مقالات وآراء

البرهان و”حميدتي” ماذا بعد وفاتهما: خمسة عشرة توقعات متوقع حدوثها.

بكري الصائغ

مقدمة: الموت حق على الجميع ولن ينجو احد منه شئنا ام ابينا، وكل الذين توفاهم الله تعالى برحمته من انبياء ورسل و اباطرة وملوك ورؤساء وبشر وناس عاديين، كانوا هم “السابقون ونحن بهم اجلا او عاجلا لاحقون”، وقال الله تعالى “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”، وقال أيضا “أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ”، نظرة شاملة تعتبره انتقالاً من دار إلى دار، وليس فناءً مطلقاً. تكررت مادة “الموت” ومشتقاته في القرآن عشرات المرات، وتوزعت دلالاته بين حتميّة النهاية، وابتلاء العباد، مظاهر قدرة الله تعالى، وفي الدين المسيحي، يُنظر إلى الموت على أنه انتقال من الحياة الأرضية المؤقتة إلى الأبدية، وليس نهاية للوجود، وهو مقسم إلى شقين: الموت الجسدي (انفصال الروح عن الجسد) والموت الروحي (الانفصال عن الله بسبب الخطية)، يُطلق في العهد الجديد على موت المؤمنين مصطلح “الرقاد” نظراً لوجود رجاء القيامة.

جرت العادة منذ قديم الزمان وحتى اليوم، انه عندما يموت الشخص العادي وينتقل الى الدار الاخرة، يكون موته حدث عادي لا يثير الانتباه، وظاهرة طبيعة لا نتوقف عندها كثيرا، ولكن العكس تماما يحدث عندما يتوفى شخصية كبيرة كانت تحتل مكانة هامة للغاية فى الدولة، فمن ماتوا سابقا من اباطرة و قياصرة وملوك، لم تمر وفاتهم مرور الكرام مثلها مثل مواطن عادي، فحتي اليوم رغم مرور عشرات الآلاف من السنين، مازلنا نتذكر بعض العظماء مثل بعانخي وترهاقا، والاسكندر الاكبر، ويوليوس قيصر، وفرعون، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطو.. ماتوا وتركوا خلفهم انجازات ايجابية وآثار عديدة قيمة شعوب بلادهم.

توجد في السودان ومنذ قديم الزمان، ظاهرة ليست بالغريبة بل هي اكثر من عادية، وتكمن هذه الظاهرة، في أن كل كبار الشخصيات المرموقة، والرؤساء الذين حكموا البلاد لفترة طويلة، وتغمده الله برحمته، ما عدنا نذكرهم بشكل كبير، وهناك الكثيرين منهم خرجت من الذاكرة صورهم واشكالهم وانجازاتهم، وخرجوا من حياتنا بعد اربعين يوم من دفنهم.

بعد المقدمة، اسال اسئلة اكثر من عادية، طالما الموت حق علي الجميع ولا يستثني أحد، يا تري كيف سيكون حال السودان بعد وفاة البرهان و”حميدتي”؟!!، ما هي التوقعات التي ستحدث علي الصعيد الداخلي والخارجي، وبصورة خاصة علي المستوي الشعبي؟!!، ويا تري سنقول بعد رحيلهما “بلا وانجلى”؟!!
فى ظل الحرب التي دخلت شهرها الـ(٤٠)، وانتقلت المعارك المستمرة بلا توقف من أسلحة تقليدية الي مسيرات مبرمجة وصواريخ أرض جو وبراميل البارود، ما هي التوقعات العشرة، التي حتما إحداها متوقع حدوثها فور مغادرة البرهان و”حميدتي” الدنيا؟!!

التوقع الأول/- في حال وفاة البرهان، تؤول كل السلطات في البلاد بصورة تلقائية إلى مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة بحكم انه الرجل الثاني في السلطة بعد الرئيس الراحل بما في ذلك سلطته علي القوات المسلحة والمؤسسة العسكرية، ويتم تعيين عقار رئيسا مؤقتا علي مجلس السيادة بموافقة أعضاء المجلس بشقيه الجناح العسكري والمدني.

التوقع الثاني/- حتما وبعد وفاة البرهان، سيكون هناك اعتراض قوي من غالبية الضباط والقياديين العسكريين بقاء عقار رئيسا للبلاد -علي اعتبار أن منصب النائب الاول الذي منحه البرهان العقار قد تم من وراء ظهر المؤسسة العسكرية، وتم تعيينه من غير موافقة الغالبية العظمى من الضباط والقياديين في القوات المسلحة-، وانه يجب أن تؤول رئاسة مجلس السيادة لجنرال من بينهم، يتم اختياره من العسكر، وهو من سيكون الرئيس الجديد للبلاد في المرحلة القادمة، والاستمرار في البقاء بالسلطة حتى نهاية الفترة الانتقالية ونهاية الانتخابات القادمة.

التوقع الثالث/- هناك مشكلة أخري عويصة ستكون محل جدل ونقاش حاد في الساحة السياسية والعسكرية ، فكلنا علي دراية تامة، أن مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة، ديانته المسيحية على الرغم من أن جذوره الأسرية تعود إلى خلفيات صوفية إسلامية، إلا أنه اعتنق الديانة المسيحية، وهو الأمر الذي يُعد معلوماً وواضحاً في مسيرته وتصريحاته السياسية، وهنا لن يجد عقار أي دعم او سند من الاسلاميين وتنظيم الحركة الاسلامية في استمرار عقار -الغير مسلم- بمنصبه الجديد.

التوقع الرابع/- حاليا، بكل المقاييس، يعتبر الفريق أول ركن/ ياسر العطا هو قوي شخصية في السلطة الحاكمة بالسودان، والذي يحكم جيش وقوات مسلحة ضاربة، ولا استبعد أن يقوم العطا وبعد وفاة البرهان بانقلاب عسكري سريع حتي لا يعطي الاخرين فرصة التفكير في رئيس جديد، المعروف عن العطا، انه شخصية متهورة للحد البعيد وطموحاته دوما عالية، ولن يقبل بأي حال من الاحوال ان يكون عقار رئيسا، ولا برفيق السلاح كباشي أن يكون الرجل الثاني في السلطة، احتمال العطا ان يقوم بعمل انقلاب عسكري، متوقع بنسبة (٨٠%)، وسيلقي دعم من الضباط الاسلاميين، والفلول والحركات المسلحة الاسلامية.
فبعد رحيل البرهان، لن يرضي ياسر أن يكون مجرد ضابط مثله مثل الاخرين بعد الشهرة التي نالها و نشرت له الصحف الكثير من الأخبار والمقالات التي أبرزته كبطل قومي و”سوبرمان” السودان.

التوقع الخامس/- لن يتنحى مالك عقار عن منصبه في السلطة، وسيقوم بحل مجلس السيادة واعفاء الاعضاء فيه، وتشكيل مجلس جديد موسع يضم شخصيات عسكرية ومدنية ذات كفاءة وقدرة على إدارة البلاد، وعلى ان يأمل المجلس الجديد قد جمع كل الوان الطيف السوداني.

التوقع السادس/- من المتوقع بشدة، أن يكون هناك رأي شعبي علي نطاق واسع من قبل ملايين السودانيين، وهذا الرأي يتمثل في أن يكون رئيس مجلس السيادة شخص مدني وليس من ينتمون للعسكرية، على اعتبار أن الشعب قد جرب حكم جنرالات مجلس السيادة، ومن قبلهم جنرالات المجلس العسكري الانتقالي السابق، وقد فشلوا فشل ذريع خلال السنوات السبعة أعوام الماضية علي حكم البلاد بالنزاهة والامانة، وهم اليوم نفس الجنرالات والضباط الدائمين في السلطة، الذين اوصلوا السودان الي هذا الحال البائس، بالطبع الشعب بكل طوائفه وتنوع الأطياف والأعراق لن يرضى باي حال من الأحوال أن تؤول السلطة القادمة جنرالات جدد، والذين حتما سيكون نفس المأساة التراجيديا ان آلت السلطة لهم مجددا، بل سيكونون أسوأ الف مرة من البشير والبرهان.

التوقع السابع/- بعد رحيل البرهان، سترتفع أصوات الضباط والقياديين العسكريين في القوات المسلحة تطالب زملائهم الضباط الاسلاميين و المنادين باستمرارية المعارك حتى اخر جندي، بوقف الحرب العبثية التي خربت البلاد وشردت الملايين، وانهكت الجيش وأضعفت قوته إلى حد بعيد، بسبب تصرفات البرهان التي كان الهدف من ورائها تفكيك المؤسسة العسكرية، وقام بطرد وعزل الالاف من الكوادر المتخصصة والنادرة، اصوات الضباط القياديين العسكريين الذين يطالبون بوقف القتال، ستكون هي الاقوى والاشد في الساحة العسكرية.

التوقع الثامن/- بعد وفاة البرهان، ستنشط كل الحركات المسلحة والمنظمات الدينية في سعيها الحصول علي اكبر قدر من “كعكة” السلطة القادمة، ولا تسقط هذه القوى العسكرية والدينية المتعددة الانواع من (قعر القفة) كما كان الحال في زمن حكم البرهان، بالطبع سيكون هناك تهديد بالسلاح وفوضى عارمة في حال عدم دخول هذه الحركات المسلحة والدينية في مجلس السيادة الجديد وفي الحكومة الانتقالية بجهاز الأمن.

السيناريو التاسع/- في ظل غياب البرهان والفوضى العارمة التي حتما ستعم البلاد من ادناها الى اقصاها بعد موته، وانشغال الناس والاحزاب والمعارضة والحركات المسلحة ومجلس السيادة والحكومة – كالعادة – بالمواضيع الفارغة والمناقشات البيزنطية، والمؤتمرات والندوات الفاشلة المملة على حساب الأولويات الواجب اتخاذها، في ظل الفوضى العارمة قد تتوسع مساحة حجم الأراضي التي ستخضع لقوات “الدعم السريع”.

السيناريو العاشر/- لن يتغير شيء في السودان بعد رحيل البرهان ،وسيظل كل شيء في جهاز الخدمة المدنية والعسكرية على حاله القديم بدون تغيير او تعديل، وتستمر الحرب بلا توقف تدعمها بشدة الحركة الاسلامية والضباط الاسلاميين، وسنسمع كل يوم عن مؤتمرات محلية ودولية لوقف الحرب ومساعدة اللاجئين مع ازدياد أعدادهم داخل وخارج السودان.

التوقع الحادي عشر/- في حال وفاة “حميدتي”، قد تؤول قيادة قوات “الدعم السريع” بكل سهولة ويسر إلى شقيقه الفريق عبدالرحيم دقلو.

التوقع الثاني عشر/- بعد وفاة “حميدتي”، قد تتعرض قوات “الدعم السريع” إلى هزة شديدة في حال آلت الأمور لعبدالرحيم دقلو، وستكون هذه الهزة، بسبب رفض قيادات رئيسية كبيرة داخل الدعم ان تؤول القيادة لعبدالرحيم، وان قوات الدعم ليست (قطاع خاص) تابع لآل دقلو، يتوارثون الدعم فيما بينهم.

التوقع الثالث عشر/- قد تتعرض قوات “الدعم السريع” الي مزيد من الانشقاقات داخلها، بسبب التمييز والتفرقة بين المكونات القبلية داخلها، ويُعد التمييز والتفرقة بين المكونات القبلية في السودان ظاهرة معقدة تنشأ غالباً بسبب “العصبية القبلية”، وهي سلوك منحاز يفضل أبناء القبيلة الواحدة ويقصي الآخرين. يولد هذا التعصب تفاوتات مجتمعية وسياسية خطيرة، وله أبعاد.

التوقع الرابع عشر/- في حال وفاة البرهان قبل “حميدتي”، قد يلجأ الاخير الي وقف القتال بصورة نهائية، والمساعدة في نقل المؤن والغذاء للمناطق المتأثرة بالجوع وعودة اللاجئين لمناطقهم، وان “حميدتي” لن يتردد بالاعتراف التام باي رئيس قادم يحكم السودان، بشرط أن تعترف السلطة الجديدة اعتراف كامل وصريح بقوات “الدعم السريع” كفصيل عسكري قائم بذاته ولا علاقة له بالقوات المسلحة، تماما كما كان الحال في اعوام حكم البشير والمجلس العسكري الانتقالي، والا في حال عدم الاعتراف بالدعم مؤسسة عسكرية قائمة بذاتها، فإن الحرب ستستمر بلا توقف ضد السلطة الجديدة ايا كان شكلها مدنية او عسكرية.

التوقع الخامس عشر/- صعوبة هذا التوقع، انه لا يمكن بأي حال من الأحوال لأي عاقل، ان يفرض “حميدتي” شروطه علي أصحاب السلطة الجديدة، و يطالبهم بالاعتراف الكامل بقوات “الدعم السريع” كفصيل عسكري قائم بذاته ولا علاقة له بالقوات المسلحة لا من قريب او بعيد، فهذا يعني، انه في حال قبول السلطة الجديدة شروط “حميدتي”، فإن السودان يصبح حاله مثل حال دولة لبنان التي فيها جيش وطني وجيش، وجيش اخر اسمه “حزب الله”، او مثل حال ليبيا، التي فيها جيش وطني وجيش خليفة حفتر، حال السودان يصبح مثل حال اليمن، فيها جيشين، واحد وطني والثاني حوثيي، شرط “حميدتي” يمكن أن يتحقق في حالة واحدة، اذا فاز في الحرب، والنهي حكم البرهان وأصبح هو القوة العسكرية الوحيدة في السودان.

التوقع السادس عشر/- في حالة وفاة البرهان و”حميدتي”، سينشط المكون المدني في الوسط والشمال من أجل استعادة أرضيته التي فقدها بسبب اجراءات البرهان القمعية التي استهدفت كل انجازات تمت بعد انتفاضة ابريل ٢٠١٩، وتنشط أيضا الحركات المسلحة في دارفور وكردفان بصورة اكبر عن ذي قبل، من أجل بسط نفوذها الذي فقدته على مناطق التعدين.

التوقع السابع عشر/- كل فروع المؤسسة العسكرية لن تلتزم بالحياد ونبذ السياسة، ولن تكون مؤسسة قومية تعمل من أجل الوطن الواحد، بل ستبقي كما هي الان علي حالها القديم، مؤسسة “مسيسة” بلا تغيير او تعديل تابعة للرئيس الذي يجيء بعد وفاة البرهان.

التوقع الثامن عشر/-أسوأ ما في التغيير القادم بعد وفاة البرهان و”حميدتي “، هو عودة السياسيين القدامى الذين أكل الدهر عليه وشرب، ويصرون وهم يتكئون علي عصاه، انهم ما زالوا شباب وعندهم القوة والنشاط، يحملون أفكار جديدة تصلح لبناء وطن جديد.

التوقع التاسع عشر/- في ظل الفراغ السياسي الذي سيصاحب وفاة البرهان و”حميدتي”، وعدم وجود “اتفاق عسكري مدني” يمهد لمجلس سيادة جديد، وحكومة انتقالية مختارة من الشعب، ستنشط حكومات دول الجوار وبعض الدول الأخرى لابقاء الحال المائل في السودان على حاله المتدهور حماية لمصالحها، وخوفا ان تقوم الحكومة الانتقالية الجديدة بارجاع ملايين اللاجئين والوافدين الأجانب إلى بلدانهم الاصلية -(اثيوبيا، ارتيريا، السودان الجنوبي، تشاد، اوغندا، كينيا، أفريقيا الوسطي)-، وهذه الدول الافريقية ليست استعداد لاستقبال من خرجوا.

التوقع العشرين/- فور وفاة البرهان و”حميدتي”، قد تنشط عمليات ثأر كثيرة لا تحصي ولا تعد، وتخرج للعلن احقاد دفينة مملوءة بالغضب العارم ضد شخصيات عسكرية ومدنية ارتكبوا بدم بارد ابشع جرائم الاغتيالات والاغتصابات والتعذيب في حق اسر وعوائل وافراد وجماعات، خاصة في مناطق بولايات دارفور وكردفان.

واخيرا/- من الاهمية القول، انه يجب علي كل السودانيين بلا استثناء من الان وصاعدا، ان يتدارسون ويفتكروا بعمق شديد وبوعي كامل، وبعيد عن العنصرية والعصبية القبلية في كيف سيكون شكل السودان الجديد القادم بعد رحيل البرهان و”حميدتي”، وانه ما لم نقوم نحن السودانيين اليوم وبصورة عاجلة وجادة بهذا العمل الوطني الكبير و نتحد ونتكاتف من اجل بناء سوداني ديموقراطي علماني فيه كل المواطنين سواسية في الحقوق والواجبات، فسنجد أن السودان غدا اسير طروحات اجنبية تسري في البلاد، وما الحال المزرى في ليبيا والعراق واليمن ببعيدة عن الأنظار.

‫2 تعليقات

  1. بين ليبيا والسودان والعراق واليمن وثبة إلى الأمام فوق هامة الزمن كالأسود لا نهن !؟

  2. و الله انا اللي شايفه اذا مات البرهان هذه الايام فالقوي من العساكر سيأكل الضعيف و يكون هو الرئيس
    و اذا مات حميدتي فان احتمالات سيطرة اخيه عبدالرحيم على الوضع ففتي ففتي يعني 50%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..