المثقف السوداني التقليدي حاله كعمانويل كانط عندما كان متزمتا

طاهر عمر
عمانويل كانط بعظمته يقر بأنه كان متزمتا و لم يخرج من سباته الدوغمائي العميق إلا بعد إطلاعه على فلسفة ديفيد هيوم و أفكار ادم اسمث في نظرية المشاعر الأخلاقية. و بالمناسبة نجح كانط في جسر الهوة بين الفلسفة المثالية الألمانية و الفلسفة التجريبية الإنجليزية بفضل إستيعابه لأفكار ديفيد هيوم و كذلك نتيجة فهمه لنظرية المشاعر الأخلاقية و فيها يتحدث ادم اسمث عن أن الإنسان في صميمه أخلاقي و عقلاني.
و بالتالي أي الإنسان سيقوم بإعادة خلق المجتمع البشري على ضؤ مجد العقلانية و إبداع العقل البشري و من هنا جاءت فتوحات فيض الفكر الى آفاق كانط في إجابته على سؤال ما التنوير؟ و أجاب بالا تترك أي كان أن يفكر بدلا عنك لا مرشد كيزاني و لا امام أنصار و لا ختم و من هنا تأتي أهمية أنثروبولوجيا عمانويل كانط و من هنا تخلّص عمانويل كانط من حمم براكين التراث الديني المؤدلج كما يقول محمد أركون و تخلّص من الفكر الغائي اللاهوتي الديني.
و بالمناسبة هذا الفكر الغائي اللاهوتي الديني نجده عند المثقف السوداني يتجسد في الفكر الكيزاني في لاهوت جدلي لا ينتج إلا تابع أي كوز حاد و عنيف و عدائي كحالة الكيزان اليوم في السودان في ايمانهم بالمطلق في زمن النسبي و العقلاني و كذلك نجده في حيز الشيوعي السوداني في ايمانه بالمطلق أيضا الذي يسير به عقل لغايتين أي نهاية التاريخ و نهاية الصراع الطبقي. و هنا يتضح القاسم المشترك بين الشيوعي السوداني بنسخته المتكلسة مع الكوز.
و لا يمكننا الخروج من هذه المتاهة بغير معرفة طريق الخروج من الدوائر الخبيثة و كيفية فك طوقها و الشب عنها كدوائر شريرة و هذا يحتاج الى نقلة هائلة في طريقة التفكير تحررنا من تراكم ظلمات الروح و تحررنا من الخوف المرضي نتاج ظلال الفكر اللاهوتي الديني المؤدلج المسيطر على أفق النخب السودانية و هو أقوى أنواع القيود على العقول عندما تخضع للتراث الديني المؤدلج و هو السائد الآن في السودان.
بالمناسبة هذا الفكر اللاهوتي الديني المؤدلج هو الذي يمنع الآن أغلبية النخب السودانية من إدراك أن العقل الجمعي قد كسد و لا يمكننا الخروج منه إلا بالقطيعة معه و مع تراثه الديني المؤدلج و من هنا تأتي أهمية الشخصيات التاريخية و هم وحدهم القادرين على كسر الحلقات المفرغة و محكمة الإغلاق و الشب عن طوقها. و من هنا جاءت روح الإنسانية التاريخية بعد أن كشفت ظلمات تاريخ الخوف و قدمت تاريخ الذهنيات و أصبحت الرؤية ممكنة لظاهرة المجتمع البشري و إمكانية تفسيره بمعادلة الحرية و العدالة تحت إفتراض أن كل إنسان بضرورة عقلاني و أخلاقي.
بالمناسبة عمانويل كانط عندما تخلص من تزمته الديني الذي يشبه أغلب حال النخب السودانية الآن كان يعتقد كأغلب النخب السودانية الآن بأنه لا يمكن تجاوز الفكر الديني و كان يعتقد في أن طائفته و معتقده هو الصحيح بل لا يمكن تفسير ظاهرة المجتمع البشري إلا به و عبره كحال النخب السودانية الآن و خوفهم من العلمانية و فصل الدين عن الدولة.
لذلك كانت أغلب مقارباتهم في مسألة فصل الدين عن الدولة ترقيعية كما رأينا فكرة المؤالفة بين العلمانية و الدين و المساومة التاريخية بين يسار سوداني رث و يمين غارق في وحل الفكر الديني و رأينا بؤس النخب السودانية و هي مخدوعة بحيلة الكوز خالد التجاني النور في لقاء نيروبي و كيف كانت محاباتهم للفكر الكيزاني.
قلنا أن عمانويل كانط تخلص من تزمته الديني بعد إطلاعه على فكر ديفيد هيوم و ادم اسمث و من هنا يبرز السؤال ما الذي يجعل النخب السودانية قادرة على أن تنهض و تستيقظ من سباتها الدوغمائي العميق كما إستيقظ عمانويل كانط؟ عمانويل كانط نجح فيما فشل فيه ماركس نجح عمانويل كانط عندما أوجد ممر إلزامي يربط الفلسفة المثالية الألمانية مع الفلسفة التجريبية الإنجليزية في فكر ديفيد هيوم و ادم اسمث و ماركس فشل في أن يقارب فلسفة ديفيد ريكاردو فيما يتعلق بنظرية القيمة على ضؤ الفلسفة المثالية الألمانية فوصلت به الى غايتها كما خذلت هيغل من قبله.
لذلك إنتبه كانط الى أنثروبولوجيا الليبرالية و كان فكره بعد بؤري فيما يتعلق بالعقد الإجتماعي و تطوّر الفكر الليبرالي و بسببه أي كانط ساهمت أفكار النيوكانطية في أن يتخطى فلاسفة أوروبا في القرن الأخير الفكر المثالي منذ أيام إفلاطون و مرورا بالفكر المدرسي الكنسي ثم تخطى الفكر الفلسفي الفلسفة المثالية الألمانية و تجاوز الماركسية و الهيغلية و ما زالت النخب السودانية أسيرة الفكر المثالي و فكرة دولة الإرادة الإلهية.
لكي تسيقظ النخب السودانية من سباتها الدوغمائي العميق لابد من أن تدرك أن خوف النخب السودانية من القطيعة مع التراث الديني المؤدلج سببه ضعف مناهجهم لذلك جاءت مقارباتهم باهتة و مليئة بتاريخ الخوف لذلك لم يستطيعوا مفارقة فكرة دولة الإرادة الإلهية و مدينة الله لأن فكرهم ما زال فكر ترقيعي و تلفيقي و باين فيه خوفهم المرضي بترديدهم لمقولة التوفيق بين الحداثة و التراث أو الحداثة و الأصالة و هيهات.
فات على النخب السودانية أن مفهوم الدين قد أصبح مفهوم تاريخي يسير مع إنسانية تاريخية لم يعد فيها للدين دور بنيوي على صعد السياسة و الإجتماع و الإقتصاد و لهذا نجد كثر من النخب السودانية تهاجر الى كتابات طه عبد الرحمن و تأتي بها الى ساحة الفكر السوداني الذي لم يفيق بعد من غيبوبة التجربة الكيزانية التي فتحت أبواب الجحيم.
و كله بسبب عجز النخب السودانية عن تجاوز وحل الفكر الديني. و كتابات طه عبد الرحمن و عبد الجبار الرفاعي ما هي إلا حيل جديدة و إلتفاف من قبل المحابين للفكر الإحيائي الديني أو إحياء علوم الدين و العودة للمجتمعات بأغلفة لفكر جرب و فشلت تجربته فشل واضح.
و الغريبة جلب أفكار طه عبد الرحمن للساحة السودانية يمكننا أخذها كمقياس لتردد النخب السودانية و صعوبة شفائها من إدمانها للفكر الديني و تجد أغلب المبهوريين بكتابات طه عبد الرحمن إما كانوا في حزب الأمة و غادروا ساحته أو كيزان يريدون العودة بفكرهم مغلف بفكر طه عبد الرحمن و يذكروننا دوما بحيل المفكر المصري حسن حنفي في محاباته للفكر الأخواني و قد فشل حسن حنفي في أن يوطّن الفكر السياسي الإسلامي في عصرنا الراهن لأنه عصر أفكار الحداثة التي قد قضت على جلالة السلطة و قداسة المقدس.
تذكرنا صعوبة شفاء النخب السودانية من فكرة دولة الإرادة الإلهية بوصف ريموند ارون الى حال الإتحاد السوفيتي و تزمت الشيوعيون و حينها قال ريمون أرون أن الإتحاد السوفيتي وصل لنقطة لا يمكن إصلاحه. و الحل الوحيد أن يترك لكي يسقط سقوطه النهائي و قد كان سقوطه النهائي.
و كذلك حال وحل الفكر الديني فلا يمكن إصلاحه بفكر طه عبد الرحمن و لكن أمثال طه عبد الرحمن و حسن حنفي و عبد الجبار الرفاعي كأي أيديولوجين تحيط بهم الوثوقيات و الحتميات و اليقينيات لا يمكن إقناعهم بأن الدين- أي دين لم يعد له دور بنيوي في السياسة و الإجتماع و الإقتصاد في زمن مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية حيث صار الدين أفق الرجاء للفرد في علاقته بربه أما علاقة الفرد بمجتمعه في لحظات الإختناقات الإقتصادية و الإختلالات السياسية فتحكمها معادلة الحرية و العدالة و ليس الصراع الطبقي كما يتوهم الشيوعي السوداني الى يومنا هذا.
و هنا يمكننا إيراد أفكار كل من توكفيل و ريموند ارون في توضيح خطاء ماركس في إعتماده على فكرة الصراع الطبقي و يقولان بأن بعد شعار الثورة الفرنسية أي الحرية و المساواة و الأخاء لم يعد هناك صراع طبقي كما يتوهم ماركس بل هناك إختناقات إقتصادية و إختلالات سياسية و تحل عبر معادلة الحرية و العدالة التي تعيد المجتمع الى توازنه الإجتماعي و الإقتصادي العفوي كفعل إنساني و فعل إجتماعي بعيدا عن فكرة الإرادة الإلهية و هنا يظهر مجد العقلانية و إبداع العقل البشري بعيدا عن لاهوت ماركس الغائي الديني في إنتظاره لنهاية للتاريخ و نهاية للصراع الطبقي.
توكفيل و ريموند ارون يؤكدان بأن ماركس في إصراره على الصراع الطبقي هو أي ماركس يتحدث عن مجتمعات ما قبل الثورة الفرنسية أما بعد شعار الثورة الفرنسية فلم يعد هناك صراع طبقي لأن المجتمع قد وضع شعار الحرية و المساواة و الأخاء و بالتالي إي إختلال في الفكر السياسي أو إختناق إقتصادي دوري تتم معالجته بما يضمن نقاط التوازن الإجتماعي و الإقتصادي الذي يصون كرامة الإنسان كإنسان و هذا الذي فات على ماركس و فات على أتباع ماركسية ماركس.
و من هنا يمكننا أن نعرف لماذا كان ريموند أرون في فلسفة التاريخ الحديثة تحدث عن نهاية الفكر الليبرالي التقليدي و بداية الفكر الليبرالي الحديث؟ الذي تحققه فكرة الشرط الإنساني و في فكرة الشرط الإنساني تتقدم الفلسفة السياسية على فكر المؤرخ التقليدي و القانوني التقليدي و هذا لم يحدث في ساحتنا السودانية و الى اللحظة ما زال القانوني التقليدي يتقدم على السياسي التقليدي السوداني و لذلك جاءت الوثيقة الدستورية بشراكة العسكر أما إذا تقدم السياسي المتسلح بالفلسفة السياسية كشرط إنساني تنزله على أرض الواقع عقلانية الفلسفة الإقتصادية لما تعثرت ثورة ديسمبر التي قادها القانوني التقليدي بوثيقة إرتضت بالشراكة مع العسكر.
و من هنا تأتي وصيتي و هي أن التحول الديمقراطي يقوده السياسي المتسلح بالفلسفة السياسية و ليس القانوني التقليدي السوداني و بالتالي في المؤتمر الدستوري القادم يتقدم فكر السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و ليس القانوني التقليدي السوداني فمثلا ريموند ارون في حديثه عن فلسفة التاريخ أنجز إنجاز يضعه جنب لجنب مع نيتشة كفلولوجست ريموند أرون قبله كان الحديث عن تاريخ الفلسفة فإذا به يحوّله الى فلسفة التاريخ كما كانت قبل نيتشة فكرة قوة الإرادة و إذا بنيتشة يحولها الى إرادة القوة.
و عليه يجب أن تنتبه النخب السياسية السودانية أن السياسي هو الذي يتقدم فكره على فكر القانوني التقليدي و المؤرخ التقليدي السوداني الذي لم يفرّق بعد بين فلسفة التاريخ الحديثة و تاريخ الفلسفة و عندما نقول السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني نقصد السياسي الذي يكون بجانب السياسة عالم إجتماع و إقتصادي ملم بأدب النظريات الإقتصادية و أفكار تاريخ الفكر الإقتصادي.
مثلا ريمون أرون فيلسوف و مؤرخ غير تقليدي و إقتصادي و عالم إجتماع لذلك بعد نهاية الحرب العالمية الثانية كان بجانب ديغول في العمل السياسي مع أندرية مالرو إلا أن ريموند ارون فضّل أن يذهب الى التدريس في الجامعات و كذلك ذهب الى الصحافة إلا أنه لم يأتي الى الصحافة من جهة الصحافة جاء الى الصحافة من جهة علم الإجتماع و الإقتصاد و الفلسفة السياسية.



