم الذي ظل يراودهم وجدوا ضالته في حرب السودان. لذلك كانت هجرة المكونات الأفريقية انتقامًا منهم، فنزحوا إما خارج السودان أو إلى مناطق تحت سيطرة القوات المسلحة، مما يؤكد نظرية التغيير الديموغرافي.
إن الوضع الراهن في السودان يتطلب إعادة النظر في السياسات المتبعة وتفعيل دور المؤسسات الرسمية لضمان استقرار البلاد. يجب أن يكون هناك حوار شامل تشارك فيه كافة المكونات السياسية والاجتماعية من أجل بناء عقد تأسيس اجتماعي جديد يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين. إن معالجة هذه التحديات ليست مجرد خيار، بل ضرورة ملحة لضمان مستقبل أفضل للسودان. على المجتمع الدولي والإقليمي عدم فرض حلول جاهزة في الشأن السوداني لأنها لم تؤدِ إلى سلام مستدام، بل عليهم المساعدة في وقف تدفق السلاح للدعم السريع، والضغط على دولة الإمارات للكف عن جلب مرتزقة عبر مسار المنظومات الحديثة التي أدخلتها الإمارات في دارفور كردفان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..