
عمر الحويج
قصة قصيرة [مشهد داخل ذاكرة تتلاشى . ]
حمدان الجنيدابي .. يتذكَّر :
أنه.. في تلك ، الليلة الليل
حيث الزمان .. كان هو ، غير الزمان.
حيث المكان .. كان هو، غير المكان.
حيث الناس .. كانوا هم، غير الناس.
حمدان الجنيدابي .. يتذكّر:
أنه .. في تلك الليلة ، بعينها .. لا غيرها أرعدت السماء ، دونما سحب .. واهتزّت بفعلها .. الأرض ، والجدران ، والبشر .. وانشقّ الفضاء ، عن دويٍّ هائل .. لا مثيل له ، إلا في أساطير .. الآتين ، وليس الأولين!!.
حمدان الجنيدابي .. يتذكّر:
أنه .. فقط ، وفي لحظته : تلك الأولى . أو تحديداً أكثر دقة . ما قبل الأولى . انقلب على جنبه الأيمن ، ولكن حين اصطدم ، ذلك الدويّ ، بجدار الحلم ، الذي كان يناوشه. انقلب ، على جنبه ، الأيسر .. ولكن حين صحبت ذلك الدويّ الهائل ، تلك الهزة القوية ، التي ارتعش لها ذلك الجسد ، الموبوء قبلاً بالسهر والحمى . حتى انتفض مذعوراً ، مفزوعاً.
أول .. ما فكر فيه : أن حدثاً ، جللاً قد وقع .. رغم أنه لم يتبيّنه بعد ، إلا أنه قفز ، هذه المرة بجنبيه : الأيمن ، والأيسر -معاً هكذا- وفي وقتٍ واحد !! .
حمدان الجنيدابي .. يتذكّر :
أنه .. وكخطوة أولى -وإن لم تكن إرادية- بحث عن سكّينه ، التي عادة لا يخلعها من ذراعه إلا كي تعمل : عند الضرورة ، أو عند اللزوم .. وهذا ما يحدث بوتيرة متصلة .. يومياً.
حمدان الجنيدابي .. يتذكّر :
أنه .. ترك أمرَ تحسُّسه ، لموقع السكين. وتلفت يبحث عن نعاله ، حين وجد نفسه -كيف لا يدري- وهو في قلب الفضاء الشاسع.
حمدان الجنيدابي .. يتذكّر :
أنه ، لم يكمل البحث عن نعاله. تناسى أمر النعال ، حين أحس ، أن شوكة لعينة ، انغرزت في باطن قدمه.
حمدان الجنيدابي .. يتذكّر :
أنه .. تناسى أمر تلك الشوكة اللعينة ، حين رأى الآخرين وقد سبقوه ، واحتلوا قبله ، قلب الفضاء الشاسع.
حمدان الجنيدابي .. يتذكّر :
أنه ، تناسى أمر الآخرين ، الذين احتلوا قبله ، قلب الفضاء الشاسع ، حين رأى على مدى السراب ، تلك الشجرة الضخمة ، التي هي بحجم الفضاء الشاسع .. المتدلية من الأعالي ، ولم تلامس الأرض ، جذورها .. بعد.
حمدان الجنيدابي .. يتذكّر :
أنه .. تناسى ، وبتصميم هذه المرة ، أمر تلك الشجرة الضخمة ، والتي هي بحجم الفضاء الشاسع .. المتدلية من الأعالي ، ولم تلامس الأرض ، جذورها .. بعد. حين رأى .. لدهشته ، الآخرين .. الذين احتلوا قبله ، قلب الفضاء الشاسع .. يتحركون ، ولكن بأكفان : بعضهم ، بلا أجساد ، داخل أكفانهم ، وبعضهم بلا رؤوس على أكتافهم.
حمدان الجيندابي .. يتذكّر :
أنه .. تناسى أمر الآخرين ، الذين يتحركون .. ولكن بأكفان : بعضهم ، بلا أجساد داخل أكفانهم ، وبعضهم بلا رؤوس على أكتفاهم . حين تذكر ، أولئك الذين يأتون إليه .. يقولون :
هؤلاء الناس ، يولدون .. بغير ما ترغب!! .
يقول لهم ، حمدان الجنيدابي :
أبيدوهم .. أبيدوهم .. أبيدوهم!!.
حمدان الجنيدابي .. يتذكّر :
أنه .. تناسى أمر أولئك الذين يأتون إليه ، حين رأى بأم عينيه ، ذلك الجسد ، المصلوب بامتداد تلك الشجرة ، الضخمة ، بحجم الفضاء الشاسع ، المتدلية من الأعالي ، ولم تلامس الأرض ، جذورها ، بعد.
حمدان الجيندابي .. يتذكّر :
أنه .. تناسى أمر ذلك الجسد ، حين تذكّر أولئك الذين يأتون إليه .. يقولون :
هؤلاء الناس ، يعيشون حياتهم .. بغير ما ترغب!!.
يقول لهم .. حمدان الجيندابي :
أبيدوهم .. أبيدوهم .. أبيدوهم!! .
حمدان الجيندابي .. يتذكّر :
أنه .. تناسى أمر أولئك الذين يأتون إليه ، حين لمح لبرهة قصيرة وعابرة وإن لم تكن عامدة .. أن ذلك الجسد المصلوب ، بامتداد الشجرة الضخمة ، المتدلية من الأعالي ، بحجم الفضاء الشاسع ، ولم تلامس الأرض ، جذورها .. بعد ، يشبهه إلا قليلاً ، بمقدار لم يتبيّنه بعد.
حمدان الجنيدابي .. يتذكَر :
أنه .. تناسى أمر ذلك الجسد ، الذي يشبهه ، إلا قليلاً بمقدار لم يتبينه بعد حين تذكر أولئك الذين يأتون إليه .. يقولون :
هؤلاء الناس ، يفرحون ، ويحزنون .. بغير ما ترغب!! .
يقول لهم .. حمدان الجنيدابي :
أبيدوهم .. أبيدوهم .. أبيدوهم!! .
حمدان الجنيدابي .. يتذكّر :
أنه .. لم يتناس هذه المرة وإنما عادت إليه ذاكرته ، وامضة براقة .. وليس كعادتها ، حين تأكد له ، بعد برهة لاحقة لم تكن أبداً ، غير أنها متعمدة . أن هذا الجسد ، المصلوب بامتداد الشجرة الضخمة ، بحجم الفضاء الشاسع ، المتدلية من الأعالي ، ولم تلامس الأرض ، جذورها .. بعد . لم يكن إلا هو بعينه ، حمدان الجنيدابي بسكّينه .. التي لا يخلعها إلا لكي تعمل .. بنعاله التي تناسَى أن ينتعلها .. وحتى بتلك الشوكة اللعينة التي انغرزت في باطن قدمه.
حمدان الجنيدابي .. يتذكّر :
أنه .. تناسى كل هذا ، حين رأى تلك الشجرة الضخمة ، تعلو .. وتعلو ، وما عاد مصلوباً عليها ذلك الجسد ، الذي هو بعينه ، حمدان الجيندابي ، حين تذكر أولئك الذين يأتون إليه .. يقولون :
هؤلاء الناس ، يموتون .. بغير ما ترغب!! .
يقول لهم .. حمدان الجيندابي :
أبيدوهم .. أبيدوهم .. أبيدوهم!! .
حمدان الجيندابي .. يتذكّر :
أنه .. تناسى أمر أولئك الذين يأتون إليه ، حين رأى تلك الشجرة الضخمة وقد عادت وغرزت جذورها في باطن الأرض ولم يعد مصلوباً عليها ذلك الجسد ، الذي هو بعينه حمدان الجيندابي .
حمدان الجنيدابي .. يتذكَر :
أنه .. تناسى أمر تلك الشجرة الضخمة والتي غرزت جذورها في باطن الأرض ، ولم يعد مصلوباً عليها ذلك الجسد ، والذي هو بعينه حمدان الحنيدابي ، حين وجد نفسه ، يجري .. ويجري ، يلهث ويلهث ، بحثاً عن حمدان الجنيدابي ، الذي لم يعد مصلوباً على تلك الشجرة الضخمة ، بحجم الفضاء الشاسع ، والتي انغرزت جذورها في باطن الأرض .
وإن لم يجده .. يجري ويلهث .. وإن لم يجده ، يجري ويلهث .. وإن لم …
حمدان الجنيدابي .. يتذكَر :
أنه .. لم يعد يتذكَر ، فقد بدأت ذاكرته ، تتلاشى .. تتلاشى .. تتلاشى !!! .



