قطر .. للدولة عقل.. فأين عقلنا ؟؟

زرت قطر مرتين، في المرة الثانية رأيت تطورا لم أره في الأولى، مع أن قناعتي الملتبسة حيالها كانت أنها فقاعة على حافة الخليج مهما فعلت سيبقى فعلها على الهامش ولن تقدر على مزاحمة دول عربية "عظمى" على الدور والمهمة.

تلك القناعة الملتبسة، أصبحت عيبا في تقديري وقراءتي أمام ما تنتجه قطر من أفعال سياسية واقتصادية وثقافية رياضية، فريدة وعميقة، تعطيها وزنا وقيمة تتجاوزان حجمها الجغرافي والديموغرافي.

وبدا أن نزعة القطريين وميلهم إلى الاشتباك مع الملفات الصعبة والحساسة في المنطقة والإقليم يستفز عربا يفوقون قطر مساحة وبشرا وإمكانيات، لكنهم حتما لا يفوقونها عقلا وقدرة على إدارة الملفات. قطر بسوء نية أو بحسنها، كشفت ضعف أولئك العرب وعجزهم المفرط في إحداث أي اختراق في ملفات المنطقة المشتعلة من الصومال إلى السودان فاليمن ولبنان ففلسطين، وعلاقة ودية للغاية مع طهران.. وهاهي تنتزع تنظيم كأس العالم 2022 في منجز غير مسبوق عربيا، استفز الرئيس الأميركي (باراك أوباما) بالقدر الذي أثار حسد أطراف عربية صدمها ذلك المنجز فكتمت حنقها ونافقت.

والعرب، بعضهم بطبيعة الحال، لم يجد مدخلا لمهاجمة قطر والتشكيك في دورها ومهمتها وفعلها في كل القضايا إلاّ الغمز من قناة أنها دولة تمسك تل أبيب وواشنطن بخيوط اللعبة فيها باعتبار أن مثل هذا الأمر يثير شك العرب، شعوبا ونخبا، ويزرع فيهم عدم ثقة حيال كل ما تفعله قطر. أسلم جدلا بأن قطر دولة ترتبط بعلاقات استثنائية مع تل أبيب، وهو على كل حال فعل ظاهر وليس خفيا، وأنها ترتبط بعلاقات استثنائية مع واشنطن، وهو أيضا فعل ظاهر وليس خفيا، دليله قاعدة العديد العسكرية.. إلاّ أن السؤال.. أهي قطر وحدها التي ترتهن لهاتين العاصمتين، أليست أغلب الدول العربية ترتبط بصيغة أو أخرى معهما، وفي سياق هذا الارتباط هناك أدوار ومهمات (…) أنتجت كمّاً هائلا من التنازلات وأضعفت القدرة على الحركة ولو الاستعراضية.

والمعنى أن العرب ، بصورة من الصور، ورغبة أو قسرا، يتعاملون مع تل أبيب وواشنطن بما يشبه الارتباط العضوي. لكن الفرق بينهم وبين قطر أن الأخيرة انتزعت هامشا ومساحة تتحرك فيهما بعيدا عن المنهجية الأميركية- الإسرائيلية في المنطقة وأحيانا تصطدم معها.. فلماذا لم ننتزع مثل هذا الهامش؟ نعم، لم يعد المنطق يقبل تبرير ضعفنا أمام ظاهرة قطر ولم يعد مقبولا حشرها في زاوية انها منتج قناة الجزيرة الظاهرة الإعلامية العربية الفريدة. و"الجزيرة" لا نفهمها كمنتج قطري بمعزل عن احتضانها واحدا من أهم رجال الدين والدعوة (القرضاوي) أو منتدياتها الثقافية والسياسية السنوية.. وغيرها.

في قطر ثمة عقل منظم يديرها، يقرأ بدقة وعمق المعطيات والحيثيات يتحرك ضمن منهجية عمل مترابطة ومتماسكة يريد أن ينجز ويحقق اختراقات حقيقية.. لديه رؤية وأهداف واضحة لا يقيم وزنا لواقعه الجغرافي والديموغرافي يدرك جيدا أن صغر الدولة لا يمكن أن يقف عائقا أمام الطموح.

والعقل القطري، لمن يقرأ المشهد برمته، لم يزاحم "العمالقة" العرب على الملفات الملتهبة في المنطقة، إذ أن ذلك العقل انتظر إلى أن تأكد له عجز العرب عن معالجة تلك الملفات فتدخل فيها، تبريدا وتسويات، نجح في بعضها وأخفق في أخرى، بفعل عوامل كثيرة، لكنه بقي يحاول بصلابة وإصرار، ويكفيه ذلك.

ولا يعيب قطر أنها تستثمر إمكانياتها المالية في تحقيق كل تلك المنجزات، وهو يحسب لها لا عليها، لأنها توظفه بما يفيدها ويصنع لها تاريخا ويؤكد حضورها الطاغي.. وإلا ما فائدة هذه الأموال إن بقيت حبيسة بنوك الغرب تسد عجزهم المالي وينفقونها في تعميق استلابنا وارتهاننا إليهم. لا التباس عندي، أن قطر دولة لديها عقل، أحببتها أم كرهتها، قبلتها أم رفضتها، شككت في نواياها أم أحسنت الظن بها.. لكنني أسأل أين عقلنا؟

عقلنا الذي يفكر ويخطط وينتج سياقا وينتزع دورا لنفسه، عقلنا الذي يمسك ببعض خيوط الملفات في الإقليم يمنع خطرها عنه ويحاول أن يعالجها كمنجز عربي له، مستفيدا من موقعه الجغرافي وحتمية المرور به لأي تسويات في المنطقة وهو ما يعوضه نقص المال.

نريد عقلا للدولة، وإمكانية ذلك وارده، وعقل الدولة بفهمي أن نصنع مركزا للدراسات الاستراتيجية، محايدا تماما ومستقلا تماما، لا سلطان لأحد عليه.. مركزا شاملا، سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، نموله بسخاء، نوفر له عقولا مفكرة باحثة ونعطيها حرية التعبير والقراءة والحركة من غير مؤثرات وتدخلات.

والمركز الذي نريد، أسوة بما هو موجود في دول غربية وإسرائيل، بمقدوره أن يضع خارطة طريق للدولة يحدد لها نقاط ضعفها وقوتها ويقترح الحلول للضعف وأسباب تعظيم القوة، ويحدد لها خياراتها في كل الملفات ويوفر لها خططا وخططا بديلة يجعلها خلاقة وقادرة على المبادرة.

ذلك المركز سيؤدي دوره في سياقين، الأول: أنه ينتج للدولة قراءات تعين صانع القرار على اتخاذ قرارات سليمة مبنية على دراسات وتحليلات دقيقة تقلل مساحة الخطأ. والسياق الآخر: أن المركز يوفر خبراء ومحنكين يمكن الاستفادة منهم في تولي مواقع المسؤولية أو كمستشارين حقيقيين لا نفعيين.

وبالنتيجة فان المركز سينهي حال الفوضى السياسية والاقتصادية ويوقف التوجهات والقرارات المرتجلة غير المدروسة وينهي حال الضعف في فهم المجريات في الإقليم ويمكّن الساسة من الاشتباك معها بصورة صحيحة تحفظ للدولة دورها بل ويمكن أن تعيد إنتاج دورها المحوري وتنفض عنه الغبار. قطر دولة تسير إلى الأمام، تحقق منجزات تبني لنفسها مجدا وتزاحم الآخرين كي تحجز لنفسها مساحة في سجل التاريخ.. فلنقرأ واقعنا لنبدع تجربة خاصة بنا تضعنا تحت الشمس.

وأظن أن لدينا القدرة على تحقيق ذلك، المهم أن تكون مهمة ذلك لوطنيين حقيقيين لا منافقين متكسبين، الوطن ووجوده ومكانه آخر ما يشغلهم.

استفزني تنظيم قطر لكأس العالم.. وبقدر ما أفرحني وأثار إعجابي ذلك المنجز، ليس لذاته وإنما لدلالاته ، فأنه دفعني، كما غيري، فاستدرت أقرأ حال وطني.. أفتش فيه عن منجز له قيمة.

راكان السعايدة
خبرني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..