مقالات وآراء

نحو سودان أخضر  .. مستقر ومتقدم 11 – 11

د. عيسى محمد عبد اللطيف

(11) مبادرة إعادة هيكلة المحليات لتقوم بوظائف العمل البلدي

هذه المبادرة تُشكّل القاعدة الأساسية لكل المبادرات التي تهدف الى تحقيق تنمية مستدامة في السودان، خاصة في الريف، إذ لا تنمية دون جهاز حكومي مؤهل وفاعل ويتمتع بالإرادة السياسية لتحقيق التنمية الحقيقية.

أولاً دعونا نتفق على أن من أكبر الانجازات التي يأمل كل سوداني وطني أن تحققها الثورة هي:

  • تنمية الريف
  • صحة وسلامة المجتمع.

وفي تحقيق هذين الإنجازين الحل لأغلب مشاكل البلاد الاقتصادية والاجتماعية والصحية.

ولكن لا يمكن تحقيق أيٍّ منهما في ظل الفراغ التشريعي والإداري الواضح على مستوى المحليات. وهذا الفراغ نتاج طبيعي لتركيبة المحليات التي لم تُكلّف في يوم من الأيام بخدمة المواطن والمجتمع المحلي، بل وُجدت لتخدم أعضاء التنظيم الحاكم على المستوى المحلي بفرض وجمع الجبايات وضمان التسهيلات القانونية والإدارية لراحتهم ورفاهيتهم، إضافةً الى الجانب الأمني الذي يهدف الى تثبيت أركان السلطة وضرب كل ما يهددها بيدٍ من حديد.

وبسقوط النظام أصبحت المحليات بلا وظيفة ولا هدف واضح ونشأ فراغ كبير هو السبب في العشوائية والتخبط في الإجراءات واتخاذ القرارات.

انقسم الوطنيون الذين يودون بناء السودان الى مجموعتين:

أولاً: مجموعة الاستراتيجيات وخطط العمل ومشاريع التنمية جاهزة واشتغلوا كثير من المبادرات المدروسة مثلما فعلت منظمة SudanNextGen وغيرها ومبادراتهم واقفة على التنفيذ، ولكنها اصطدمت بالفراغ التشريعي والاداري على المستويين الاتحادي والولائي ولم تجد جهة حكومية مؤهلة تنفذ أو حتى توقع عقود مع شركات مساهمة عامة للتنفيذ.

ثانياً: المجموعة التي تحاول اصلاح اجهزة الحكم من اعلى وهذه رغم انها مجموعة كبيرة جدا وتتمتع بخبرات مميزة الا انها ليست متفقة على نهج واحد وعجزت عن التعامل مع اختلال ميزان القوة والنفوذ المُرجّح لكفة فلول النظام السابق والعسكر. هذه المجموعة يجب ان تتوحد رؤاها وتفكر خارج الصندوق للخروج من مضيق السلطة والنفوذ المالي والإعلامي.

لا يمكن بناء السودان من المركز مع كل هذه النخب الفاشلة المُتكالبة على السلطة ومُصرّة على المحاصصات في تقسيم الوظائف. هذه النخب التي تندرج تحت 3 فئات تشكل مثلث الداء: السياسيين والعسكر والإعلام.

لذلك يجب ان تكون هناك مجموعة ثالثة لا تقل عددا وخبرة تعمل من القواعد. يجب حشد المجتمع المحلي ليطالب بمحليات تقدم خدمات حقيقية مقابل ما يدفعون من ضرائب وجبايات كانت تذهب لتمويل التنظيم والموالين فقط. وهنا يمكن للجان المقاومة ان تشكل المجالس البلدية التي تراقب عمل المحليات وتجيز التشريعات والميزانيات.

اصلاح المحليات يؤدي الى اصلاح الولايات الذي بدوره يسهل اصلاح المركز.

أما الأصل في تشكيل هذه المحليات فهو أن تقوم بالعمل البلدي، أي أن تقوم بوظائف البلديات المعروفة عالمياً، والتي تتمثل في:

  • التخطيط العمراني السليم بإيجاد خرطة مُوجِّهة لكل منطقة Master Plan  لا تحيد عنها في توزيع الأراضي وتخطيط القرى والمدن والبنيات التحتية في الحاضر والمستقبل.
  • تحديد المعايير والرقابة لجودة الهواء ولضمان توفير مياه الشرب الصحية للسكان.
  • رقابة الأغذية التي تضمن خلو الغذاء المباع في الأسواق من التلوث الكيميائي والجرثومي، سواء كان محلي أو مستورد.
  • إدارة النفايات الصلبة وفق منظومة متكاملة تبدأ بتوعية وتثقيف المواطن (مُنتج النفايات) وتكون مسؤولة عن تقليل وفرز وجمع وتدوير النفايات والتخلص النهائي من المتبقي بطريقة علمية تجعل من النفايات مورد اقتصادي وليس ملوث للبيئة. وهذا يتطلب التفريق بين النفايات العامة والنفايات الخطرة التي تشمل الطبية والصناعية والإلكترونية والمشعة.
  • إدارة الصرف الصحي والصناعي وفق منظومة تحول النفايات السائلة الى مورد اقتصادي، خاصة وأننا مقبلون على كوارث أكبر في المستقبل بسبب نظام السايفون الذي انتشر في كل انحاء البلاد وبسبب عدم فصل مياه الأمطار عن مياه الصرف الصحي والصرف الصناعي.
  • إدارة الزراعة والحدائق والشواطئ والمتنزهات العامة.

فإذا أبقينا على اسم المحليات أو عدنا الى الاسم الأصلي (البلديات) فإن الوظائف تظل هي هذه المذكورة، مرتكزة على تشريعات اتحادية ومحلية شاملة ومؤسسية تتوفر لها الكوادر البشرية المؤهلة والإمكانيات الفنية اللازمة من مختبرات ووسائل حركة واتصال والدعم المالي لتسيير دولاب العمل.

ويراقب المحلية (البلدية) ويشرف على أعمالها مجلس بلدي منتخب يجيز الخطط والمشاريع والميزانيات لتنمية وتطوير المنطقة.

وهكذا تكون تنمية الريف وفق خطط ومشاريع استثمارية زراعية وصناعية وسياحية تجيزها البلدية بناءً على دراسات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وهذه هي الأركان الثلاثة للتنمية المستدامة يضاف اليها الشراكة والمشاركة المجتمعية التي تضمن الرضا والاستمرارية.

إذا تم تأهيل المحليات بضغط من المجتمعات المحلية فإن أهل الأقاليم سيحلون مشاكلهم المعيشية دون الحاجة للحكومة المركزية، وذلك بالإنتاج للاستهلاك ا لمحلي أولاً. وأغلب الذين يجب إصلاحهم في الولايات هم سماسرة السوق وليس السياسيين، وهؤلاء السيطرة عليهم تأتي بتشريعات وسياسات لا تسمح لهم بربح أكثر من المُنتج.  وكثير من أموال المغتربين جاهزة للاستثمار في الريف فقط ينتظرون السياسات التي تضمن لهم حقوقهم ونجاح استثماراتهم. وبقليل من الصبر يمكن إصلاح حكومات الولايات بصعود المؤسسية من تحت.

وإذا أصلحنا الولايات هجر الناس العاصمة والمدن الكبيرة وعادوا الى الريف ليعيشوا حياة أفضل بدلاً عن ضيق الحال الذي يعيشونه يومياً بحثاً عن الضروريات. هذا يزيل الاختناقات التي جعلت الحكومة المركزية في حالة إدارة أزمات فقط وحالة دفاع عن النفس من الشائعات المغرضة والحرب الضروس التي يشنها أعداء الثورة.

وهكذا أيضاً نكون قد حققنا أكثر من 80% من صحة وسلامة المجتمع عن طريق الوقاية المتمثلة في جودة الهواء والماء والغذاء وإدارة النفايات الصلبة والسائلة وإجراءات السلامة من الحوادث والكوارث المختلفة.

إذن المطلوب الآن هو الترويج لمبادرة *(إعادة هيكلة المحليات لتقوم بوظائف العمل البلدي)* .. وتنفيذ هذه المبادرة يبدأ بالإرادة السياسية التي ربما تحتاج لحشد جماهيري يدعم المبادرة وتصبح مطلب شعبي.

وبمجرد إجازة المبادرة ضمن أولويات الحكومة فإن الباقي سيأتي تباعاً وفق همّة وإرادة كل مجتمع محلي. وهذا هو السبيل لإنهاء حالة الفوضى التي تعم الولايات الآن، بما في ذلك ولاية الخرطوم التي تعاني الأمرّين.

يمكنكم الرجوع الى سلسلة المقالات التي نشرت في الراكوبة ابتداءً من سبتمبر 2019 تحت عنوان: نحو سودان أخضر .. مستقر ومزدهر. فالحلقة الأولى كانت عن التنمية الريفية والثانية عن العمل البلدي.

كما أن هناك 9 فيديوهات في البيئة على منصة sudannextgen.com – صفحة الفيديوهات،

Videos

أهمها فيديو بعنوان (المخرج المُستدام من مأزق صحة البيئة في السودان) منشور باسم (Environmental health).

 

د. عيسى محمد عبد اللطيف

مستشار العناية بالبيئة واستدامة التنمية

[email protected]

د. عيسى محمد عبد اللطيف

مستشار العناية بالبيئة واستدامة التنمية Dr. Eisa M. Abdellatif Chief Technical Advisor Zayed Intl. Foundation for the Environment

‫2 تعليقات

  1. إقحام فكرة الإرادة السياسية المزعومة دي في عمل ومهام المنظومة الإدارية فكرة فاشلة وقد جربناها في نظام نميري ١٥ عاماً وفي نظام الأنجاس ٣٠ عاماً فهل حصل حققت أية تنمية أو رفاهية في الخدمات؟؟؟ أنت نفسك أجبت بالنفي على هذه المسألة وتريد أن تجرب المجرب تاني فقط لأن الإرادة السياسية هذه المرة تماهت عندك بالإرادة الثورية المتمثلة في لجان المقاومة أو الأحياء! هذا تفكير غير علمي لأنه متى ما انعدمت أو انحرفت هذه الإرادة والقوة الدافعة لتحقيق الطموحات السياسية لمجموعات معينة أو ذهبت تركت البلاد والعباد بلا خدمات ولا تنمية ولا يحزنون!!! إن فكرة الإرادة السياسية هذه شيء غير منضبط ولا مستدام ولا يصح أن ترتبط بوظائف ومهام الدولة فتتماهى معها لفترة ثم إذا ما فترت أقعدت معها الدولة كآلية لخدمة الشعب ولربما صيرت الشعب خادما الدولة التي تعني الجماعة السياسية أصحاب الإرادة إياها الذين يدعون تمثيل الدولة كما شهدنا في عهد الأنجاس.
    إن نظم الإدارة في الدولة مرتبطة ارتباطاً مباشراً وعضويا بنظام الخدمة العامة المدنية والنظامية ولا ينفكان عن بعض أبداً وأن قوامهما المشترك هو خضوعهما لقوانين الخدمة والوظيفة العامة المنضبطة والمستمرة مع بقاء الدولة وذهاب القوى السياسية الحزبية التي تتعاقب على قيادة سلطة إدارة الدولة مع التقيد بقوانين الخدمة العامة كما كان في العهود الديمقراطية السابقة التي لم تخل بالخدمة المدنية والعسكرية مطلقاً. أما اليوم وقد سئمنا من القوى السياسية الحزبية التي لم نشهد لها أية إرادة سياسية لتفعيل الخدمة المدنية عبر المشاريع الحكومية للتنمية والتطوير والخدمات كمثال تأهيل الوحدات الإنشائية والصناعية والإنتاجية وخلافها لتقديم وتوفير الخدمات والسلع الأساسية والقيام بالنشاط الحكومي الرسمي التصدير والاستيراد للمنتجات الأساسية التي تباشرها الدولة من خلال شركات القطاع العام – فإذا تقاعست الإرادة السياسية الحاكمة انعكس ذلك على أداء مؤسسات الدولة المركزية والطرفية.
    علبه فيجب أن تكون المنظومة الإدارية كلها تحت مباشرة وأداء الموظفين العموميين المختصين والمكلفين بهذه المهام وهذه المنظومة تتضمن رقابتها في ذاتها ولا تحتاج إلى الرقابة الشعبية بمعنى رقابة محاسبية وإنما فقط كفروع وروافد شعبية تعين الإدارات المعنية في تلمس احتياجات المواطنين وتحديدها لتلبيتها وفقاً للوائح والنظم التي تحكم عمل تلك الإدارات ضمن قانون الخدمة العامة.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..