مقالات وآراء سياسية

روسيا أغلقت ثُلث البحر الأسود: تحرّكات عسكريّة تتجاوز مُحدِّدات الحرب الباردة

د. عصام محجوب الماحي

د. عصام محجوب الماحي

* ما هي ترسانة الأسلحة التي سيجلبها الحلفاء للمنطقة؟
* نشر قوات من حلف شمال الأطلسي في رومانيا يُترجَم إلى رسالة مفادُها “بوتين لا تلعب، ستقاتل هذه المرَة الناتو!”
* الحديث ليس صِراعاً بين موسكو وواشنطن، كما يلمِّح بوتين، وإنّما مواجهة بين الناتو وروسيا
* إطالة أمد الصِراع في منطقة البحر الأسود قد تكون له آثار اقتصاديّة غير مرغوب فيها لكل الدول الأوروبيّة
* يجب أنْ تكون الدول الغربيّة مُنْتَبِهةً جِداً لنوايا روسيا تجاه الديمقراطيّات في أوروبا الشرقيّة

بعد تركيز قواتها على الحدود مع أوكرانيا، قامت روسيا بإغلاق النقل الجوي والبحري جُزْئيّاً في البحر الأسود. وردّاً على ذلك، أعلنت المملكة المتحدة أنّها سترسل مُدمِّرة وفرقاطة إلى المنطقة، بالإضافة إلى طائرات مُقاتِلة من طراز “المُقاتِلة الأوربيّة تايفون ـ Typhoon” وسيكون مقرّها في القاعِدة العسكريّة “ميهاي كوقالنيشيانو” على الساحل الروماني في البحر الأسود.
ووفقاً لتقرير كتبه فالنتين بولوكان لصحيفة (اديفارول) الرومانيّة الصادِرة يوم 22 أبريل الجاري يقول محلِّلون عسكريّون إنّ نشر قوات من حلف شمال الأطلسي في رومانيا يُترجَم إلى رسالة مفادها “بوتين لا تلعب، فإنّك ستقاتل هذه المرّة الناتو!”.

ويلفِت البنتاغون الانتِباه بأنّ الانتشار العسكري الروسي على الحدود مع أوكرانيا أكبر مِمّا كان عليه عام 2014 عندما غزت روسيا شِبه جزيرة القرم ثُمّ أعلنت ضمّها. وتتفادى وزارة الدفاع الأمريكيّة تقديم تقدير للوضع الراهن، لكنها تصنِّف أمر تعبئة القوات بأنّه “مُقْلِق للغاية”. وبالإضافة إلى ذلك، استنكر الأمريكيون التصعيد في البحر الأسود بعد أنْ حظرت روسيا الرحلات الجويّة فوق شِبه جزيرة القرم وفوق البحر الأسود، بسبب التدريبات البحريّة والجويّة التي أجرتها هذا الأسبوع.

وعلى وجه التحديد، أصدرت موسكو “إشعاراً” (NOTAM) لتحذير الطيارين من المخاطِر المُحْتملة التي تنطبِق على المياه الإقليميّة قُبالة الساحل الجنوبي لشِبه جزيرة القرم وجزء من المياه الدوليّة في البحر الأسود خلال الفترة من 20 إلى 24 أبريل الجاري. وقال التحذير “تمّ الإعلان عن المنطقة بشكل مؤقت بأنّها خطرة لرحلات الطائرات”، مُضيفاً أنّ القيود تنطبِق على ارتفاع أقصى يبلغ 19 ألف مِتراً. ويُذكر أنّ أكثر من 20 سفينة حربيّة تابعة لأسطول البحر الأسود من المُقرَّر أنْ تجْري تدريبات مشتركة مع طائرات سوخوي 25 Su الهجوميّة، كما تمّ تقييد الحركة البحريّة في منطقة القرم. ويأتي إغلاق الرحلات الجويّة والملاحة في الوقت الذي قدّرت فيه روسيا أنّها نقلت أكثر من 150 ألف جندي بالقرب من أوكرانيا والقرم.

* بوتين يحذِّر وزيلينسكي يدعو للحوار:

وفوق كل ذلك، حذّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الأربعاء 21 أبريل الجاري الغرب من “تجاوز الخط الأحمر” في العلاقات مع روسيا. وأضاف بوتين في خطابه السنوي أمام البرلمان “لكنّنا سنقرِّر بأنْفُسنا مِن وإلى أين تتِّجه هذه الخطوط”، في إشارة إلى الخلافات العديدة مع الغرب، لكن دون أنْ يحدِّد ماهيّة حدودها. وحذّر الغرب من أنّه “سيندم” على أيّ تحدٍ للمصالح الروسيّة، وقال إنّ رد موسكو سيكون “سريعاً وقاسياً”.
وفي الوقت نفسه، ندّد بوتين بما وصفه بالأعمال “المُسْتمِرَّة التي لا أساس لها” و “غير الوديّة” ضد روسيا، وقال “أصبح لبعضِ الدولِ نوع من الرياضة أنْ تهاجم روسيا بدلاً من ألّا تفعل شيئاً”. ومع ذلك، لم يشِرْ بوتين بشكلٍ دقيقٍ إلى القضايا الرئيسيّة التي تختلف مواقف روسيا بشأنها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وفي غضون ذلك، دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نظيره الروسي للاجتماع في شرق أوكرانيا، أي بمنطقة الصِراع مع الانفصاليين الموالين لروسيا، لتخفيف التوتر بين البلدين. وفي خطاب إلى الأمَّة وجّه زيلينسكي رسالة لبوتين وقال “السيد بوتين! أنا على استعداد أنْ نلتقي في أيِّ مكان في دونباس الأوكرانيّة حيث تستمِرّ الحرب!”، مُشَدِّداً على أنَّ “ملايين الأرواح” مُعرَّضة للخطر في حالة نشوب صراع بين أوكرانيا وروسيا، وأضاف فولوديمير زيلينسكي أنّ الرئيس الروسي كان قد قال ذات مرّة “إذا كانت المعركة حتميّة، فعليك أنْ تهاجم أوّلاً. لكن، في رأيي، يجب على كل زعيم أنْ يفهم أنّ القتال لا يمكن أنْ يكون حتميّاً عندما يتعلق الأمر بحرب حقيقيّة وملايين الأرواح”.

وعلى خلفيّة كل ذلك، قررت المملكة المتحدة الانضمام إلى الولايات المتحدة في جهودها لتهدئة خطاب موسكو العدواني. وهكذا، من المُقَرَّر أنْ تصل من سلاح البحريّة الملكيّة البريطانيّة إلى البحر الأسود في مايو القادم، مُدمِّرة من الفئة 45 وفرقاطة مضادة للغواصات من النوع 23، تضامُناً مع حلفاء وشركاء الناتو في المنطقة، وهما سفينتان من المجموعة الهجوميّة لحاملة الطائرات “الملكة إليزابيث” المتواجِدة في البحر الأبيض المتوسط، علماً بأنّ المُدمِّرات من ذلك النوع من أحدث السُفن التي دخلت البحريّة الملكيّة مؤخّراً بين عامي 2003 و2010 ولديها قوّة نيران مُدمِّرة توفِّرها الصواريخ المُضادة للطائرات والسُفن والغوّاصات.
ويُذكر أنّ سِعر الوحدة من السُفن من النوع 45 يبلغ 1.3 مليار دولار، ويتمّ تشغيلها بواسطة توربينتين غازيتين يبلغ مجموع قدرتهما نحو 60 ألف حصان، ويديرها طاقم من 191 إلى 285 ضابِطاً بحريّاً وبحّاراً من مُشَغِّلي القوات البريطانيّة الخاصة.

ويبدو أنّ التدخُل البريطاني لردع المناورات الخطيرة التي أمر بها الكرملين في منطقة البحر الأسود أعمق، حيث قرَّرت لندن إرسال المزيد من الطائرات المُقاتِلة لقاعدة كوقالنيشيانو الرومانيّة، وكذلك قوات بريّة.
وبالتوازي مع عمليات نقل القوات البريطانيّة إلى المنطقة، قال مؤخَّراً الجنرال بالقوات الجويّة البريطانيّة تود وولترز قائد القيادة الأوروبيّة (EUCOM) إنّ هناك حاجة إلى المزيد من المُدمِّرات والطائرات المُقاتِلة الحديثة من طراز F-35 لردع ومراقبة عدوانيّة روسيا بما في ذلك منطقة البحر الأسود. وحاليّاًّ، لدى البنتاغون حوالي 1000 جندي في قاعدة كوقالنيشيانو، ويدير عدداً غير مُحدّد من الطائرات القتاليّة المُسيّرة في القاعدة العسكرية الرومانية “كيمبيا تورزي” القريبة من البحر الأسود.

ووفقاً لصحيفة (اديفارول) الرومانيّة يرى المحلل العسكري أوريل كازاكو أنَّ التورُّط البريطاني في توترات البحر الأسود يثبت أنَّ الناتو يعمل ضمن حدود المبادئ التي تمّ تشكيله على أساسها. ويقول “من خلال إرسال قوات إلى رومانيا ومنطقة البحر الأسود، تُظهر المملكة المتحدة، فيما يتعلق بأوكرانيا، أننا لا نتحدث عن صراع بين روسيا والولايات المتحدة، كما كان يحاول بوتين أنْ يلمِّح، فهذه المرّة المواجهة ستكون بين الناتو وروسيا. ويضيف كازاكو “لن أتفاجأ إذا أصبح لفرنسا، على سبيل المثال، موقفاً في الفترة المقبلة لأنّها تريد أيضاً إثبات أنها قوّة عسكريّة مؤثِّرة. ولذلك أكرِّر، إنّ الإشارة البريطانيّة لبوتين هي ..لا تعبثوا مع الناتو، وهذا يزعج موسكو”.

ومع ذلك، يحذِّر الخبير أوريل كازاكو من أنّ إطالة أمد الصِراع في منطقة البحر الأسود يُمْكِن أنْ تكون له آثار اقتصاديّة غير مرغوب فيها لكل الدول الأوروبيّة، وبشكل خاص بالنسبة لرومانيا. ويضيف موضِّحاً “إنّ فلاديمير بوتين يلعب على حبلين. فمن خلال توتير العلاقات العسكريّة في المنطقة، فإنّه يضغط على أوكرانيا على أمل أنْ تتنازل عن المزيد من الأراضي. وبشكل ضمني أيضاً، من خلال حظر الحركة والنقل في البحر الأسود، فإنّه يمنع رومانيا من استغلال الغاز والنفط لأنّه لا أحد يستطيع العمل في منطقة تنشط فيها السُفن والطائرات العسكريّة وتَصْدُر فيها الإنذارات الأمنيّة. وهذا الأمر مهم جداً بالنسبة للرئيس الروسي، لأن استغلال رومانيا الاحتياطيّات في البحر الأسود وبيع إنتاجها إلى الاتحاد الأوروبي من شأنه أنْ يغلق صنبور الأموال الذي ارتبطت به روسيا لفترة طويلة. وستفقد ميزانيّة روسيا تمويلها إذا اختفى الزبائن الأوروبيّون الذين يشترون النفط والغاز. دعونا ألّا ننسى أنّ الاتحاد الأوروبي يستورد أكثر من 300 مليار يورو من النفط الخام والمُنتجات النفطيّة سنويّاً، وثُلْثها يأتي من روسيا”. ويرى أوريل كازاكو أنّ موسكو ليست على استعداد لخسارة 100 مليار يورو سنويّاً.

* تحذير قائد سابق لقوات الناتو في أوروبا لمنطقة البحر الأسود:

وفي حوارٍ أجراه دينيس قريقوريسكو لصحيفة (أديفارول) مع القائد السابق لقوات الحلفاء في أوروبا لمنطقة البحر الأسود، قال الجنرال البريطاني فيليب بريدلوف “يجب أنْ تكون الدول الغربيّة مُنْتَبِهةً جِداً لنوايا روسيا تجاه الديمقراطيّات في أوروبا الشرقيّة”؛ وحول أهميّة وجود استراتيجيّة للناتو في البحر الأسود وكيف يجب تطوير هذه الاستراتيجيّة، وصف الجنرال فيليب بريدلوف منطقة البحر الأسود بأنّها “منطقة صعبة”. وأضاف أنّ روسيا، وهي الخصم الشمالي الشرقي للحلف، استخدمت القوة العسكريّة ثلاث مرّات منذ عام 2008 لتغيير الحدود المُعْترف بها دوليّاً، وهي مستمرّة في عسكرة الأراضي التي احتلتها. ولا يتردّد الجنرال البريطاني فيليب بريدلوف في قول “يجب مجلس الأمن القومي الأمريكي تنسيق استراتيجيّة الولايات المتحدة والعمل على مواءمتها مع حلفاء الناتو”.
وفيما يتعلق بالعلاقات بين أوروبا الشرقيّة وروسيا، أوضح الجنرال بريدلوف أنّ العديد من دول أوروبا الشرقيّة كانت تحت تأثير/ احتلال الاتحاد السوفيتي وحرَّرت نفسها، وأعلن العديد منها الاستقلال من القبضة السوفيتية/ الروسية، ودول المنطقة راغبة في البقاءِ حُرّة ومستقلة وقويّة، وبالتالي لا تنسى هذه الدول أيضاً أنّ روسيا قد غزت جورجيا مرّة وأوكرانيا مرّتين.
وحول تفسير موقف روسيا العدواني تجاه الناتو والاتحاد الأوروبي، يقول الجنرال البريطاني “عندما ينظر فلاديمير بوتين إلى الشرق، فإنه يرى صيناً قويّة يمكنها مواجهة الأمم (واحد في مواجهة واحد)، وهذا ما يودّ بوتين رؤيته عندما ينظُر إلى الغرب. ولكن عندما ينظر فلاديمير بوتين إلى الغرب فإنّه يرى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ويضطر للتعامل مع دول لها نفس العقليّات والقِيَم التي تختلف تماماً عن عقليّته وقِيَمه”. ويرى فيليب بريدلوف أنّ أهميّة رومانيا في منطقة البحر الأسود أنّها تلعب دوراً رائداً في جلب التفاعل بين الناتو والولايات المتحدة والدعم العسكري للبحر الأسود”، ويقول “لقد وضع الأشخاص ذوو التفكير اللامع مثل وزير الدفاع نيكولاي شيوكا رومانيا كموقعٍ أمامي قويّ في منطقة البحر الأسود”.

ويختم الجنرال البريطاني فيليب بريدلوف، القائد السابق لقوات الحلفاء في أوروبا لمنطقة البحر الأسود، برؤية مختصرة تقف على ركيزتين لتكييف تعامل الغرب مع طموحات روسيا لاستعادة السيطرة على أوروبا الشرقيّة، بقوله “بادئ ذي بدء، يجب علينا في حلف الناتو أنْ نقف بحزمٍ في التزامنا بالدفاع الجماعي. ثانياً، يجب على الدول الغربيّة والشركاء في جميع أنحاء العالم إيلاء اهتمام وثيق لنوايا روسيا تجاه ديمقراطيّات أوروبا الشرقيّة”.

عصام محجوب
بوخارست – رومانيا
22 أبريل 2021

زر الذهاب إلى الأعلى