
صورة إذلال رجلٍ كبير في السن في منطقة العبيدية بولاية نهر النيل ليست حادثة عابرة، ولا زلّة فرد، ولا “تجاوزًا ميدانيًا” كما سيحاولون تبريره. هي مشهد متكرر، مألوف، محفور في ذاكرة السودانيين منذ عقود، وموقّعٌ ببصمة واحدة لا تخطئها العين: أجهزة أمن الحركة الإسلامية. الجديد في الصورة ليس الفعل، بل السبب: هتاف بسيط يطالب بإيقاف الحرب.
هنا يبلغ الانحطاط ذروته.
أن يصبح طلب السلام جريمة، وأن يُعامَل شيخٌ مُسن كعدوٍ للدولة، لأن صوته قال “كفى”، فهذا إعلان صريح عن سقوط كامل للميزان الأخلاقي. دولة ترى في السلاح وطنًا، وفي الصمت فضيلة، وفي الإذلال سياسة.
هذا المشهد لا يمكن فصله عن غرف الضلال التي تدير المزاج العام اليوم. غرف لا تصنع رأيًا، بل تصنع كراهية. لا تدافع عن دولة، بل تحرس حربًا. غرف أعادت تعريف الوطنية لتصبح مرادفًا للقتل، وشيطنت السلام حتى صار فعلًا مشبوهًا، بل خيانة. هكذا يُعاد تشكيل الوعي: ليس بما هو حق، بل بما يخدم استمرار النار.
منذ متى كان المسن خطرًا؟
ومنذ متى صار الهتاف تهديدًا؟
ومنذ متى احتاجت الدولة إلى إهانة الشيوخ لتثبت قوتها؟
الجواب معروف.
حين تعجز السلطة عن الإقناع، تلجأ إلى الإذلال.
وحين تفقد الحرب مبرراتها، تُقمع الأصوات التي تفضح عبثها.
وحين تُختطف الدولة، يتحول الأمن إلى أداة انتقام، لا حماية.
هذه الصورة ستبقى. لن تُمحى بتقرير، ولن تُغسَل ببيان. ستقف شاهدًا على زمنٍ انقلبت فيه القيم: زمنٌ تُهان فيه الكرامة باسم الأمن، ويُضرب فيه الضعيف باسم السيادة، ويُجرَّم فيه السلام لأن الحرب صارت تجارة ومصلحة وبقاءً.
على العقلاء أن يسألوا أنفسهم بصدق: إلى أين قادتنا هذه الغرف؟ أي وطن هذا الذي يخاف من كلمة “أوقفوا الحرب” أكثر مما يخاف من استمرارها؟ وأي سلطة تلك التي ترى في الشيخ المسن خصمًا، وفي السلام خطرًا؟
هذه ليست صورة إهانة فرد، بل صورة إدانة نظام تفكير. نظام لا يعيش إلا في الظلام، ولا يستمر إلا بالقمع، ولا يبرر وجوده إلا بإدامة الخراب. والتاريخ، حين يدوّن، لن يرحم من جعلوا من إذلال الشيوخ سياسة، ومن كتم صوت السلام واجبًا وطنيًا.



