مقالات سياسية

لا ثورة بلا عدالة.. ولا عدالة بلا ثورة

صلاح شعيب
ما بذل في ملف العدالة ما بعد الثورة مخزٍ، بل تحس حقا أن التعامل مع هذا الملف المهم شابه التواطؤ المبيت أكثر من عدم القدرة على التعامل معه بجدية. فلا النائب العام، ولا رئيسة القضاء، كانا في مستوى التطلعات العادية ناهيك عن الثورية. فساحات العدالة بعد الثورة كان ينبغي أن تأخذ ملمحاً ثورياً من حيث صياغة القوانين الجديدة، ومحاكمة الفاسدين، والقتلة والمجرمين، وتسليم رأس النظام السابق، ومجرمي الحرب للمحكمة الجنائية الدولية فورا.
ولكن بدا أن قوى الحرية والتغيير قايضت بتعييناتها حلمنا بالترام. فجاء أداء تاج السر الحبر، ونعمات عبدالله، ضعيفا، وزاد الأمر ضغثا على إبالة التواطؤ في تشكيل المفوضية العدلية ضمن الاستحقاقات الدستورية، وعدم الإسراع بتشكيل مجلس القضاء الأعلى، والمماطلة في تشكيل المحكمة الدستورية، والاعتماد على قوانين النظام المباد التي تمنع إجراءات ثورية ضرورية لبناء البلاد بالوجهة التي تتخلص من الإرث الكالح في مجالات الخدمة العامة، والقطاع الخاص.
ومن سخرية القدر أن بعض الوزراء يحاجون بعدم تجريف الخدمة المدنية وتنظيفها من التكفيريين، والمؤدلجين من غير الكفوئين، امتثالا للقوانين. ذلك برغم أن الثورة قوضت دستور النظام برمته، والذي يتعالى على قوانينه المفسرة!
بعد قرابة عامين ما يزال قتلة الشهيد أحمد خير بلا تنفيذ للحكم الصادر ضدهم برغم أن التقاضي قد استوفى كل شروطه، وتمت إدانة القتلة، ورفض أهل الدم الضغوط لقبول الدية. أما ما تعلق بفض الاعتصام فحدث ولا حرج. فدوننا الغموض الذي يكتنف نتيجة التحقيقات التي اضطلع بها المحامي نبيل أديب، وما وصلت إليه إجراءاته في هذا الجانب. كما أن رئيس الوزراء الذي عينه يكاد بمشاغله الخارجية قد نسي أن لا أولوية تعلو لأسر الشهداء الذين نصبوه غير أولوية القصاص. ففترة عامين لموكله كانت كافية جدا للخلوص من مهمته. ولكن حتى هذه اللحظة لا يدري الرأي العام متى تنقضي المهمة حتى يقدم الجناة للعدالة.
إن ما من مجال تعمم فيه الفساد مثل مجال العدالة في الثلاثة عقود الماضية. فالفساد فيه معروف على مستوى الكادر، والقوانين، والمحاباة. ولذلك لا معنى لقيمة هذا الجهد المبذول في هذا الملف لو أن عامل التباطؤ والتراخي سمة التعاطي معه. فقد كان ينبغي أن يجد اليسر في التقاضي تقديرا كبيرا من الحاضنة السياسية، ومجلس الوزراء، والحاجة الآن لتثوير هذا المرفق عبر قرارات عاجلة لإصلاح المؤسسات المعنية، واختيار نائب عام، ورئيسة قضاء، يمثلون الثورة، وليس الكادر الموجود الآن في المؤسسات العدلية، والذي في معظمه ناتج الايديولوجيا، والمحاباة، والضعف المهني.
لقد تواضع معظم خبراء القانون في البلاد على حقيقة أن البيئة العدلية خربة للاضطلاع بمحاكمة المجرمين، ودعوا لتسليم البشير وأعوانه للمحكمة الجنائية الدولية. ولكن ظلت المماطلة البئيسة ديدن شركاء السلطة بشأن هذا الأمر.
وللأسف لم تسع الحركات المسلحة التي قدم قادتها طلب الحصول على الوظيفة قبل طلب الحصول على العدالة للاقتصاص لمواطنيها الذين أهدرت دماؤهم أثناء فترة الحرب. ولم نر ضغوطا استخدمتها الحركات في التفاوض كي يكون تسليم البشير وأعوانه للمحكمة الدولية قبل حضور وفودهم العائدة للداخل. وهكذا لم يكن قادة الحركات المسلحة إضافة حقيقية للسلطة للتعجيل بالعدالة على المستوى القومى ما دام أهلهم ذاقوا طعم الظلم الذي لا بد أن يجعلهم نصيرين للمظلومين عند كل منعطف، ومنحنى.
لقد تابعنا الجرائم التي ارتكبت بعد سقوط نظام البشير في العاصمة، ومناطق النزاع، وأماكن أخرى، فضلا عن الأحداث المتصلة بأمن المواطنين. ومع ذلك لم تفلح الدولة في تقديم الجناة للعدالة لتصدر أحكامها بشكل عاجل. كل ما في الأمر أن التسويف في الإجراءات العدلية هو الملمح الأبرز في عدم إقامة فسطاط العدل.
لا نشك أبداً أن هناك قوى شريكة في السلطة متهمة بالتورط في كثير من الجرائم التي ارتكبت في فترة النظام السابق، وبعد سقوطه، ولذلك لديها المصلحة في تعطيل ملف العدالة الداخلية والخارجية. ومن هنا يظل العائق ماثلا أمام التقاضي في بلادنا إلا إذا توفرت إرادة حقيقية لدى المسؤولين عن البلاد في بسط أشرعة العدالة.
لقد أفسد النظام السابق جميع المؤسسات الحكومية من معانيها تماما بعد أن أدلج كوادرها، وبالتالي لم تكن مجالات العدالة استثناءً، بل هي التي ساهمت في تقنين الفساد في الحكم، والتوجه، وفي الواقع العام. ولذلك لا نرى أن هناك جدية لدى المسؤولين الآن بتثوير مجالات العدالة، والتي تبدأ باختيار نائب عام، ورئيس قضاء، موثوق فيهما، ومعروفين بمواقفهما الثورية، ومؤتمنين في شخصهما، ومتحلين بالشجاعة في تعبيد الطريق نحو العدالة عبر إجراءات ثورية تبدأ من المؤسستين ذاتهما.
بخلاف أن الثورة نشدت العدالة بشكلها المطلق والمخصوص تجاه الجرائم التي ارتكبت – قبل سقوط النظام وبعده – فليس أمام الثوار إلا مقاومة كل أشكال التراخي في هذا الملف المهم، وذلك عبر الأشكال السلمية كافة. فلا ثورة بلا عدالة. ولا عدالة بلا ثورة.
زر الذهاب إلى الأعلى