وساطة بروميديشن… حين يُعاد توحيد الإسلاميين وتُدار الحرب باسم السلام

ما جرى في كوالالمبور لا يمكن فهمه كورشة سلام.
بل كخطوة محسوبة في اتجاه إعادة تنظيم معسكر الحرب السودانية.
فخلف اللغة الدبلوماسية الناعمة التي تتوسلها منظمة بروميديشن، تكمن وظيفة أخطر: توحيد شتات الإسلام السياسي بعد أن أنهكته الخلافات والانقسامات، ومنحه منصة دولية تعيد له التماسك والقدرة على الفعل.
المنظمة التي تزعم الحياد لم تجمع أطرافاً متباينة بحثاً عن تسوية، بل جمعت تياراً واحداً بأسماء متعددة: الحركة الإسلامية، واجهاتها السياسية، وحلفاءها التاريخيين.
أطراف فرّقتها المصالح مؤقتاً، وجمعتها الحرب مجدداً.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فتوحد الإسلاميين لا يعني فقط عودة خطابهم، بل تعزيز قدرتهم على التأثير داخل معسكر القتال، ورفع كلفة أي مسار سلمي مدني.
توصيات الورشة جاءت انعكاساً مباشراً لهذا التوجه.
توصيف الحرب بأنها حرب وجودية ( نكن او لا نكن ) دعم المؤسسة العسكرية دون مساءلة وإعفائها من اي مسؤولية قانونية او اخلاقية من اندلاع هذه الحرب ونتائجها ، وحصر السياسة تحت مظلة السلاح وكأن من يملكه هو من يحكم، ليست مخرجات وساطة، بل برنامج سياسي لمعسكر الحرب، صيغ بعناية ليبدو مقبولاً في الخارج، بينما يُستخدم في الداخل لتبرير استمرار القتال.
دور بروميديشن هنا يتجاوز الاستضافة إلى الهندسة السياسية.
فهي لا تستمع فقط، بل تسهم عملياً في رأب صدوع الإسلاميين، وتوفير مساحة آمنة لتنسيق مواقفهم، بعد أن فشلوا داخلياً في توحيد صفوفهم.
هذه الوظيفة دمهما جرى تغليفها تعني تقوية طرف يرى في الحرب وسيلته الأخيرة للبقاء.
وحركات الإسلام السياسي في السودان ليست مجرد مشارك في النزاع، بل طرف مؤسس لمنظومته.
هي التي زرعت عسكرة الدولة، ورهنت السياسة بالبندقية، واستخدمت المليشيات كأدوات حكم.
واليوم، تدرك أن أي انتقال مدني ديمقراطي حقيقي يعني نهايتها، لذلك تتمسك بالحرب، وتبحث عن وسطاء يمنحونها شرعية جديدة.
ما يزيد المشهد قتامة أن توحد هذه الجماعات، بدعم منصات دولية، ينذر بمستقبل أكثر خطورة للسودان.
فالحرب حين تجد معسكراً موحداً عقائدياً وسياسياً، تتحول من صراع قابل للاحتواء إلى مشروع طويل الأمد، تُستنزف فيه الدولة والمجتمع معاً.
الخلاصة أن ما يُقدَّم بوصفه وساطة، هو في جوهره إعادة ترتيب لمعسكر الحرب، وتوحيد لقوى الإسلام السياسي تحت مظلة دولية.
وأي سلام يُبنى على هذا الأساس، لن يكون سوى استراحة محارب، تسبق جولة أكثر دموية، وتدفع السودان خطوة أخرى نحو المجهول.



