مقالات وآراء

بعيدًا عن القواعد العسكرية

 

أوضحنا سابقًا أن الصراع الإقليمي والدولي أصبح محتدمًا لنهب موارد السودان وإيجاد موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر وأفريقيا الغنية بمواردها المعدنية النادرة والحيوانية والزراعية… إلخ.

كان استقلال السودان في أول يناير 1956 بعيدًا عن الأحلاف والقواعد العسكرية، لكن الأنظمة العسكرية بدءًا من انقلاب 17 نوفمبر وانقلاب 25 مايو وانقلاب 30 يونيو وحتى انقلاب 25 أكتوبر 2021 فرّطت في السيادة الوطنية، وسمحت بالتدخل الخارجي في الشأن الداخلي، لدرجة محاولة إقامة قاعدة عسكرية بحرية روسية على البحر الأحمر، كما فعل نظام الإنقاذ في أيامه الأخيرة، حيث اتجه البشير عام 2019 إلى روسيا بعد المقاطعة الأمريكية ووضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ووقّع معها اتفاقيات للتعاون العسكري تتعلّق بالتدريب وتبادل الخبرات ودخول السفن الحربية إلى موانئ البلدين.

كما ناقش البشير مع الرئيس الروسي ووزير دفاعه إقامة قاعدة عسكرية روسية على ساحل البحر الأحمر شرقي السودان، وطلب تزويد بلاده بأسلحة دفاعية. تلك الاتفاقية تنص على “السماح بدخول السفن الحربية بعد الإخطار بذلك في موعد لا يتجاوز 7 أيام عمل قبل تاريخ الدخول”. لكن ثورة ديسمبر قطعت الطريق أمام البشير للسير قدمًا فيها، وتم تأكيد الاتفاقية وكشف الستار عنها من روسيا بعد ضغط جماهيري.

وجاء انقلاب اللجنة الأمنية للنظام السابق ليواصل التفريط في السيادة الوطنية، كما في استمرار إرسال قوات سودانية لليمن وقيام القاعدة الروسية، حيث صدّق الرئيس بوتين على إنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان قادرة على استيعاب سفن تعمل بالطاقة النووية.

ونتيجة لضغط الحركة الجماهيرية الرافضة لقيام قواعد عسكرية في البلاد، وتخوّف المحاور الإقليمية والدولية وأمريكا ودول الاتحاد الأوروبي من الوجود الروسي الذي يهدد مصالحها في نهب موارد السودان وأفريقيا، تراجعت الحكومة عن القاعدة الروسية عقب تصريح رئيس الأركان السوداني الفريق ركن محمد عثمان الحسين الذي أشار: “حتى الآن ليس لدينا الاتفاق الكامل مع روسيا حول إنشاء قاعدة بحرية في البحر الأحمر، لكن التعاون العسكري بيننا ممتد”.

وتم التراجع أكثر بعد عودة علاقات السودان مع أمريكا بعد رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، علمًا بأن أمريكا ترفض إقامة قاعدة بحرية عسكرية في السودان، في إطار صراعها مع روسيا والصين على نهب موارد السودان وأفريقيا التي تمثل مصدرًا كبيرًا للثروات الطبيعية وسوقًا ضخمًا للسلاح، فضلًا عن موقع السودان القريب من القرن الأفريقي والخليج وشمال أفريقيا مما يهدد المصالح الأمريكية.


٢

بعد الحرب اللعينة تفاقم الصراع الإقليمي والدولي لنهب ثروات البلاد من المحاور التي تسلّح طرفي الحرب، وتدفّق السلاح إلى طرفيها من الإمارات ومصر وتركيا وإيران وروسيا… إلخ. وبعد فشل الحرب في تحقيق أهدافها في تصفية الثورة والفضح الواسع للانتهاكات كما في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والاسترقاق والاغتصاب والعنف الجنسي وتدمير البنيات التحتية والمأساة الإنسانية من جوع وانعدام الأمن والأمراض… إلخ، وصمود شعب السودان، جاء بيان الرباعية لتحقيق الهدنة وتوصيل المساعدات الإنسانية للمتضررين، ووقف الحرب والحكم المدني، مع رفض الإسلامويين للهدنة ووقف الحرب كما في تصريحات الفريقين البرهان وياسر العطا، إضافة لتخوّف دول الرباعية من امتداد نيران الحرب لتشمل المنطقة مما يهدد مصالحهم، إضافة لمطالبة الدول التي تسلّح طرفي الحرب بوقف الإمداد العسكري اللوجستي.

في هذه الظروف وبعد سقوط الفاشر الذي يهدد بتقسيم البلاد، برز مرة أخرى تجميد مشروع القاعدة البحرية الروسية في السودان.

هذا فضلًا عن أن القاعدة الروسية لن تحمي حكومة بورتسودان من السقوط، كما في تجربة سقوط بشار الأسد الذي رغم تحالفه مع موسكو ووجود القاعدة البحرية طرطوس الروسية بسوريا سقط النظام، وهو الحدث الذي اعتبره مراقبون ضربة قوية لهيبة موسكو وقدرتها على الوفاء بتعهداتها الأمنية. لقد اعتمدت روسيا في السنوات الأخيرة على الترويج لنفسها كلاعب موثوق قادر على توفير الدعم العسكري والحماية الأمنية، خاصة في منطقة الساحل وأجزاء أخرى من أفريقيا. هكذا مصير الأنظمة الديكتاتورية التي تقمع شعوبها؛ يخذلها الاعتماد على الخارج من عدم الذهاب لمزبلة التاريخ.

ويبقى مواصلة تصعيد المقاومة الجماهيرية لوقف الحرب واستعادة مسار الثورة، والرفض بمختلف الأشكال لقيام القواعد العسكرية في البلاد، مثل محاولة قيام القاعدة الروسية التي تجعل السودان في مرمى الصراع الإقليمي والدولي لنهب الموارد، مما يتطلب مواصلة أهداف ثورة ديسمبر في السيادة الوطنية وبناء علاقات خارجية متوازنة مع كل دول العالم بعيدًا عن الأحلاف والقواعد العسكرية.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..