مقالات وآراء

هل من أمل يخفف الألم؟

عمر القوني

لم يكن السودان يخطر ببالي إلا لمرات معدودة في فترات متباعدات، ذلك لأني عشت خارجه لعقود من الزمن ولم يعد لي فيه والد ولا ولد، وتطاول الزمن وانتشر الشيب على رأسي، ولكن كان الأمل لا يبرح يحدوني بين الفينة والأخرى أن أزور السودان مرة أخيرة قبل الممات ولو لثلاث ليالٍ لاجترار الذكريات والتقاط الصور في المتحف القومي وأزقة حي العباسية في أمدرمان عند بيت أسلافي رحمهم الله، وحيث درجت خطواتي الأولي، ولم يخطر ببالي ان هذا الأمل سوف يتلاشى بهذه السرعة بعد سمعت باحتلال الجانجويد للمتحف القومي وأظنهم الآن قد أفرغوا محتواه وباعوا آثاره القيمة التي هي أثمن من ذهب جبل عامر، وكذلك بعد سماعي بقيام سلاح الطيران بتدمير أمدرمان باستهانةٍ كاملةٍ بحياة الأبرياء، فوا أسفاه على ماضي السودان وحاضره ومستقبله!

والمرة الأخيرة التي راودني فيها أمل زيارة السودان كانت في بداية شهر رمضان الماضي، حين حدثتني نفسي أن أحج بيت الله الحرام هذا العام، ثم أزور الخرطوم لتحقيق أمل التقاط الصور، ولكن قبل أن يخترم الشهر تفاجأت بخبر الحرب عبر تويتر حين تصدر وسم باسم السودان باللغة الإنجليزية، فصعِقْتُ للخبر ولكني قلت في نفسي عسى أن تتحسن الأحوال وتهدأ الحرب قبل أيام الحج ومع دخول الأشهر الحرم، وأدرك الآن أن هذا الأمل لم يكن منطقياً، فالذي انتهك حرمة شهر رمضان لا يمكن أن يراعي لغيره من الأشهر حرمةً.

واليوم أكتب لأول مرة عن السودان منذ سنوات طوال، لأني في ألم براح للأرواح التي تُزهَق بغير حق، وانتهاك الأعراض، فقد عشت أسوأ ثلاثة أشهر عشتها في حياتي بسبب هذه الحرب لعنة الله على من أشعلها، ولأني كلما زرت هذا الموقع متطلعاً لأخبار سارة بنهاية الحرب، أجد الحرب لا تزال مستعرةً، وأجد من المقالات والتعليقات ما يزيدني يأساً على مستقبل السودان وأهله، ليس بسبب الحرب فحسب ولكن بسبب العصبية القبلية والعنصرية التي تنضح بها المقالات والتعليقات، مقالات كتبها أناس من أشباه المتعلمين، كتاباتهم لا تشبه مقالات جريدتي الصحافة والأيام التي نشأت على قراءتها، والتعليقات آتية من أشباه أمِّيين ممن لا يجيد القراءة ولا الكتابة، ولا يميز بين حرفي الذال والزاي، ولا القاف والغين، مقالات وتعليقات تدل على تدهور المستوى التعليمي والثقافي لدى الشعب السوداني ككل، ذلك الشعب الذي أخرج صلاح أحمد إبراهيم والفيتوري والعباسي وعبد الله الطيب وفراج الطيب وغيرهم ممن لا يدانيهم في لغة الضاد أحدٌ من المتأخرين، والعجب أنك إذا دخلت على موقع للتواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وبحثت عن اسم “غزافي” (بالغين والزاي)، وهو تحريف لاسم “القذافي” دكتاتور ليبيا السابق، فإنك تجد كل نتائج البحث آتية من دولة واحدة في العالم هي السودان، جرب ذلك الآن! والصادم أن بعضهم قد تخرج من الجامعات وهو لا يدري كيف يكتب اسمه! فماذا تعلموا في الجامعات؟ ألم يتعلموا في الجامعة ما تعلمناه نحن في الخلوة كمخارج الحروف والتجويد؟ أنا لم أتلق تعليمي العالي في السودان ولا حتى باللغة العربية، بل درست في بلاد الأعاجم في الغرب، ولكني قبلُ في السودان درست في خلوة، حيث حفظت أجزاءً من القرآن وتعلمت التجويد ومخارج الحروف وحفظت بعض المتون قبل أن أذهب إلى المدرسة الابتدائية، فهل خلاوي الأمس ومدارسه الأولية كانت أفضل تعليماً من مؤسسات التعليم العالي السودانية اليوم؟

وأنا لا أتهم جيل اليوم بالغباء أو البلادة، حاشاهم! فقد رأيت منهم من الذكاء ما ملأ قلبي فخراً ليس بالسودان فحسب بل بإفريقيا عموماً، إذ أذكر أني عملت موظفاً بكلية جامعية في كندا قبل عقدٍ من الزمان حيث تعرفت إلى طالب في الكلية من أبناء دارفور اسمه محمد إسحاق، وكان مبرزاً جداً على زملائه لدرجة أنه كان دائماً محاطاً بما لا يقل عن عشرة طلاب من عديد الجنسيات والإثنيات وهو يشرح لهم المواد الدراسية، بالأخص قبل أيام الامتحانات، والعجب أنه كان من أبناء الخلاوي في السودان، وقابلت طالباً آخر من الجنوب اسمه ديل دينق، الذي كان مثل تمثال من الأبنوس طولاً ووسامةً وجمالاً في الخَلْق والخُلُق، وكان دوماً محاطاً كذلك بالعديد من الطلاب – بالأخص الطالبات – وهو يشرح لهم ما استعصى عليهم من الدروس.

ومما يزيدني حيرة في أمر المقالات التي أقرأها في هذا الموقع، أن بعض الكتاب يدعوا إلى فصل السودان إلى دويلات كأن هذا ترياق لجميع مشاكل السودان، ويتناسون أن الوحدة الوطنية لم تولد تلك المشكلات، بل القبلية والعنصرية فعلتا في السودان ما لم يفعله الاستعمار، والمؤسف أن بعض كتاب هذا الموقع لا يفهمون أن العنصرية والقبلية اللتين أفرزتا هذه المشاكل لا يمكنهما أن تفرزا الحلول.

لقد غادرت السودان مُكرهاً قبل عقود، وأقسمت ألا أعود إليه لأسباب لا أستطيع الإفصاح عنها هنا، ولكن ما يزال الولاء للسودان باقياً في قلبي لا يبرح ولا ينقص، وأذكر أنني لما سمعت بانفصال الجنوب قبل سنوات، مكثت أياماً لا أستسيغ أكلاً ولا شرباً من شدة الحزن والأسى، ولا زلت لا أستطيع النظر إلى خريطة السودان المبتورة، وأشيح بنظري كلما عرضت لي مصادفةً، وبعض كتّاب هذا الموقع يدعو إلى بتر خريطته أكثر وأكثر كأن هذا البتر لن يكون مؤلماً كما هو شأن كل عملية بتر. والمؤلم والمحير أكثر أنهم يدعون إلى ذلك في وقتٍ أحوج ما تكون فيه البلاد لوحدة الصف والكلمة خلف القوات المسلحة التي ينتمي معظم جنودها إلى بعض تلك المناطق التي يدعون إلى بترها، وإن كان قادة الجيش وضباطه ينتمون إلى مناطق أخرى في البلاد.

أحس كأن هنالك شيئاً فريداً في السودان وأهله لا يشاركهم فيه أحد من الشعوب، وهو عدم التقدم، فالسودان الذي أرى صوره اليوم في الصحف ومواقع الانترنت يشبه كثيرا السودان الذي تركته في بداية التسعينيات، كأنه لم يتغير كثيراً، ومن الموافقات العجيبة أني قضيت فترة من فترات صباي في جوبا عاصمة الجنوب، وجوبا التي في ذاكرتي لا تشبه جوبا التي أراها الآن على غوغل إيرث!

وعندما كنا صغاراً كنا نحتقر الدول الإفريقية ونتعالى عليها لاعتقادنا الجازم بأنا أفضل من أهلها، ولكن الكثير من الدول الإفريقية الآن تطورت كثيراً وتركت السودان وراءَ وراءَ (انظر إعراب ذلك في كتب النحو إن شئت)، وكنت أحب قضاء عطلاتي السنوية في الدول الإفريقية، وزرت عدداً كبيرا منها خلال السنوات الماضية، ولكني توقفت عن ذلك لأني كلما عدت من إجازة أحسست بالحزن والأسى على السودان وأهله، وأحسست أن السودان يتخلف أكثر فأكثر وتتقدم الدول الإفريقية الأخرى أكثر فأكثر، لذلك انقطعت عن زيارة البلاد الإفريقية تماماً.

وختاماً كتبت هذه الأسطر وأنا أتأهب للسفر للبلاد المقدسة، ولا أملك إلا أن أبتهل إلى الله عز وجل على عرفات أن ينزل غضبه وعقابه على من استقدم المجرمين وسلحهم وسلطهم على قتل الأبرياء في دارفور، حتى استفحل أمرهم، واشتد بأسهم ثم تسلطوا على عامة الشعب.

اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم أنزل لعنتك وبأسك الذي لا يرد على البشير والترابي وعلي عثمان ونافع وزمرتهم وزبانيتهم من الجانجويد وغيرهم، وعذبهم عذاباً لا تعذبه أحداً من العالمين في الدنيا والآخرة، واقصمهم يا قاصم الجبارين، اللهم اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، آمين. وصلى الله على النبي وآل بيته الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. هو في سخف اكتر من انك تتهم ناس بالجهل لمجرد انهم يخطئون بين الذال والزاي والغين والقاف. هو بلا الحزلقة علي الفاضي الخرب البلد شنو. اللغة العربية مليانة أخطاء وركاكة في تكوينها وصعوبة نحوية كما كل لغات الشرق الادني ولو قرر احدهم اجادتها فلن يملك الوقت ليدرس اي علوم أخرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..