مقالات وآراء

العالم يحبس أنفاسه بين سباق التسلح وسباق إنقاذ المناخ

عبد الله خليل

لم يعد الاحتباس الحراري قضية بيئية مؤجلة إلى المستقبل، ولا مجرد تحذيرات يطلقها العلماء في مؤتمرات المناخ. لقد أصبح واقعًا ملموسًا تتجلى آثاره في ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد موجات الجفاف والفيضانات، وتراجع الأنهار والبحيرات، وذوبان الأنهار الجليدية والقمم الجليدية، وارتفاع مستوى البحار. وتؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن السنوات الأخيرة شهدت استمرارًا في ارتفاع الحرارة وتراجع الجليد والأنهار الجليدية، مع آثار متزايدة على الأمن الغذائي والمياه والمجتمعات وتاخر مواسم الامطار ، والجفاف الذي ضرب معظم المناطق.
ذوبان القمم الجليدية… إنذار يتجاوز الجبال
تمثل القمم الجليدية والأنهار الجليدية أحد أهم مخازن المياه العذبة على سطح الأرض. ولذلك فإن تراجعها لا يعني فقط فقدان منظر طبيعي أو تغيرًا في النظم البيئية، بل يعني تهديدًا مباشرًا لمصادر المياه التي تعتمد عليها ملايين البشر.
وقد يبدو ذوبان الجليد في بدايته وكأنه يؤدي إلى زيادة المياه في الأنهار، لكنه يحمل مفارقة خطيرة: فالمياه قد تزداد مؤقتًا نتيجة التسارع في الذوبان، ثم تبدأ في الانخفاض عندما تتراجع الكتلة الجليدية التي تغذي الأنهار خلال مواسم الجفاف. وهذا ما حذرت منه تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التي ربطت تراجع الأنهار الجليدية بمخاطر قصيرة الأجل مثل الفيضانات، وبمخاطر طويلة الأجل على أمن المياه.
ومن هنا فإن انحسار المياه الذي تشهده مناطق مختلفة من العالم ليس ظاهرة منفصلة عن أزمة المناخ. فارتفاع الحرارة يغير دورة المياه نفسها: فترات جفاف أطول في بعض المناطق، وأمطار أكثر شدة وتطرفًا في مناطق أخرى، وتراجع القدرة على التنبؤ بمصادر المياه ومواسمها.
الآثار التي نراها اليوم
الآثار لم تعد افتراضية. فالجفاف يضغط على الزراعة والثروة الحيوانية، وتراجع المياه الجوفية يهدد المدن والمناطق الريفية، وارتفاع الحرارة يزيد الضغط على شبكات الكهرباء والصحة العامة. وفي المقابل، تؤدي الأمطار الغزيرة المفاجئة والفيضانات إلى تدمير البنية التحتية والمحاصيل والمساكن كما حدث في النيبال.
وفي أفريقيا، على سبيل المثال، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بأن الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة أثرت في عام 2025 في ما لا يقل عن 13 مليون شخص، مع آلاف الوفيات المسجلة، بينما تجاوز ارتفاع مستوى سطح البحر في بعض السواحل الأفريقية المتوسط العالمي منذ عام 1999.
وهذه المفارقة هي أحد أخطر وجوه تغير المناخ: المياه لا تختفي بالضرورة من العالم، وإنما تصبح أكثر اضطرابًا في توزيعها؛ فيضانات مدمرة في مكان، وجفاف قاتل في مكان آخر، وانحسار تدريجي للمصادر المائية في مناطق كانت تعتمد تاريخيًا على الثلوج والأنهار الجليدية.
ماذا ينتظر العالم؟
إذا استمرت الانبعاثات المرتفعة، فإن المخاطر ستتراكم. ارتفاع مستوى البحار سيضع المدن والمناطق الساحلية المنخفضة أمام تكاليف متزايدة لحماية السكان والبنية التحتية. وسيزداد الضغط على الزراعة، خصوصًا في المناطق التي تعاني أصلًا من ندرة المياه.
أما الدول الفقيرة، فالمشكلة أكثر قسوة؛ لأنها غالبًا الأقل قدرة على بناء السدود وشبكات الري ومحطات التحلية وأنظمة الإنذار المبكر وحماية المدن الساحلية. ولذلك فإن تغير المناخ لا يمثل أزمة بيئية فحسب، بل يتحول تدريجيًا إلى أزمة اقتصادية وإنسانية وأمنية.
مسؤولية الدول الكبرى: قانون أم أخلاق؟
هنا تبرز المسألة الأكثر حساسية: هل تتحمل الدول الصناعية الكبرى مسؤولية خاصة؟
الإجابة لا تقوم على فكرة أن بقية الدول معفاة من المسؤولية. فالاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ تقوم على مبدأ “المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة والقدرات ذات الصلة”؛ أي أن جميع الدول مطالبة بالعمل، لكن حجم المسؤولية والقدرة على التحرك يختلفان. كما تنص المبادئ المناخية الدولية على ضرورة أن تأخذ الدول المتقدمة زمام القيادة في مواجهة تغير المناخ وآثاره.
ويؤكد اتفاق باريس أن جميع الدول مطالبة بإعداد مساهماتها الوطنية وتنفيذ إجراءات مناخية، مع التأكيد على أن الدول المتقدمة ينبغي أن تواصل القيادة من خلال خفض الانبعاثات وتقديم الدعم للدول النامية. كما يعترف الاتفاق بأهمية مواجهة “الخسائر والأضرار” الناجمة عن تغير المناخ.
أما أخلاقيًا، فالمعادلة أكثر وضوحًا: الدول التي راكمت ثرواتها الصناعية خلال عقود طويلة من الاعتماد على الوقود الأحفوري تملك أيضًا قدرات مالية وتكنولوجية أكبر على مواجهة الأزمة. ومن ثم فإن مطالبتها بمساهمة أكبر في تمويل التحول الأخضر والتكيف وحماية الدول الأكثر هشاشة ليست منحةً أو عملًا خيريًا، بل تعبير عن الإنصاف المناخي.
العالم أمام اختبار حقيقي
لم يعد السؤال اليوم: هل يتغير المناخ؟ فقد أصبح التغير واقعًا نشهده في الحرارة والمياه والجليد والبحار. السؤال الحقيقي هو: إلى أي حد يستطيع العالم الحد من سرعة التغير وتقليل كلفته؟
إن حماية القمم الجليدية ليست قضية تخص سكان الجبال، كما أن ارتفاع مستوى البحار ليس مشكلة تخص الجزر وحدها. والمياه التي تنحسر في منطقة قد تصبح سببًا للهجرة أو ارتفاع أسعار الغذاء أو النزاعات على الموارد في منطقة أخرى.
ولهذا فإن مواجهة الاحتباس الحراري تتطلب معادلة مزدوجة: أن تتحمل جميع الدول مسؤولياتها، وأن تتحمل الدول الأكثر قدرة والأكثر إسهامًا تاريخيًا في الانبعاثات نصيبًا أكبر من الجهد والتمويل والتكنولوجيا.
إن المعركة الحقيقية ليست لإنقاذ الجليد وحده، وإنما لإنقاذ نظام الحياة الذي يعتمد عليه الإنسان. وكل عام يمر دون خفض جدي للانبعاثات يجعل فاتورة المستقبل أعلى، ويجعل التكيف أصعب، ويترك للدول الفقيرة عبئًا لم تكن هي التي صنعت معظمه.
وفي النهاية، فإن العدالة المناخية ليست شعارًا سياسيًا؛ إنها محاولة لإقامة توازن بين من استفاد طويلًا من نموذج اقتصادي عالي الانبعاثات، ومن يجد نفسه اليوم يدفع ثمن آثاره في صورة جفاف، وانحسار مياه، وحرائق، وفيضانات، وارتفاع في مستوى البحر. وإذا كان العالم قد اتفق على أن المناخ قضية مشتركة للبشرية، فإن الاختبار الحقيقي لهذا الاتفاق هو أن تتحول المسؤولية من كلمات في مؤتمرات القمم إلى قرارات ملموسة.
تمت الاستعانة-بالشات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..