مقالات وآراء

عشرة أرواح أخرى في درب الإنتحار… فياربي كيف الإحتمال؟

همسات تنتقل سرا بأن الموعد قد أزف وإقتربت ساعة الرحيل إلى جهنم.
همسات تتراوح بين قلوب غضة تتعذب بين حب الأهل ألم الفراق ورغبة البقاء وقرار الإنتحار.
همسة مثل الفحيح من تاجر الموت بخبرهم بأن الإجراءات اكتملت من فيزا وتذاكر لمواقع عملهم الجديد وأي عمل فياسخرية القدر أن يصبح القتل عملا والدمار مهنة وأن تكون الوظيفة الجديدة (جندي مرتزق).
همسات وصلت لبعض الشرفاء فأطلقوا صرخة بأن نوقف هؤلاء الشرفاء من الإنتحار.
ْعشرة أرواح من القلوب النابضة المليئة بالحياة وحب الأهل والوطن قرروا أن يشتروا الموت ويسيروا في طريق الموت لمصير معلوم مقابل أن يشتروا الحياة لمن يحبون.
إنه قرار الإنتحار.
وصلتني هذه الصرخة والإستغاثة من توسم في الخير ولا أعرف من هو.
تعشم في مقدرتي ولم يدري عجزي وما زرعه من هم و ألم وجراح!!
فيا ألطاف السماء.
فياربي رحمتك.. فكيف إحتمالي لهذا الألم؟
وماذا أفعل سوى كلماتي العاجزه تنقل الفجيعة لأشارك الشرفاء شيئًا من الألم الذي خيّم على قلبي وقبض على مشاعري، وأنا أسمع ما يمرّ به شعبنا من دمار وقسوة وتوحّش وتمزق في الوجدان واليوم هاوية أخرية وقاع جديد من الألم والعذاب من كرياندينغو، في معسكر اللاجئين جاءتني هذه الصرخة من بين عشرات الآلاف من أهلنا يلتحفون العراء، ويحتمون بقطع من البلاستيك، يحاولون بها اتقاء أمطار السماء وتقلبات الجو.
لا يعلمون إن كان الصباح سيأتي بقطعة خبز تخفّف ما في أجوافهم من جوع وعذاب.
آلاف الضحايا النازحين، فقدوا الأمان وتفاصيل الحياة اليومية، وأُنهكت فيهم المقدرة على المواصلة.
يصراعون في كل لحظة ليجدوا ما يسدّ رمقهم، وما يحفظ لهم شيئًا من كرامتهم.
صرخات الأطفال تشقّ الليل الكئيب، وهم يبحثون عن قطرة حليب أو لقمة تخفّف آلام أجسادهم النحيلة التي لم تعرف معنى الشبع.
وآباء يتقلبون في فراش الجمر، يعانقون الألم وهم يفكرون بماذا سيأتي الصباح؟
وكيف يحمون أبناءهم من الحوجة، ومن آلام الجوع ومعاناة المرض والفقر؟
وبين هؤلاء شباب ما زالوا يصارعون وآخرون ضاقت أمامهم أبواب الأمل، حتى أصبحت حياتهم تتأرجح بين العدم واللامبالاة.
يرون المعاناة تنمو كل يوم داخل خيمتهم الصغيرة؛ لا يستطيعون أن يغضّوا الطرف عن دموع أمهاتهم، ولا أن يمنعوا أنفسهم من سماع أنين الحوجة.
يتقلبون في الليل، يفكرون في غد لا يرون فيه عملًا ولا أمانًا ولا حياة.
يعيشون الألم في كل لحظة وأنت ترى أمك تحتاج إلى العلاج ولا تستطيع مساعدتها، و تعرف أن إخوتك ينامون على الجوع، وأن تكون قادرًا على العمل ولا تجد عملًا، فذلك جرح يتجاوز الفقر إنه ألم يومي يمسّ إحساس الإنسان بالعجز وعدم الجدوى وكرامته، وضعفه على أن يكون سندًا لمن يحب.
وفي هذا الجرح يجد شياطين الإنس وتجار البشر مدخلهم فيشترون منهم ماتبقى من حياتهم يدفعون المال، ويقدمون للشباب بارقة من الأمل، وكثيرًا من معسول الكلام عن الوظيفة و المستقبل.
و يعلم شبابنا أن ما يُعرض عليهم ليس فرصة عمل كما يُقال، وإنما ثمن لبيع حياتهم للهلاك.
ومع ذلك يمضون، لأنهم لا يرون في الجلوس والانتظار تحت الأشجار وبين دروب معسكرات اللاجئين طريقًا لإنقاذ أسرهم.
يريدون لقمة تحمي إخوتهم الصغار من مسغبة الجوع، ودواء يخفّف ألم آبائهم، وقطعة ثوب تغطي أجساد أمهاتهم النحيلة وتحميهنّ من برد الليل في معسكرات النزوح.
وفي لحظة يأس، قد يتصور الشاب أن ما يمكن أن يقدمه لأسرته من خلال موته أكثر مما يستطيع تقديمه وهو حي.
يقول في داخله إن عدت، ساعدتهم.
وإن مت، فلعل المال يعينهم على الحياة.
على الأقل أن لحياتي قيمة أفضل من معاناة العجز والانتظار وأن تبيع حياتك وتشتري الموت هو الفرصة الوحيدة لمساعدتهم على الحياة؟
ومع اليأس تراجع السؤال عن كيف أبني مستقبلي؟
وأصبح كم يمكن أن تحصل أسرتي إذا فقدت حياتي؟
ما أقسى هذا العالم حين يصبح الابن مسؤولًا، في شعوره، عن إطعام أسرته حتى من خلال موته.
وما أقسى أن يستثمر أحدهم هذا الحب، فيحوّل استعداد الإنسان للتضحية إلى وسيلة لبيعه.
تمزقت قلوبنا مع المراكب سنينا التي تحمل شبابنا عبر البحار، بين رجاء الوصول واحتمال الغرق.
يضعون حياتهم في أيدي المهربين، ويدفعون ما جمعته الأسر بصعوبة، ثم يصعدون إلى قارب قد يصبح آخر مكان يجمع أسماءهم وأحلامهم.
وراء كل واحد منهم أسرة تنتظر اتصالًا، وأم تحفظ صوته، ومستقبل كان ينبغي أن يجد طريقًا أكثر أمانًا.
واليوم تأتي هذه الصرخة لتفتح باب آخر للآلم و للاستغلال وذلك باستدراج شباب سودانيين للانتحار(ليصبحوا مرتزقة) وإلى القتال يشترون الموت ويبيعون حياتهم مقابل المال.
وصلتنا هذه الصرخة تحمل إلينا أخبار الكارثة و مآسي الفقد.
وهي أخبار نقول إبتداء إنها وصلتنا و تحتاج إلى توثيق وتحقيق مستقل، لكن ما تثيره من قلق لا يسمح لنا بالانتظار الصامت.
ففي وراء هذه الصرخة مأساة عشرة من الشباب في طريق الضياع باعوا أرواحهم وفي انتظار الموت.
وقد وصلتهم البشرى (وأي بشارة) بأن سفرهم للمحرقة سيكون الأسبوع القادم.
صرخة تسابق الزمن وتحلم بأن تتحرك عجلات الحياة لتوقف هذه المجموعة من الإنتحار.
أشد ما يؤلم في هذه الصرخة أنهم يعلمون فحوى البشارة ومصيرهم وكيف سيُدفعون إلى الصفوف الأمامية والمواقع الأشد خطرًا، وأحيانًا دون تدريب كافٍ، كأنهم دروع بشرية وكواسح ألغام، وكأن أجسادهم خُلقت لتلقي الموت وإخلاء الطريق لغيرهم.
وفي هذه المعارك يُطلب منهم أيضًا أن يقتلوا ويدمروا أراضي آخرين، مقابل المال.
يُدفعون إلى التوحّش وهم متنازعين يبحثون عن لقمة عيش لأسرهم، ويُستغل حبهم لأهلهم لزجّهم في قتل أناس لا يعرفونهم، وفي صراعات لا علاقة لهم بها.
تصف الصرخة شبكة الشر وكيف تمت إجراءات السفر بسرعة عجيبة، وأوراقًا وسفارات و وكالات وتأشيرات يرتبها وسطاء، ثم رحيلًا تحيط به السرية والوعود الزائفة والأسئلة والخوف.
في حسابات أبالسة البشر الذين يرون أنهم مجرد أرقام.
لا يرون فيهم أبناءً تنتظرهم أمهاتهم، ولا قلوبًا أنهكها العجز، ولا شبابًا كان يمكن أن يبنوا وطنهم لو وجدوا فرصتهم.
شبكة توعدهم زيفا بحياة جديدة ولكنه ليس طريق للحياة بل طريق للإنتحار.
إن فهم المأساة التي دفعتهم إلى هذا الطريق لا يحجب إنسانيتهم التي تتمزق في كل يوم وندمهم على هذا الطريق و مأساة من يتعرضون للقتل على أيديهم.
هنا تمتد الجريمة من استغلال إنسان أنهكه الجوع إلى استخدامه في تدمير حياة إنسان آخر.
أحبتي سيأتي الأسبوع القادم وما أقسى لحظة الوداع تتجسد المأساة كلها.
يعانق الشاب والدته، ويطمئنها بحلو الكلام ووعود بالعودة، وهو يعلم أن هذا آخر لقاء.
يرتمي في حضنها، يغالب دموعه ودموعها.
تقول له(إن شاء الله ما آخر الوعد)، ويردّ، وقد أتعبه حبس الدموع وألم الفراق (اعفي لي).
ومن يعفي لنا صمتنا وجلوسنا نلعق جراحنا ونمسح دموع اليأس في مقاعد الانتظار وشبابنا في سوق النخاسة يبيعون أرواحهم.
لم يفارقها لأنه لا يحب الحياة معها، وإنما لأنه يحب لها الحياة أكثر من روحه.
هذه الحياة التي ضاقت عليه حتى لم يعد يرى طريقًا يسندها به.
ترك في يدها مالًا، ومضى يحمل خوفه، وربما إحساسًا مريرًا بأنه باع أيامه الباقية.
وقبل أن تفرح بما وضعه في يدها، ستأتي الأخبار تحمل صدمة رحيله وفاجعة فراقه الأبدي.
نعي هنا، وعزاء هناك، وبيت آخر يخيم عليه الصمت.
ألم لا تغطيه النقود، ولا يعوّضه وعد بمرتب أو مبلغ يُدفع للأسرة.
لن يعود جثمانه لتعانقه وتبكي وتصلي عليه؛ سيعود خبرًا بأنه فارق الحياة في أرض ما لا يعرف أين دفن بل هل دفن أم تمزق جسده الطاهر في الجو او أواسط البحار.
سيبقى قليل من المال، وسيغيب الابن وسيترك جرحا ومكانا خاليًا، وتبقى أمه تنتظر صوتًا لن تسمعه..
أحبتي في الوطن والانسانية هذه صرخة إلى كل من له ضمير، وإلى منظمات السودانيين في الخارج من قانونيين ومهنيين و المنظمات الإنسانية والحقوقية في كل أنحاء العالم انظروا إلى ما فعلته الحرب بالإنسان السوداني.
انظروا إلى الاستغلال الذي يجد طريقه عبر الجوع والنزوح وانعدام الأمان.
إن حماية شبابنا تستوجب الوصول إليهم قبل أن يصبحوا أسماء في طي النسيان.
فلنتحرك ولنجمع أيدينا سويا اليوم قبل غد.
في حملة تحمي الإنسان السوداني من أن تصبح حياته وروحه سلعة للبيع والشراء.
نحتاج إلى حضورنا جميعا تعاون مع المنظمات العاملة على الأرض،حتى نحول هذا النداء إلى حماية ملموسة، ويزرع قليلًا من الأمل حيث استقر الخوف والعدم.
ولكي تتحول هذه الصرخة إلى قضية رأي عام وعمل منظم، فإنني أدعو إلى
(1).التوثق والتأكد من هذه الصرخة وصحة هذه الأحداث
(2).إطلاق حملة عاجلة لحماية شبابنا من الإنتحار والاستدراج والتجنيد الاستغلالي،
(3).تقديم مساعدة عاجلة للأسر الأشد احتياجًا، وفتح فرص للتدريب والتعليم والعمل، حتى يجد الشباب بدائل عملية تحميهم من استغلال حاجتهم.
توفير دعم نفسي واجتماعي للشباب وأسر المفقودين والمتوفين، يحترم كرامتهم ويفهم أثر العجز والفقد والانتظار الطويل.
(4).فتح تحقيقات مستقلة في البلاغات عن تجنيد السودانيين مقابل المال، وتوثيق مسارات الاستدراج والجهات والوسطاء المسؤولين والسفارات والدول التي توفر التأشيرات وتوثيق وحالات الوفاة والاختفاء، مع حماية الضحايا والشهود وأسرهم
(5).دعوة الصحافة إلى متابعة القضية مهنيًا وإنسانيًا، والتحقق من الأخبار وكشف أنماط الاستغلال، وحماية هويات من قد يعرضهم النشر للخطر.
تشكيل لجنة تنسيق معلنة للحملة، تتولى توزيع المسؤوليات ومتابعة البلاغات ونشر تقارير موثقة عن العمل والنتائج.
(6).مطالبة المنصات الرقمية بالتحقيق في الحسابات والإعلانات المستخدمة في الاستدراج، واتخاذ إجراءات ضدها، مع حفظ الأدلة اللازمة للمساءلة.
أحبتي طفح الكيل وفاق الألم والدمار مقدرتنا على الصبر والتحمل..
إن كل شاب نفقده يترك فراغًا لا يملؤه المال مكانًا خاليًا على مائدة، وصوتًا تفتقده أم، وسندًا تنتظره أسرة، وحياة كان يمكن أن تزهر لو وجدت فرصتها.
يجب ألّا نكتفي بالدموع والوقوف أمام هذه المأساة.
علينا أن نحمي شبابنا من أن يصبح فقدان الحياة هو الحل الذي يرونه أمامهم، وأن نفتح أبوابًا للأمل والأمان والكرامة، وأن نغلق الطريق أمام من يجعلون مأساة شعبنا منجمًا للاستثمار، وحياة شبابنا بضاعة رخيصة تُباع باسم تأمين مستقبل أهلهم وإخوتهم الصغار.
لا ينبغي أن يُترك شاب سوداني أمام سؤال هل أبيع حياتي كي أُطعم أسرتي؟
يا أهلي ، يا من جمعنا حب الوطن وأوجعتنا حرب، تعالوا نتوقف قليلًا، وننظر إلى أين وصلنا.
لقد أخذت الحرب بيوتنا وأماننا وأحبابنا، وها هي تبلغ بأبنائنا حدًّا يرون فيه أن فقدان حياتهم قد يكون آخر ما يقدمونه لأسرهم كي تعيش.
لم تكن حياتهم رخيصة؛ هم أغلى ما عندنا، ولكن الجوع والعجز وانسداد الأفق جعلتهم لقمة في أفواه من يشترون أرواحهم.
تعالوا نتوقف من الهروب والانشغال في حملات التخوين والعنصرية وخطابات الكراهية وعن الخصومات التي تستنزف ما بقي فينا من قدرة على أن نسمع بعضنا.
نهرب من واقعنا في معارك الإسفاف في الأسافير.
فلنتوقف ولننظر حولنا لحجم مآساتنا ونرفع أعيننا قليلًا عن شاشاتنا، وننصت إلى أم تنتظر ابنها، وإلى شاب يودّع أهله وهو يخشى ألّا يعود، وإلى طفل ينام جائعًا بينما نتخاصم نحن حول من انتصر في حديث ومن أسكت الآخر في ندوة وحوار.
إلى أي نهاية نمضي؟
وماذا بقي للحرب أن تأخذ، بعدما أصبح بعض أبنائنا يبحثون في احتمال موتهم عن فرصة لحياة من يحبون؟
وإذا فقدنا شبابنا في دروب الارتزاق، فمن سيعود ليبني هذا الوطن؟
ومن سيحمل أحلامه، ويزرع أرضه، ويملأ بيوته بالضحك والحياة؟
يا أهلنا، أقولها بقلب موجوع يحبكم…. كفى وكفى كفى حربًا واقتتال….
وكفى اعتيادًا على الفجيعة، كفى انشغالًا عن هذا الوجع الذي يكبر بيننا و كل يوم مآساة وكل يوم دمار..
لاتفقدوا إنسانيتكم ولا تتركوا وجدانكم فريسة التمزق والتشظي والجراح.
لا تنتظروا حتى يصل النعي إلى أبوابكم لتدركوا أن كل شاب نفقده هو ابن لنا جميعًا، وأن كل أم ينكسر قلبها تحمل شيئًا من انكسار هذا الوطن.
ما زال بين أيدينا وطن أن يمكن نبنيه وأبناء يمكن أن نحميهم، وحياة يمكن أن ننقذها.
فلنجمع ما بقي فينا من رحمة وشجاعة، ولنقف معًا لوقف هذه الحرب، ولإعادة الأمل وحماية شبابنا قبل أن يودّعونا.
أحبتي قوموا لوقف الحرب والدمار يرحمكم الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..