مقالات وآراء

إذا كان الإسلام ديناً إلهياً عالمياً أبدياً، فلماذا يحمل في طياته كل سمات الجزيرة العربية

في القرن السابع الميلادي، بكل تفاصيلها البيئية والاجتماعية والثقافية؟

بشير محمد الحسن

أولاً: إله يفكر بعقل بدوي من قلب الصحراء

اقرأ وصف الجنة في القرآن الكريم، فما هي إلا لوحة حية لأحلام رجل يعيش في قفر صحراوي قاحل. ظل ممدود، وماء مسكوب، وفاكهة كثيرة، وأنهار من لبن وعسل وخمر غير مسكرة، وحور مقصورات في الخيام. هذا ليس حلم الإنسانية جمعاء، بل حلم إنسان يلهث وراء قطرة ماء في أرض يحرقها الظمأ، ويحترق جلده تحت لهيب شمس لا ترحم.

الإنسان الإسكندنافي الذي يعيش وسط الأنهار المتدفقة والغابات الخضراء والثلوج الدائمة، هل يحلم بنهر لبن؟ إنه يغرق في الماء أصلاً جنته بالنسبة له ستكون الدفء والشمس الدافئة. أما الإنسان في المناطق الاستوائية أو الجبلية، فتختلف أحلامه تماماً. الجنة في القرآن هي انعكاس صادق لحرمان بيئي محلي محدود، لا رؤية إله كوني يعرف أعماق كل البشر ويخاطب مشاعرهم المتنوعة عبر العصور والأقاليم.
وينطبق الشيء نفسه على عذاب النار: «كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب». يُسقى بماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه. لماذا هذا التركيز المفرط على الشوي والحـظرق والجلد المحـ.ترق؟ لأن في ثقافة بدوية قبلية، العقاب الجسدي الوحشي هو أقصى ما يتخيله الذهن البشري. إله كوني، خالق الملكوت والنفوس، كان بإمكانه أن يصف عذاباً روحياً عميقاً: الابتعاد عن الحقيقة، الوحدة الوجودية، الندم الأبدي، أو الظلمة الداخلية. لكنه يتحدث بلغة سيد قبيلة يعاقب عبداً آبقاً بالسياط والنار.

ثانياً: شريعة تشبه شريعة القبيلة، لا شريعة إله خالد أزلي

إله أزلي، خلق مليارات المجرات والكواكب والأرواح، ينزل ليقول: «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وما ملكت أيمانكم». «ما ملكت أيمانكم»؟ أي العبيد والجواري. الإله الخالق يشرع العبودية الجنـ.سية ويباركها؟
ويقول أيضاً: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما». قطع اليد؟ في عصر لم تكن فيه سجون مركزية ولا مؤسسات تأهيلية ولا نظام قضائي حديث. هذا حل قبلي سريع وعاجل، بربري في طبيعته، يناسب تماماً مجتمعاً بدوياً لا يملك مؤسسات ولا بنى تحتية.
لو كانت الشريعة إلهية أبدية، لكانت صالحة لكل زمان ومكان، تتجاوز الحدود الثقافية والتاريخية. لكن حاول تطبيق قطع اليد اليوم في برلين أو طوكيو أو نيويورك؛ لن تذهب إلا إلى السجن بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية. الشريعة التي لا تصلح إلا في مكان واحد وزمان واحد هي شريعة ذلك المكان وذلك الزمان بالضبط، لا شريعة الله الخالدة.

ثالثاً: محمد مركز الكون في القرآن

وهذه النقطة الأكثر دلالة، كما يركز عليها النقاد دائماً. يحتوي القرآن على أكثر من خمس عشرة آية تتحدث مباشرة عن حياة محمد الخاصة، زوجاته، بيته، ورغباته الشخصية.
الله يأمر 1.8 مليار مسلم أن يستأذنوا قبل دخول بيت محمد: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم». الله يهدد زوجات محمد بالعذاب المضاعف إن أتين بفاحشة. ويمنح محمد امتيازاً جنسياً فريداً لا يعطيه لأحد من المؤمنين: «وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين».
بالله عليك، أي إله كوني يترك قضايا الفقر والمجاعات والظلم الكوني، وينزل آية خاصة ليبيح لمحمد الزواج بأي امرأة تعرض نفسها عليه؟ هذا ليس كلام إله يخاطب البشرية، بل كلام رجل عبقري يريد أن يضفي قداسة إلهية على رغباته الشخصية وقراراته السياسية، حتى لا يجرؤ أحد على الاعتراض.
الإسلام لم ينزل من السماء إلى الأرض، بل صعد من أرض الجزيرة العربية إلى السماء. بدأ كحركة إصلاح اجتماعي وسياسي لرجل استثنائي في مكة والمدينة، ثم حوله أتباعه المخلصون إلى دين كوني أبدي، يتجاوز زمانه ومكانه.

هكذا يبدو الأمر لمن ينظر بعين ناقدة: دين يحمل بصمات بيئته وبيئة صانعه بكل وضوح، ثم يُرفع إلى مرتبة العالمية الخالدة.من يؤمن بالله تعالى إيمانًا صادقًا، ويصدّق بجميع رسله الكرام الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى إلى البشرية عبر التاريخ سواء كان ذلك النبي موسى عليه السلام الذي أُرسل إلى بني إسرائيل، أو عيسى ابن مريم عليه السلام الذي جاء بالإنجيل رحمةً وهدىً، أو أيًّا من الأنبياء والرسل السابقين الذين ذكرهم الله في كتابه أو لم يذكرهم بالتفصيل – فإنه يُعتبر مؤمنًا حقًّا بالله، ومتمسكًا بأصل الإيمان الذي دعا إليه جميع الرسل.
يقولون لنا دائمًا إن الإسلام دين عالمي شامل، وأن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أُرسل رحمةً للعالمين أجمعين، وأن القرآن الكريم نزل هدىً ورحمةً لكل البشرية جمعاء، دون استثناء لشعب أو أمة أو قارة. لكن دعونا نتأمل الأمر بعقل مفتوح ومنطق هادئ، بعيدًا عن العواطف أو التعصب: كيف يُمكن أن يكون هذا الكتاب – الذي أُنزل باللغة العربية الفصحى، وجاء بأسلوب بلاغي عربي معجز – موجّهًا فعليًّا ومباشرًا إلى أكثر من مليار ونصف المليار إنسان في الصين وشرق آسيا، الذين لم يسمعوا يومًا بحرف واحد من حروف اللغة العربية؟ أو إلى ما يقارب المليار شخص في شبه القارة الهندية، حيث تهيمن لغات مختلفة تمامًا كالهندية والأردية والبنغالية؟ أو إلى ملايين السكان الأصليين في غابات الأمازون الكثيفة، وفي أعماق أفريقيا الاستوائية، وفي أمريكا اللاتينية، وفي أوروبا الشمالية، وفي جزر المحيط الهادئ، وفي أستراليا ونيوزيلندا، حيث لم تصل اللغة العربية إلا بعد قرون طويلة، وغالباً ما وصلت بشكل غير مباشر أو متأخر؟

ثم إذا انتقلنا إلى وصف الجنة في القرآن الكريم، نجد أن الثمار والنعم التي ذُكرت هناك تركز بشكل واضح على ما كان مألوفًا ومنتشرًا في بيئة شبه الجزيرة العربية وقت نزول الوحي. فيُذكر النخيل بكثرة، والرمان، والعنب بأنواعه، والتين، والزيتون، وأحيانًا يُشار إلى الطلح (الذي يُفسَّر عند بعض المفسرين بالموز). لكن هناك آلاف الأنواع الأخرى من الفواكه الاستوائية والغريبة التي لم يُشر إليها القرآن بكلمة واحدة، مثل: المانجو بأصنافه الغنية، والأناناس الحلو الحامض، والكيوي، والبابايا، والجوافة، والليتشي، والدراقون فروت (فاكهة التنين)، والموز الأصفر الشائع اليوم في معظم العالم، والبرتقال بأنواعه الكثيرة، والفراولة، والتوت بألوانه، والأفوكادو، وغيرها الكثير من الفواكه التي تنمو في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية في أمريكا الجنوبية وآسيا وأفريقيا، والتي لم تكن معروفة أصلاً للعرب في القرن السابع الميلادي.

كذلك الأمر مع الحيوانات: يذكر القرآن أنواعًا مألوفة في بيئة العرب آنذاك، مثل الإبل (بأنواعها)، والخيل، والبغال، والحمير، والأنعام عمومًا، ويُشير إلى بعض الحشرات والطيور كالنحل، والنمل، والهدهد، والعنكبوت، والفيل، والغراب. لكن هناك حيوانات كثيرة جدًا لم يأتِ ذكرها مطلقًا، وهي منتشرة في قارات بعيدة أو بيئات مختلفة تمامًا، مثل: الكنغر الذي يقفز في أستراليا، والبطريق الذي يعيش في القطب الجنوبي ولا يطير، والنمر بقوته وسرعته، والفهد الذي يُعد أسرع حيوان بري على الأرض (وأقوى من الجمل في الجري)، والدب الباندا في الصين، والأسد الأفريقي (رغم ذكر الأسد في سياق محدود)، والفيلة الأفريقية (رغم ذكر الفيل في سورة الفيل)، لم ياتي ذكر الزرافة الطويلة العنق، والكوالا، والدب القطبي، والتمساح في الأنهار الاستوائية، والحيتان العملاقة في المحيطات، والدلافين، وغيرها من الكائنات التي تعيش في غابات الأمازون أو سهول أفريقيا أو جبال آسيا أو القطبين.

فكيف يُمكن أن نقول لشخص يعيش في الصين، أو في أستراليا، أو في البرازيل، أو في إندونيسيا، أو في أي مكان آخر بعيد عن شبه الجزيرة العربية: هذا القرآن نزل من أجلك أنت أيضًا، وهو رحمة لك ولأجدادك ولأبنائك بينما لم يسمع في حياته يومًا بجمل أو نخلة أو رمانة أو حمار، ولم يرَ في بيئته أيًّا من هذه الأشياء التي يُضرب بها المثل في القرآن للدلالة على نعم الله وقدرته؟
والسؤال الأعمق والأكبر: من بين مئات – بل عشرات الآلاف – من المذاهب والفرق والتيارات الإسلامية المختلفة التي نشأت عبر القرون، أيُّها هو الإسلام الصحيح الحق الذي سيفوز أهله بالجنة وينجون من النار؟ كل مذهب أو فرقة تدّعي أنها هي الفرقة الناجية، وأن أتباعها هم وحدهم أهل السنة والجماعة أو أهل الحق، وأن باقي المذاهب إما على باطل أو مبتدعة أو حتى كافرة. ونتيجة هذه الادعاءات المتضاربة: تكفير متبادل، وصراعات دامـ.ية، وقتـ.ال وفتن داخلية في بلدان مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان ولبنان وأفغانستان وغيرها الكثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة.

كل هذا التفرق والاقتتـ.ال والدمـ.ار – في نظر الكثير من الناس اليوم – ليس إلا نتيجة اختراعات بشرية، وتأويلات شخصية لرجال الدين والشيوخ، وصراعات سياسية وسلطوية، وما أنزل الله بها من سلطان حقيقي واضح.
هذه الأسئلة تُطرح بصدق وجدية من كثيرين، وهي تستحق إجابات منطقية ومقنعة، بعيدًا عن الدفاع العاطفي أو التعصب الأعمى أو الردود الجاهزة دون تأمل.

‫10 تعليقات

  1. خصوصية اللغة لا تعني محلية الحقيقة
    رد على مقال «إذا كان الإسلام ديناً إلهياً عالمياً أبدياً» لبشير محمد الحسن

    د. علي عبدالله الخليفة طه

    يطرح الأستاذ بشير محمد الحسن في مقاله ثلاث إشكاليات متتابعة: أن وصف الجنة والنار في القرآن مسقط من بيئة صحراوية محلية، وأن أحكام الشريعة (الرق، قطع اليد) قبلية بدائية لا تصلح لكل زمان، وأن آيات خاصة بحياة النبي محمد الشخصية تكشف عن نص إنساني يُضفي عليه أتباعه قداسة لاحقاً. ثم يضيف بُعداً رابعاً: تعدد المذاهب دليل على أن الاختلاف بشري لا إلهي المصدر. هذه أسئلة جادة، طُرحت منذ قرون في التراث نفسه قبل أن تُطرح من خارجه، ولها أجوبة راسخة في علم أصول التفسير والفقه لا تستدعي دفاعاً عاطفياً، بل تأملاً في طبيعة الخطاب الإلهي ذاته.
    أولاً: لغة الخطاب ليست حدود الحقيقة
    القاعدة الأصولية الحاكمة هنا صريحة: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم» (إبراهيم: 4). هذا ليس اعترافاً بمحلية الرسالة، بل تقرير لشرط إبستمولوجي عام: أي معنى، ليكون مفهوماً أصلاً عند متلقٍ أول، لا بد أن يتلبّس بصورة حسية من عالمه. هذا الشرط لا يخص القرآن؛ فالتوراة والإنجيل امتلآ بصور رعوية وزراعية فلسطينية ، الراعي، الحَمَل، الكرم، خبز الشعير، لا تُفهم بداهةً لصياد إنويتي في القطب أو صياد في غابات الأمازون، ولم يستنتج أحد من هذا أن يهوه أو المسيح «محليّان» في الجوهر.
    والقرآن ذاته ينبّه إلى أن هذه الصور تقريب لا مطابقة. الحديث القدسي «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» يقرر صراحة أن حقيقة النعيم تتجاوز كل وصف حسي ممكن، وأن الوصف نازل إلى مستوى الفهم البشري لا صورة طبق الأصل عن الغيب. هذا هو بالضبط ما يذهب إليه أهل العرفان: ابن عطاء الله السكندري وأصحاب المدرسة الشاذلية يقرأون هذه الصور بوصفها «تمثيلات» تشير إلى حقائق معنوية، القرب، الرضا، السكينة، الأمن الوجودي ، لا نهايات في ذاتها. الطبيب الذي يشرح مرضاً معقداً بأمثلة من الحياة اليومية للمريض لا يفعل ذلك لأن الحقيقة الطبية محلية، بل لأن التواصل الفعّال يقتضي الانطلاق من عالم المخاطَب.
    أما التركيز على العذاب الجسدي في وصف النار، فيقابله في القرآن نفسه وصف للعذاب النفسي والوجودي العميق: الحسرة («يا حسرتى على ما فرّطت»)، الوحشة والانقطاع («وقد خاب من حمل ظلماً»)، الندم الوجودي، الحجاب عن الرؤية («كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون»). القرآن يخاطب الإنسان بكليته: جسده وروحه معاً، لا لأنه عاجز عن تصوير عذاب روحي مجرد، بل لأن الإنسان كياناً جسدياً-روحياً واحداً، والخطاب الذي يهمل أحد الجانبين خطاب ناقص، لا خطاب أرقى.
    ثانياً: التدرج التشريعي لا التقديس للحظة التاريخية
    في قضية الرق، الدقة التاريخية تقتضي التمييز: القرآن لم يُنشئ مؤسسة الرق، بل وجدها راسخة عالمياً ، في روما والصين وفارس وكل حضارات ذلك العصر، وتعامل معها باستراتيجية تحرير تدريجي واضحة الاتجاه لا التكريس: تحرير الرقبة كفارة إلزامية في عشرات المخالفات (الظهار، القتل الخطأ، الحنث في اليمين، الإفطار المتعمد في رمضان)، نظام المكاتبة الذي يمنح العبد حق شراء حريته بالتقسيط، والحض المتكرر على العتق كأعظم قربة («فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة»). المقارنة العادلة ليست بين النص القرآني وبين مثال معياري افتراضي مجرد من التاريخ، بل بين اتجاه التشريع القرآني واتجاه التشريعات المعاصرة له: الاتجاه هنا نحو الإلغاء التدريجي، لا نحو الإبقاء أو التبرير.
    وفي قطع يد السارق، الفقه الإسلامي نفسه ، لا نقاد الشريعة من خارجها ، وضع من الشروط ما يجعل هذا الحد استثنائي التطبيق تاريخياً: نصاب مالي محدد، حرز حقيقي، انتفاء أي شبهة في الملكية أو الحاجة، درء الحد بالشبهات («ادرأوا الحدود بالشبهات»)، وتعليق عمر بن الخطاب الحد في عام المجاعة رغم النص الصريح ، وهو سابقة فقهية تُظهر أن مقصد الحد (الردع الرمزي الأقصى وحماية الملكية كأساس للاجتماع المدني) يعلو على حرفية التطبيق حين تنعدم شروط العدالة الاجتماعية المحيطة به. هذا يشبه احتفاظ دول حديثة كثيرة بعقوبة الإعدام كأقصى عقوبة رمزية نادرة التنفيذ فعلياً، دون أن يُستنتج من ذلك أن نظامها القانوني بدائي في جوهره.
    ثالثاً: تنظيم مؤسسة النبوة لا امتياز شخصي
    آيات الاستئذان لدخول بيوت النبي («لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم») لم تكن ترفاً شخصياً، بل تنظيماً لوضع سياسي فريد: بيت النبي في المدينة كان مقر الدولة الناشئة، ومركز الوحي، ومجلس القضاء والشورى في آن واحد. تنظيم الدخول إليه حماية لخصوصية عملية تشريعية وقضائية جارية، تماماً كما تُنظَّم اليوم بروتوكولات الدخول إلى أي مقر رئاسي أو قضائي دون أن يُفهم ذلك امتيازاً شخصياً لشاغله.
    أما آية «امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي»، فالمفسرون أنفسهم ، الطبري والقرطبي وابن كثير ، يوردون أنها لم تتحقق عملياً؛ لا تُروى امرأة واحدة وُهبت للنبي وتزوجها بهذه الصيغة. والأدق أن السياق التشريعي الكامل للآيات المحيطة بها (سورة الأحزاب) يخصّص للنبي أحكاماً أشد لا أخف: حُرّم عليه أن يستبدل بزوجاته أو يتزوج عليهن («لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج») بعد نزول آيات التخيير، وهو تقييد لا يشمل غيره من المؤمنين. القراءة التي تنتقي آية واحدة من سياق تشريعي متكامل وتُغفل ما يحيط بها من تقييدات مضادة قراءة جزئية لا منهجية.
    رابعاً: التعدد المذهبي ، وحدة الأصل لا فوضى العقيدة
    اختلاف المذاهب الفقهية والكلامية في الفروع ليس دليل بطلان الأصل، بل ظاهرة ملازمة لكل تراث فكري وقانوني إنساني بلغ درجة من النضج والاتساع: المدارس الفلسفية اليونانية اختلفت فيما بينها، والمذاهب القانونية الغربية (القانون المدني والقانون العام) تختلف جذرياً، والمدارس العلمية نفسها تشهد نظريات متنافسة. المعيار الحقيقي لسلامة تراث فكري ليس غياب الاختلاف بل وجود إطار جامع يدور حوله الخلاف: أركان الإيمان الستة وأركان الإسلام الخمسة ثابتة عبر كل المذاهب السنية والشيعية على اختلافها العميق في الفروع والفقه السياسي، وهذا بالضبط الفارق بين «وحدة في الأصل مع تعدد في الاجتهاد» وبين ما يصوّره المقال من فوضى عقدية لا ضابط لها.
    أما الاقتتال السياسي في السودان وسوريا والعراق وليبيا واليمن، فتحليله يقتضي فصل ما هو صراع على السلطة والموارد باسم الدين عمّا هو خلاف عقدي حقيقي؛ وهذا بالضبط ما يعالجه مشروع «ميثاق النجاة وبناء الدولة» حين يفصل الشرعية الوظيفية التصاعدية والعدالة الانتقالية عن أي توظيف ديني للصراع السياسي ، فالمشكلة مؤسسية وسياسية في جوهرها، لا نتيجة حتمية لتعدد المذاهب.
    خاتمة
    الأسئلة التي يطرحها الأستاذ بشير محمد الحسن مشروعة ومنهجية، وتستحق ما هي عليه من جدية لا ردود جاهزة. لكن التمييز الذي يغفله المقال هو الفارق بين خصوصية لغة الخطاب (الضرورية لأي تواصل مفهوم) وبين محلية الحقيقة المخاطَب بها (وهي مسألة أخرى تماماً). القرآن يخاطب الإنسان بصور من بيئته الأولى ليصل إلى معنى يتجاوز تلك البيئة، تماماً كما يبدأ كل تعليم حقيقي من المألوف نحو المجرد لا العكس.

    1. الله يكرمكم يا رجل ووالديكم دنيا وآخرة لقد أنتصرت لله ولرسوله وللمسلمين ولم تترك كاتب المقال الغارق في الجهالة أن يتبجح ويستهزأ بكلام الله ورسوله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

    2. القاعدة الأصولية الحاكمة هنا صريحة: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم» (إبراهيم: 4).
      القراءه العقلانيه لهذه الايه الكريمه دليل علي محليه الوحي والرسل هذا يقودنا الي التفكير في مدي عقلانيه وواقعيه فكره الديانه الإبراهيمية التي تجمعهم علي المشتركات – بديلا عن الفوقيه – بين اليهوديه والمسيحيه والاسلاميه – الترتيب تسلسلهم التاريخي – وبالتالي التناحر بينهم اقتصاديا وسياسيا تحت غطاء ديني علي شئون وصراعات دنيويه

    3. نشكر الأستاذ بشير محمد الحسن على اثارة هذه القضايا الدينية التى تجعل المسلمين على الطريقة السلفية يعيدون النظر فى عقيدتهم . اما المسلمون على الطريقة العرفانية سيقولون للك ” مرحبا بك انت فى اول الطريق ويمكنك ان تسأل وتعترض كيفما تشاء مع تمنياتهم للك بالهداية و ونور البصيرة “.
      ونشكر الدكتور على عبدالله على الرد العقلانى الجميل . مع تمنياتنا له بالوصول لليقين .

  2. نتيجة لهذه المغالطة خرج علي الناس الأستاذ محمود محمد طه بفكرة آيات الأصول ممثلة في القرآن المكي و ايات الفروع التي تعالج واقع المدينة و واقع العرب الصحرواي المحدود فقتلوه و هو شيخ في السبعين من عمره . و نسجا علي منوالك يا أستاذ مواقيت الصلاة و مواقيت الصوم صحيحة فقة في نطاق المناخ المعتدل القريب من المناخ المداريّ القريب من خط الاستواء . عملت في شمال كندا مدرسا و كنت قريب من القطب الشمالي حيث تختفي الشمس لمدة ستة اشهر فأين و متي هو شروق الشمس و غروبها و وقت الزوال و هل ستكون هناك إمكانية لصوم او صلاة ؟

  3. اسحب هذا المقال. ما الغرض والهدف وراء هذا المقال؟؟
    هذا المقال يسئ إلي الصحيفة أيضا.

  4. اسحب هذا المقال. ما الهدف من هذا الكلام غير المؤسس، والسئ الي الدين الاسلامي الحنيف؟!!

    1. سلام عليكم. لا اوافقك الراى رغم اختلافي التام مع كاتب المقال. المقال طرح اسئلة تدور فى روؤس الكثيرين و نقاشها فى العلن خير وسيلة للإجابة عليها. ترك الأسئلة دون الرد عليها و تحريم طرحها دفع شباب كثر للبحث عن بدائل حتى الإلحاد. كامل التقدير والاحترام لى د. علي عبدالله الخليفة طه للرد الهادي و الموضوعي دون الجوء لنعت الكاتب بالكفر و الردة و هو ما يلجاء له فقهاء السلاطين حفظة الكتب الصفراء و البعيدين كل البعد عن العلم و الواقع.

  5. الطبري والقرطبي وابن كثير ، من هم ؟! بشر فكروا وحللوا وفسروا في زمنهم ومكانهم الاستشهاد بهم في المداخلة اسقط التفكير العقلاني الحر المستقل عن حجه الرد

  6. الخروج من التقليد و تركه و البحث عن الأصالة في العبادة و العلاقة مع الخالق . افكار مهمة جدا يجب النظر اليها للخروج من مزالق تناقض منطوق النصوص المقدسة مع منجز الإنسان الحضاري و من معالجات النصوص المقدسة لحظة التنزيل الجغرافية و التاريخية. الغريبة أن من قال بهذه الفكرة هو نفسه الاستاذ محمود و لم يسمعه غير القليلون ! الصلاة ذات الحركات هي صلاة النبي ( ص) التي سنصل من تقليدها الي صلاة أصالة أي منا و كذلك صوم النبي ( ص) و غيره من العبادات. و جعلنا لكل منكم شرعة و منهاجا و يا أيها الإنسان انك كادح لربك كدحا و لا تزر وازة وزر اخري . جميعها إشارات للأصالة. التفكير الان يجب ان يكون في اتجاه جعل الإيمان و التدين مشروعات للتكليف الذاتي و الفردي لكم دينكم و لي دين و الأديان سواء و ليس مطلوب من أي متدين غير احترام معتقدات الآخرين !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..