
نعمات كوكو محمد
3/ قطاع الصحة
قبل هذه الأزمة الحالية والتي نتجت بسبب الحرب، كان في السودان حوالي 6,500 مرفق للرعاية الصحية الأولية و300 مستشفى عام في جميع أنحاء البلاد.
وتقدر منظمة الصحة العالمية أن 70 – 80٪ من المنشآت الصحية في المناطق الأكثر تضررًا من النزاع في الجزيرة وكردفان ودارفور والخرطوم، وحوالي 45٪ في أجزاء أخرى من البلاد، باتت الآن خارج الخدمة او تعمل بطاقة أقل أو مغلقة مما أثر على ملايين الأشخاص الذين يعيشون واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم اليوم حسب تقارير دولية وأممية.
كما تشير التقارير الرسمية بجانب ذلك الي خروج 250 مستشفيي من الخدمة العامة وهي تساوي ما يعادل 90% من المستشفيات العامة والخاصة، بجانب 70% من المراكز الصحية والصيدليات وهذا ما تم حصره فيما يسمي بالمناطق الأمنه، مع تعطل 25 مصنعاً للأدوية، و2300 صيدلية، و450 شركة معدات طبية.
وقد أشارت تقارير منظمة الصحة العالمية الي أن من بين أكثر من 100 هجوم تم التحقق منه، شملت أكثر من 75 منشاة صحية، و45 منها طالت العاملين في القطاع الصحي، بالإضافة إلى ذلك فقد تم الإبلاغ عن هجمات على وسائل النقل بما في ذلك سيارات الإسعاف، والإمدادات الطبية، والمستودعات، ومن خلال 29 من هذه الحوادث تأثر المرضى مباشرة.
وكانت الولايات الأكثر تضررًا هي ولايات الخرطوم، دارفور، وجنوب كردفان.
ووفقا لبعض التقارير الأممية، فإن اثنين من كل ثلاثة مدنيين لا يحصلون على الرعاية الطبية، وان عدد من الأمهات يلدن دون مساعدة متخصصة، منا أن هناك أطفالا لا يحصلون على التطعيمات الحيوية، وأشخاصا يعانون حالات صحية تهدد حياتهم دونما علاج، وقد أشارت تلك التقارير الي أن نحو 60% من سكان البلاد البالغ عددهم 50 مليون نسمة يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في ظل أزمات صحية متفاقمة مع محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية خاصة تدهور الوضع الغذائي عامة.
كما أشارت بعض التقارير الأممية فإن نحو 20 مليون شخص بحاجة ماسة إلى الرعاية الصحية الأولية في السودان.
بالإضافة الي ما تسبّب ذلك في انتشار حالات سوء التغذية الحاد خاصة وسط الأطفال دون سن الخامسة، حيث يواجه حوالي 3.2–4.9 مليون طفل دون 5 سنوات سوء التغذية الحاد، مع 700,000–770,000 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد المتأزم وهو الشكل الأخطر الذي يزيد من خطر الوفياة.
أما في بعض المناطق مثل دارفور (أم بارو)، فان أكثر من 50% من الأطفال دون الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد، و18% منهم في حالة خطيرة قد تؤدي للوفاة في أسابيع إن لم يتلقوا علاجًا فوريًا، مع تأكيد أن مستويات سوء التغذية في بعض مخيمات النزوح مثيرة للقلق وتُعد ضمن أعلى المعدلات عالميًا حسب تقارير منظمة اليونيسف.
مع ضرورة الإشارة الي أن السبب الرئيسي في انعدام الغذاء الكافي بسبب انهيار سلاسل الإمدادات وارتفاع الأسعار مع صعوبة الوصول إلى مساعدة غذائية بصورة مستمرة في ظل عدم استمرار العون الإنساني بصورة مكثفة مما يقلل من فرص ” حماية الحياة”.
وقد أدى هذا الوضع إلى تفاقم الأزمات الإنسانية وانتشار الأوبئة نتيجة نقص الرعاية والخدمات الأساسية بالإضافة الي تدني الخدمات الصحية وعدم التغلب على ومواجهة الأوبئة مثل تفشي الكوليرا وبعض الحميات الأخرى خاصة الضنك والملاريا في ظل غياب الخدمات الصحية عامة والأدوية خاصة.
وقد بلغ إجمالي العدد التراكمي لوباء الكوليرا حتى يونيو من هذا العام 13.426 في دارفور منذ تفشي المرض وبلغ عدد الوفيات 569 حالة.
كما تجدر الإشارة الي صعوبة حصر ما تم من دمار في مناطق دارفور وكردفان حيث ما زالت الحرب مستمرة باستخدام كافة الأسلحة بما فيها المسيرات التي استهدفت مستشفى الفاشر بما فيه من مرضي بالإضافة الي الحصار الميداني الذي ادي الي ازدياد قوافل النزوح طلبا للنجاة, ومع رصد هجرة الكوادر الطبية وعدم توفر البيئة والممرات الآمنة لمن اختار البقاء رغم الحرب والعمليات العسكرية المتبادلة بين الطرفين فان ” حماية الحياة” تتراجع وتائرها .
كما تعرضت المستشفيات والمراكز التخصصية لعمليات نهب واسعة شملت الأجهزة الحيوية مثل أجهزة غسيل الكلى ومناظير الجراحة، في ولاية الخرطوم وحدها، كما تأثرت عشرات المستشفيات الحكومية والخاصة بشكل مباشر بالاشتباكات، مما أدى إلى فقدان مخزونات الأدوية المنقذة للحياة ” وزير الصحة السوداني: 11 مليار دولار خسائر القطاع الصحي “.
وفي أطار النزوح القسري اضطر آلاف الأطباء والممرضين لمغادرة البلاد أو النزوح للولايات الآمنة، مما خلق عجزاً حاداً في الكوادر المتخصصة، كما ما زالت المخاطر الأمنية قائمة باستمرار استهداف المنشآت الصحية مما يجعل العمل الطبي في مناطق النزاع خطراً للغاية خاصة في مناطق العمليات العسكرية في دارفور وكردفان الكبري حيث تم تسجيل عدد 542 من الاعتداءات العسكرية على نظام الرعاية الصحية منذ بداية النزاع وحتى نهاية عام 2024 م حسب ما أوردته منظمة الصحة العالمية.
وقد أشارت مديرة منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط إن “هذه الأزمة تمزق النظام الصحي في السودان، فلقد نفدت الإمدادات من المستشفيات، والعاملون الصحيون معرضون للمخاطر، والأمراض منتشرة في مناطق يمكننا بصعوبة شديدة الوصول إليها”.
وبذلك فأن هذه الأوضاع تعكس أن “نظام الرعاية الصحية في السودان والذي كان ضعيفا حتى قبل اندلاع الحرب والنزاع، قد بدأ في الانهيار الآن وقد وأصبحت ” الحياة ” حقيقة في خطر كبير مما يحتم زيادة المساعدات الصحية والطبية حتى في ظل هذه الأوضاع التي يمكن أن توصف بانها تمثل أكبر نكبة في تاريخ السودان الحديث.
4/ قطاع التعليم
تشير التقارير الي أن هناك كان حوالي 6.9 مليون طفل خارج المدرسة نتيجة الفقر وغياب التنمية المتوازنة مما أضعف العملية التعليمية وقد ارتفع العدد إلى حوالي 19 مليون طفل خارج التعليم في جميع أنحاء البلاد نتيجة هذه الحرب الكارثية وبسبب النزاع أو النزوح أو عدم توفر البنية التعليمية , لذلك تشير بعض من التقارير الي ما أفرزته الحرب منذ 15 ابريل 2023م من واقعا اجتماعيا وتعليميا بالغ التعقيد وتم التعامل معه بانه من اخطر النتائج غير المباشرة للصراع المسلح في تاريخ البلاد الحديث , حيث لم تقتصر تداعيات الحرب على الدمار المادي وفقدان الأرواح بل امتدت لتصيب البنية التعليمية التحتية و المعرفية للمجتمع السوداني,
كما تمت الإشارة الي أن قطاع التعليم في مقدمة القطاعات الأكثر تضررا لا سيما في أقاليم دارفور وكردفان وجبال النوبة حيث تسببت الحرب في اغلاق المدارس كليا لفترات طويلة تجاوزت في بعض المناطق ثلاث سنوات متواصلة ما أدى الى حرمان أجيال كاملة من حقها الأساسي في التعليم وخلق فجوة تعليمية عميقة ستظل اثارها ممتدة لعقود زمنية طويلة.
ووفقا لتقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف فقد أغلقت أكثر من 10 الاف مدرسة في المناطق المتأثرة بالنزاع أو تم استخدامها كمراكز أيواء للنازحين وقد قدرت بحوالي 18% من هذه المدارس مما أدى الى خروج ملايين الأطفال من المنظومة التعليمية مما يحول من العودة الطبيعية للتعليم مرة أخري.
كما أن ظاهرة التشرد قد شملت أكثر من 3 ملايين طفل مشرد داخليًا أو عبر الحدود مما يعرضهم لفقدان مستمر للتعليم.
أن التأثير العام للحرب على التعليم في السودان موضوع في غاية الخطورة حيث تشير بعض التقارير الي تضرر 40% من مباني الجامعات والكليات جزئياً أو كلياً، وهجر 20% من المعلمين والأساتذة الجامعيين مناطق عملهم، مما أثر سلباً على استمرارية وجودة التعليم.
وقد عكست إحصاءات نقابة المعلمين إلى نزوح أكثر من 8,000 معلم وأستاذ جامعي، مما قلّص الكوادر التعليمية بنسبة تزيد عن 22%, وفي دراسة اليونسكو لعام 2023 أظهرت انخفاض عدد الطلاب في الجامعات السودانية بنسبة 30% منذ بدء النزاع، وما زال ملايين الطلاب يواجهون مصيراً غامضاً مع استمرار الحرب حيث تعطلت العملية التعليمية كلياً، وتحولت مئات المدارس في المناطق الآمنة إلى معسكرات إيواء تحتضن الاسر التي نزحت من مناطق القتال.
وتشير تقديرات حديثة الى ان ما بين 120 جامعة متوقفة قد تم تدمير 6 جامعات تدميرا كاملا ( 4 منها في دارفور ) , هذا بالإضافة الي تأثر أكثر من 500 الف طالب ,
وما زالت مجهودات تبني خطط استمرارية التعليم الجامعي محفوفة بجملة من المخاطر حسب بيانات لجنة المعلمين , خاصة وان هذه المجهودات تعكس البعد الاجتماعي- الطبقي حيث يتم التركيز علي بعض الأماكن الآمنة مع الإهمال الكامل للمناطق الأخرى خاصة مخيمات اللاجئين حيث تقف ارتفاع تكاليف الدراسة ورسوم الامتحانات امام العديد من الاسر لدعم استمرار مسيرة التعليم ” معسكر كيريادنقو” في كمبالا خير مثال لذلك .
أن هذه التقارير بما فيها من أرقام تشير الي أن هذه الحرب الكارثية قد أدت إلى انقطاع كامل أو جزئي للتعليم لمعظم الأطفال في مناطق النزاع، وأن هناك جيل كامل يواجه خطر فقدان سنوات التعليم الأساسية ما ينعكس سلبًا على مستقبل العمالة، التنمية، والصحة العامة في السودان لسنوات عديدة قد تمتد الي عقود،
خاصة وان استخدام المدارس كملاجئ وانعدام الأمن التعليمي يجعل من إعادة بناء النظام التعليمي تحديًا كبيرا حتى بعد انتهاء وقف الحرب.
ومن المؤكد أن هذه الأزمة السودانية تلقي بظلالها الثقيلة على التعليم، مما يستدعي جهوداً مضاعفة من جميع الأطراف لضمان استمرارية العملية التعليمية حتى في ظل هذه الظروف الصعبة وحالات الطوارئ لان التعليم حق وأحد مرتكزات ” الحياة ”
5/ الاثار البيئية
بدأت تزداد المخاوف من حدوث تأثيرات بيئية كارثية في العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى بسبب التلوث الكيميائي، في ظل تحذيرات من حكومة الامر الاقع في بورتسودان مما أدي الي ان زيادة المشهد وضوحا,
وتشير بعض التقارير الأولية إلى وجود تلوث كيميائي في نحو 30 حيا سكنيا وإداريا في المناطق الواقعة بين القصر الجمهوري وجامعة الخرطوم شمالا، وحتى الحدود الجنوبية لأحياء الخرطوم شرق،
وكان سكان محليون في شمال دارفور قد نشروا صورا تظهر جثثا محترقة ومنتفخة، وخزانات مياه تغير لونها وهناك قذيفة مكتوب عليها أنها تحتوي على غاز وأدي ذلك الي تصاعد الحذر من خطورة محاولة إخفاء حقيقة استخدام الأسلحة الكيمائية، والتأخر في توضيح الحقائق ومعالجة التأثيرات المحتملة.
ومن هنا جاءت المطالبة إلى أهمية السماح بدخول فريق الخبراء الدوليين التابعين للأمم المتحدة لمعالجة آثار هذا السلاح، مع الإشارة الي الحذر من أن تكون خطة تنظيف العاصمة من آثار الأسلحة الكيميائية قد تتطلب مدة زمنية تصل إلى 40 عاما حسب تقديرات الخراء في هذا المجال .
خلاصة
هذا الإطار المفاهيمي يركز في ضرورة ” حماية الحياة أولا ” ويهدف الي التنبيه بان تداعيات الحرب وما عكسه واقع الحال الان يؤكد بما يدع مجالا للشك ان الدمار الذي أصاب عصب “الحياة” في السودان نتيجة هذه الحرب الكارثية والتي أدت الي تدمير مدن وأحياء سكنية كاملة مع سقوط آلاف المدنيين ونزوح ولجوء ملايين السودانيين وتدمير البنية التحتية عامة والخدمية خاصة قطاعي الكهرباء والمياه نتيجة العمليات العسكرية المتبادلة بين طرفي الحرب مما أدي كذلك الي انهيار شبه كامل للنظام الصحي والتعليمي.
ختاما أن هذه الأوضاع ذات الارتباط الجدلي والعميق بمنظومة حقوق الانسان في “الحياة ” تفرض التعامل المسئول والدعوة الجادة لمنهج ” حماية الحياة أولا ” مستندا علي المطالب الاتية:
1.الوقف الفوري والشامل للحرب دون أي شروط مسبقة مع الالتزام الكامل بالقانون الدولي الإنساني بما في ذلك التفكير العملي في حماية حياة المدنيين والمرافق المدنية الحيوية لأنها تشكل أساس ” حماية الحياة ”
العمل على تسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق وإزالة كافة القيود والشروط لضمان وصول الدعم المنقذ للأرواح إلى المحتاجين والضغط على أطراف الحرب للعودة إلى طاولة المفاوضات من أجل انقاذ وحماية حياة الانسان،
3.خلق الالية الدولية – الإقليمية للمراقبة والمحاسبة لكافة أطراف الحرب خاصة التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية أو تستهدف المواطنين والمرافق المدنية التي تشكل ضمانات ” حماية الحياة ” مع التأكيد على عدم إفلات مرتكبي كافة الانتهاكات من العقاب.
دعم وأعاده بناء القطاعات الأكثر انهياراً مثل الرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي والكهرباء مع توفير الدعم اللازم للمبادرات المحلية القاعدية التي تُشكل خط الدفاع الأول ضد الكارثة الإنسانية.
لإعادة نشاط القطاعات الإنتاجية خاصة في المناطق الريفية يجب ضمان استعادة النشاط الاقتصادي والاجتماعي مما يؤدي الي توسيع وضمان مشروع الاستقرار الذي يحمي حياة وكرامة الانسان.



