قراءة في أقوال مفكر صدّقها الواقع عن الإخوان المسلمين ومستقبل السودان

لم يكن الأستاذ محمود محمد طه سياسيًا تقليديًا، ولا زعيم معارضة يبحث عن مكاسب لحظية، بل كان صاحب رؤية فكرية عميقة تقرأ حركة التاريخ من خلال شطحات وإدعاءات تتسربل بالدين حين تتحول إلى سلطة.
لذلك جاءت أحاديث الأستاذ عن جماعة الإخوان المسلمين، وعن الشعب السوداني، وعن الفتنة القادمة، لا بوصفها “تنبؤات غيبية”، بل بوصفها قراءة نافذة في منطق الأشياء ومسار الأفكار حين تُختبر بالسلطة.
أولًا: عبارة “كلما أسأت الظن بالإخوان… تجد سوء ظنك في محله”
تلك العبارة المنسوبة إلى الأستاذ محمود – بصيغتيها المتداولتين – ليست عداوة سياسية ولا خصومة شخصية، بل تشخيص لطبيعة المشروع الأيديولوجي حين يتلبّس لبوس الدين.
جوهر نقده أن جماعة الإخوان المسلمين لا ترى في الدين قيمة أخلاقية تُحرِّر الإنسان، بل أداة تعبئة للوصول إلى الحكم ثم احتكار الحقيقة باسم السماء.
وهنا تتكرر المفارقة التي التقطها الأستاذ مبكرًا: كل تجربة حكم أو تمكين أو تحالف سياسي للجماعة تنتهي بتكريس الإقصاء، وتديين الصراع، وتحويل الخصومة السياسية إلى معركة “إيمان وكفر”، فتضيق مساحات الوطن ويتسع منطق التخوين.
ومع مرور الزمن، لم تعد هذه الرؤية مجرد موقف فكري، بل خبرة اجتماعية عاشها السودانيون: وعود بالشريعة والعدل، ثم واقع من التسلّط، والفساد باسم الدين، وتفكيك الدولة باسم “التمكين”، حتى صار الدين ذاته ضحية لممارسات من ادّعوا حراسته.
ثانيًا: مقولة “الشعب السوداني شعب عملاق تتقدمه أقزام”، وهذه العبارة تلخّص مأساة القيادة في السودان.
فالأستاذ لم يكن يطعن في الشعب، بل كان يمدحه: شعبٌ واسع الصبر، عميق التسامح، كريم الطبع، وقادر على التضحية.
لكن المشكلة أن هذا “العملاق” تُقاد خطواته بأقزام أخلاقيين وفكريين: نخب صغيرة الرؤية، ضيقة الأفق، ترى الوطن سلّمًا للصعود لا بيتًا للعيش المشترك.
حين تتقدم الأقزام الصفوف، لا لأنهم الأكفأ بل لأنهم الأجرأ على المناورة والبطش، تتحول طاقة الشعب إلى وقود لمعارك لا تخدمه.
وهكذا يصبح العملاق مُثقَلًا بخيبات متكررة: يثور، ثم تُسرق ثورته؛ يحلم، ثم يُختطف حلمه باسم الدين أو باسم الوطن.
ثالثًا: حديث الفتنة والاقتلاع من أرض السودان، حيث تحدث الأستاذ عن “الفتنة فيما بينهم” و”اقتلاعهم من أرض السودان اقتلاعًا”، والذي يمكن قراءته بوصفه تحذيرًا من منطق الصراع الداخلي حين تُدار السياسة بعقلية التنظيم السري لا بعقلية الدولة.
فالتنظيم حين يُقدّم ولاءه الداخلي على الولاء الوطني، وحين يربط بقاءه بالسيطرة لا بالتعايش، يزرع بذور اقتلاعه بنفسه.
الفتنة هنا ليست مجرد اقتتال، بل تآكل الثقة بين الحلفاء، وانقسام داخل الصف الواحد، وصراع مراكز القوى، حتى يتحول المشروع إلى عبء على المجتمع وعلى أعضائه معًا.
وعندها لا يكون “الاقتلاع” مؤامرة خارجية بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمنهج سياسي يُعادي المجتمع ويستنزف الدولة.
خاتمة: صدق البصيرة أم فشل التجربة؟
وليس المطلوب أن نقدّس الأقوال أو نحوّلها إلى نبوءات غيبية، بل أن نعترف بصدق البصيرة النقدية؛ إذ القراءة المبكرة أن توظيف الدين في الصراع على السلطة يدمّر الدين ويُخرب السياسة ويقسم المجتمع.
وما جرى في السودان، وفي تجارب مشابهة، يؤكد أن المشكلة ليست في الدين؛ فالإسلام قيمة روحية وأخلاقية، بل المشكلة في تحويله إلى أيديولوجيا حكم مغلقة لا تحتمل نقد تجارب تطبيقه ولا تعترف بالتعدد.
بهذا المعنى، فإن “تحقق النبوءة” ليس انتصارًا لفرد على جماعة، بل مأساة وطن كامل دفع ثمن تجاهل التحذير المبكر: أن السياسة بلا أخلاق تُفسد، وأن الدين حين يُختطف من السلطة يتحول من نورٍ للهداية إلى وقودٍ للفتنة.


