دمعة على السبورة… حين يُفرش التاريخ على الأرض

بقلم: حسن عبد الرضي
ما يروج، هذه الايام، على وسائط التوصل، لم يكن مجرد قصة عابرة من سوق بربر، بل كان مرثية كاملة لوطنٍ انكسرت فيه الموازين، حتى صار المعلم—حامل مشاعل الوعي—يفترش الأرض، يبيع البصل، بينما تُباع معه هيبة التعليم قطعةً قطعة.
في تلك الصورة التي رسمها كثير من المعلمين والناشطين، لا نقف أمام “الأستاذ يوسف” وحده، بل أمام تاريخٍ كاملٍ أُنزِل من سبورته، ووُضع على قارعة السوق. مدير مدرسةٍ ثانوية، كان يُنظّم الطابور الصباحي، صار اليوم يُرتّب أكوام البصل، وكأنما تُعاد صياغة المعنى نفسه: من ترتيب العقول… إلى ترتيب البضائع.
المشهد الذي التقطته بصيرة المشفقين بعين دامعة، هو في حقيقته مشهد أمةٍ فقدت بوصلتها. السوق الصامت، الوجوه المرهقة، الشمس الخجولة… كلها لم تكن تفاصيل عابرة، بل كانت انعكاساً دقيقاً لانكسار داخلي عميق. حتى الحديث الافتراضي بلسان “حبوبة” التي نطقت بالحكمة، لم تكن مجرد شخصية، بل ضمير شعبٍ يصرخ في وجه العبث.
حين قالت: “لقيتو التاريخ مفروش في الأرض؟” لم تكن تشير إلى رجل، بل إلى قيمة. إلى مكانة المعلم التي سقطت من عليائها، حتى صار التفاوض والمساومة اليومية على سعر البصل، بديلاً عن الحوار في قضايا الفكر والمعرفة.
ولم يكن الألم في امتهان العمل—فالعمل شرفٌ في كل حال—بل في الإهانة التي لحقت بالمعلم. إهانة لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد لتصيب الدولة نفسها في مقتل. فالدولة التي تُهين معلميها، إنما تُعلن—دون أن تدري—سقوط مشروعها الحضاري.
أما الطعنة الأكثر وجعاً، فجاءت من قلب القصة: “نقابة الظل”. حين يتحول من يفترض به أن يكون صوت المعلم، إلى جزءٍ من السلطة التي تُثقل كاهله، يصبح المشهد عبثياً إلى حد السخرية السوداء. كيف يُدافع الخصم عن ضحيته؟ وكيف تُطلب العدالة ممن يملك مفاتيح الظلم؟
لقد لخّصت “حبوبة” الافتراضية المأساة بعبارة قاطعة: “الزول المفروض يدافع عنك… بقى الزول البتدافع منو!” وهي ليست مجرد جملة، بل تشخيص دقيق لانهيار البنية النقابية، وتحولها من أداة حماية إلى أداة احتواء وإسكات.
في سوق بربر، لم يكن الأستاذ يوسف وحده. كان هناك “فصل كامل مفروش”—كما قالت حبوبة. معلمون يحملون الشوالات، ومعلمات يبعن الخضار، وأساتذة لغة إنجليزية يستبدلون “Good morning students” بنداء “تعال يا زبون”. إنها ليست تحولات فردية، بل هجرة جماعية قسرية من مهنة التعليم إلى هامش الحياة.
وهنا تتجلى المأساة في أبشع صورها: حين يصبح البقاء نفسه مشروطاً بالتخلي عن الرسالة.
إن ما وثّقته الميديا ليس قصة نصفها حقيقة، بل حقيقة كاملة نصفها لا يُحتمل. هو جرس إنذار أخير: إذا استمرت إهانة المعلم، فإننا لا نفقد التعليم فحسب، بل نفقد القدرة على النهوض من الأساس. فالمعلم ليس موظفاً عادياً… بل هو صانع الإنسان. وإذا أُهين صانع الإنسان، فمن يصنع المستقبل؟ لقد تركتنا “حبوبة” بكلمتها الأخيرة، التي ينبغي أن تُكتب بماء العيون: “إهانة المعلم… ما بتقيف عندو… بتمشي لحد الدولة… تخليها هوان.”
وهكذا، لم يعد دكان البصل مجرد مكانٍ للبيع، بل صار شاهداً على زمنٍ انقلبت فيه القيم، حتى صارت “البصلة أغلى من تاريخ الأستاذ”.
أي وطنٍ هذا… الذي يساوم على معلميه؟ وأي مستقبلٍ يُبنى… فوق هذا الركام؟



