مقالات وآراء سياسية

السودان على شفا مجاعة : معاناة المدنيين حرب تفوق الحرب

إسماعيل هجانة

في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية في السودان واحتدام القتال في الأقاليم مثل شمال دارفور، الخرطوم، الجزيرة وكردفان ، يواجه المدنيون هناك ظروفًا قاسية تهدد حياتهم اليومية. وقد أعلن برنامج الأغذية العالمي عن نيته توسيع نطاق مساعداته الغذائية والنقدية الطارئة لدرء المجاعة التي باتت تلوح في الأفق ، وفقًا لتقارير مستقلة ظلت تحذر من مخاطر حدوثها والتي بانت مؤشراتها بصورة فعلية، حيث أصبح المواطنون يتناولون أوراق الأشجار ويحفرون بيوت النمل بحثًا عن ما يمكن أكله في أقصى حالات اليأس والبؤس. أن الناس في السودان يلجأون إلى هذه الإجراءات اليائسة للبقاء على قيد الحياة ، وأن سوء التغذية بين الأطفال وصل إلى مستويات مروعة وتسبب في وفاة عدد من الأطفال بالفعل ، مما يعرض جيلًا كاملًا للخطر. رغم هذه الكوارث مجتمعة لا يلوح في الأفق أي مؤشر لسلام قريب مع توسع دائرة الحرب والانتهاكات.
في محاولاته للتخفيف من معاناة بعض السودانيين ، يهدف برنامج الأغذية العالمي ومنظمات أممية ودولية وسودانية اخرى إلى تقديم المساعدة لخمسة ملايين شخص إضافي بحلول نهاية هذا العام ، مما يضاعف عدد الأشخاص الذين خططت لدعمهم في بداية عام 2024م . يأتي هذا الجهد كاستجابة للحاجة الملحة والمتزايدة في السودان ، حيث أدى النزاع المستمر منذ أبريل 2023م إلى تفاقم الأوضاع بشكل كبير. مع هذه التوسعة في المساعدات ، يسعى برنامج الأغذية العالمي إلى معالجة أزمة الغذاء المتفاقمة وضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر ضعفًا.

أكد مايكل دانفورد ، المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي في شرق أفريقيا ، أن الوضع في السودان “كارثي بالفعل ومن المحتمل أن يتفاقم أكثر ما لم يصل الدعم إلى جميع المتضررين من النزاع”. وأشار دانفورد إلى أن البلاد تواجه بالفعل أكبر أزمة نزوح في العالم ، محذرًا من أنها يمكن أن تصبح أكبر أزمة جوع في العالم .
منذ بدء الصراع في أبريل 2023م ، قدم برنامج الأغذية العالمي المساعدة لأكثر من 6.7 مليون شخص في جميع ولايات السودان البالغ عددها 18 ولاية ، لكنه بحاجة ماسة إلى أكثر من 200 مليون دولار لمواصلة مساعداته هذا العام . حيث وصف دانفورد الوضع في السودان بأنه “ليس منسيا بقدر ما هو مهمل”، مشيرًا إلى أن العالم يجب أن يكون على دراية بمدى سوء الوضع في السودان والحاجة الملحة لاتخاذ إجراءات عاجلة .

تكافح الوكالات الإنسانية لدعم جميع المحتاجين ، حيث يتدهور الأمن الغذائي بشكل كبير وقد يصل إلى مستويات لم نشهدها منذ أوائل القرن الحادي والعشرين. وأوضح برنامج الأغذية العالمي أن الظروف الشبيهة بالمجاعة لا تنجم عن نقص الغذاء فحسب ، بل وأيضًا عن نقص الرعاية الطبية والمياه النظيفة ، مما يشكل واقعًا مدمرًا لسكان السودان .
إن توسيع نطاق الوصول وفتح ممرات إنسانية جديدة بطريقة عادلة يعد أمرًا ضروريًا لتوصيل الإمدادات الغذائية إلى المجتمعات في جميع أنحاء البلاد. كما يسهل تخزين المواد الغذائية مسبقًا عند المعابر الحدودية الرئيسية التي تخضع للطرفين بالتساوي ، وعلى طول طرق الإمداد استعدادًا لموسم الأمطار الذي سيجعل الطرق في دارفور وكردفان غير صالحة للمرور.
خضوع بعض موظفي منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لضغوط سلطات بورتسودان أدى إلى جعل المساعدات الإنسانية خاضعة للمساومات والابتزاز، مع خوف الموظفين الدوليين والسودانيين من فقدان وظائفهم ، بدلاً من التركيز على تلبية الحاجة الإنسانية الملحة.
في ذات الوقت ، تتعرض عدد من المنظمات الدولية والسودانية لضغوط هائلة من الجيش في بورتسودان بهدف تعطيلها ومنعها من الوصول إلى المناطق التي تقع خارج سيطرته. تشمل هذه الضغوط صعوبة الحصول على أذونات العمل ، ومنع وتأخير إصدار الفيزا ، ومنع بعض الموظفين من العمل في السودان وإنهاء صلاحية عملهم هناك. هذه الإجراءات تعيق بشكل كبير قدرة هذه المنظمات على تقديم المساعدات الإنسانية الضرورية ، مما يزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية في المناطق المتضررة.
إن مبدأ الحيادية في العمل الإنساني ووفقًا للقانون الدولي الإنساني ، يتطلب التعامل مع أطراف النزاع بصورة تلبي متطلبات هذا المبدأ بعيدًا عن الضغوط والخوف والابتزاز. يعد الالتزام بالحيادية أمرًا أساسيًا لضمان تقديم المساعدات الإنسانية بفعالية وبدون تمييز ، مما يتيح للمنظمات الإنسانية الوصول إلى جميع المتضررين من النزاع دون قيود أو تدخلات غير مبررة.
بالإضافة إلى ذلك ، يتعرض السودانيون العاملون في هذه المنظمات لضغوط ورقابة لصيقة وتهديدات مستمرة. هذه الضغوط تهدد نزاهة وحيادية هذه المنظمات ، حيث تجد نفسها مضطرة للخضوع لهذه الضغوط لضمان مواصلة عملها وتجنب فقدان تراخيصها وتواجدها في السودان. إن استخدام مثل هذه التكتيكات ليس فقط يعوق جهود الإغاثة الإنسانية بل يضع مستقبل العديد من المدنيين في خطر حقيقي ، مما يتطلب استجابة دولية حازمة لضمان وصول المساعدات إلى جميع المحتاجين دون تمييز أو تدخل سياسي.
وقد حذرت منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة من مخاطر تزايد أعداد النازحين في السودان إلى 10 ملايين. وأفادت بأن النزوح يحدث تحت تهديد مستمر بتبادل إطلاق النار والمجاعة والمرض والعنف العرقي والعنف القائم على النوع الاجتماعي . كما أنها شددت مديرة منظمة الهجرة، إيمي بوب ، على أن الاحتياجات الإنسانية في السودان هائلة و يتعين الإيفاء بها فورًا ، مطالبة بجهود دولية موحدة لتجنب المجاعة التي تلوح في الأفق. ومع ذلك ، لم يتم تقديم سوى 19% من الأموال المطلوبة .
ووفقا لليونسيف يعاني 3.6 مليون طفل سوداني من سوء التغذية ، وسط مخاوف من وفاة الكثيرين خلال موسم العجاف الذي يقع بين موسمي الزراعة والحصاد ، حيث يقل الغذاء ويصعب الوصول بسبب وعورة الطرق.
أكد المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي لشرق أفريقيا، مايكل دانفورد ، أن “الوضع كارثي بالفعل ، ومن المحتمل أن يتفاقم أكثر ما لم يصل الدعم إلى جميع المتضررين من الصراع”. وبالنظر إلى التحديات الهائلة التي يواجهها السودان ، فإن الحاجة إلى دعم دولي عاجل وموحد أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى .
الحرب السودانية الأخيرة تعتبر كارثة بلا شك ، ويجب على السودانيين إعادة النظر إليها بصورة شاملة وموضوعية ، بعيدًا عن خطاب التشفي والكراهية والانتقائية في المواقف. يجب أن نركز على معاناة المدنيين وكيفية بناء مستقبل يتجاوز مرارات الحاضر ، تلك المرارات التي يغذيها المستفيدون التاريخيون من استمرار الحروب في السودان.
إن هؤلاء المستفيدين يسعون دائمًا لقطع أي طريق نحو التطور المدني الديمقراطي ، وهو التطور الذي يمنح السودانيين فرصة للتواصل بعيدًا عن نظريات السلطة التي ظلت تدير المشهد خدمة لفئات محددة، متجاهلة بقية المواطنين الذين لهم ذات الحقوق والواجبات في الدولة السودانية. استمرار استخدام سلاح الحروب والتجويع ومنع المساعدات الإنسانية ليس جديدًا ولن يكون الأخير إذا لم تُبنى دولة مواطنة حقيقية.
لقد كشفت الازمة الانسانية الحالية كنتيجة للحرب الجارية عن اهمية تأسيس نظام فيدرالي يمنح الجميع حقوقًا وواجبات متساوية ويحتفي بالتنوع الثقافي والإثني للسودانيين. لنعمل جميعًا على أن تكون هذه الحرب هي الأخيرة في السودان ، وأن نسعى نحو بناء دولة تخدم جميع المواطنين وليس فئة محددة. فقط بهذه الروح يمكننا تحقيق سلام دائم ومستقبل مشرق للسودان ، يضمن العدالة والمساواة والتنمية المستدامة للجميع.

 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..