مقالات وآراء

إذا كانت يدا مصر مقيدتين فإن يدي السودان مكسورتان

الفاضل إبراهيم

قُدِّم سدّ النهضة الإثيوبي الكبير، على امتداد أكثر من عقد، على أنه الشرارة المُرجَّحة لما اعتبره الكثيرون أكبر حرب مياه في العصر الحديث. كانت القصة بسيطة ومُقنعة: إثيوبيا، القوة الناشئة في المنبع، تُشيّد سدًا ضخمًا من شأنه أن يخنق شريان حياة مصر، القوة المُهيمنة تاريخيًا في المصب، مما يجعل الصراع حتميًا. انتهى هذا السرد رسميًا في 9 أيلول – سبتمبر، عندما افتتح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد المشروع المُكتمل الذي بلغت تكلفته 5 مليارات دولار، واصفًا إياه بأنه “إنجاز عظيم ليس فقط لإثيوبيا، بل لكل السود”.

وتدهورت أدوات النفوذ التي كانت قوية في مصر سابقًا. انهار تحالف المصب، واختفت الوساطة الدولية، وتكشف الآن عن منافسة أكثر تعقيدًا عبر وادي النيل، حيث لم يعد سد النهضة هو الجائزة، بل أصبح ساحة اللعب نفسها.

الجانب المُحدِّد لهذا الواقع الجديد هو الاندثار الدائم للخيار العسكري بالنسبة لمصر. ويبدو الخطاب العدائي الذي كان يملأ عناوين الأخبار الآن فارغًا. لقد عكست التصريحات الصريحة التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 2020 بأن مصر سوف “تفجّر السد” في نهاية المطاف خيارا سياسيا حقيقيا، وإن كان متطرفًا، قيد الدراسة في القاهرة في ذلك الوقت.

إذا كانت يدا مصر مقيدتين، فإن يدي السودان مكسورتان. وكان السودان شريكا مهما، وإن كان متذبذبا، في مجرى النهر. لكن الحرب الأهلية الوحشية استقطبت كل انتباهه. وقد تفكك نفوذه الدبلوماسي

هذا الخيار أصبح الآن مستحيلا سياسيا وعسكريا. فمصر منشغلة تمامًا بمشاكلها. الحرب المدمرة في غزة، والأزمة التي تركزت بشكل متزايد في القاهرة بعد الضربات الإسرائيلية على قطر، والكارثة الإنسانية المتواصلة، استنزفت قدراتها الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية. ولا ترغب مصر، بصفتها وسيطًا رئيسيًا في غزة، ومضيفًا لملايين اللاجئين، ودرعًا واقيًا من صراع إقليمي أوسع، في مزاولة أي عمل عسكري جنوبًا. وتمثل الحرب مع إثيوبيا (موطن 125 مليون نسمة) خطرًا لا تستطيع القاهرة تحمله ولن تتحمله.

ليس هذا الانسحاب الإستراتيجي مجرد ظرف طارئ، بل هو مسألة سياسية. وبينما يواصل الدبلوماسيون المصريون إدانة “الإجراءات الأحادية” التي تتبناها إثيوبيا والتحذير من “تهديدها الوجودي”، يُعِدّ المخططون في القاهرة بتكتم لمستقبل يقبل سد النهضة. ويبرز الدليل الأوضح في الاستثمار المصري الضخم في تحلية المياه.

كما كشف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مؤخرًا عن هدف طموح يتمثل في إنتاج عشرة ملايين متر مكعب من المياه المحلاة يوميًا في غضون ست سنوات. ومع تشغيل ما يقرب من 100 محطة بالفعل، والتخطيط للمزيد بالتعاون مع شركاء أجانب، تُعيد مصر صياغة أمنها المائي عبر تقليل اعتمادها الكبير على نهر النيل. ويمثل هذا اعترافًا ضمنيًا بنهاية النظام المائي السياسي القديم، القائم على معاهدتي الحقبة الاستعمارية (بين 1929 و1959) اللتين منحتاها حصة الأغلبية من النهر. وتخطط القاهرة الآن، آخذة وجود السد بعين الاعتبار، بدل مواجهته.

إذا كانت يدا مصر مقيدتين، فإن يدي السودان مكسورتان. وكان السودان شريكا مهما، وإن كان متذبذبا، في مجرى النهر. لكن الحرب الأهلية الوحشية استقطبت كل انتباهه منذ أبريل 2023. وقد تفكك نفوذه الدبلوماسي مع تحوله إلى ساحة لمعارك إقليمية بالوكالة. وتعتمد الحكومة التي تقودها القوات المسلحة السودانية في بورتسودان بشكل وجودي على مصر للحصول على الدعم العسكري والسياسي، بما يجبرها على ترديد خطاب القاهرة المناهض لسد النهضة في المحافل العامة، لكن الوضع على الأرض يبقى أكثر تعقيدا وخطورة.

وأظهرت وثيقة سرية كشفت عنها الجزيرة أن في أكتوبر 2022، قبل اندلاع الحرب الأهلية ولكن في خضم تفكك الدولة بعد ثورة 2019، وقّعت الخرطوم اتفاقية فنية مع إثيوبيا بشأن ملء سد النهضة وتشغيله. وكان هذا اعترافا خفيا من السودان بأن إنجاز السد (الموجود على بُعد تسعة أميال فقط من حدوده) يبقى أمرا لا مفر منه، وأن البلد كان بحاجة إلى تعاون مع أديس أبابا لتنظيم مياه سدوده وضمان إمدادات الكهرباء.

وأصبح هذا الاعتماد أكثر وضوحًا الآن. فبينما تدعم مصر القوات المسلحة السودانية، تزود إثيوبيا السودان بالكهرباء، مما راكم ديونًا تزيد عن 90 مليون دولار لم تُسدّد منذ ثلاث سنوات. ونتيجة لذلك، ينحاز السودان إلى مصر خطابيا، بينما يعتمد عمليًا على إثيوبيا، وهو انقسام مزّق كتلة دول المصب وترك القاهرة معزولة دبلوماسيا.

وكان موقف الإمارات العربية المتحدة نقطة تحول أخرى. فبعد فشل محادثات الولايات المتحدة والبنك الدولي، تحولت الإمارات من وسيط محايد إلى مشارك مستثمر. ويُظهر اتفاق شراء الطاقة الأخير بين شركة الطاقة الكهربائية الإثيوبية وشركة مرتبطة بمستشار الأمن القومي الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان قبول أبوظبي للواقع الجديد واستعدادها للاستفادة منه.

وبعد حرمان مصر من شركائها ووسطائها القدامى، اضطرت البلاد إلى تشكيل تحالف جديد. وقد شكلت تلك الاتفاقية الاستفزازية التي مكنت إثيوبيا من الوصول إلى موانئ أرض الصومال الانفصالية في 2024، وتجاوزت الحكومة الفيدرالية الصومالية وأغضبتها، فرصة كانت القاهرة بحاجة إليها. وسرعان ما أبرمت اتفاقية أمنية مع مقديشو، ممهدة الطريق لمحور احتواء إريتري – مصري – صومالي جديد.

الجانب المُحدِّد لهذا الواقع الجديد هو الاندثار الدائم للخيار العسكري بالنسبة لمصر. ويبدو الخطاب العدائي الذي كان يملأ عناوين الأخبار الآن فارغًا

وتقدم هذه الشراكة الثلاثية فوائد واضحة، حيث اكتسبت مصر موقعا إستراتيجيا على جناح إثيوبيا الشرقي، وضمنت إريتريا حليفا قويا ضد طموحات آبي تجاه مدينة عصب الساحلية. كما حظي الصومال بالمزيد من الدعم في مكافحة حركة الشباب إلى جانب ضمانات ضد التفكك الإقليمي بعد الاتفاق المثير للجدل بين إثيوبيا وأرض الصومال.

لكن محور الاحتواء المذكور يبقى قائمًا على المصالح لا على القناعة، مما يجعله غير مستقر بطبيعته. ويوضح الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ذلك على أفضل وجه، حيث رحّب بالمساعدة العسكرية المصرية، لكنه أكد أن أمن بلاده لا يزال مرتبطًا بآلاف القوات الإثيوبية، بعضها في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي الرسمية، والبعض الآخر منتشر بموجب اتفاقيات ثنائية.

ومن شأن الانفصال الكامل عن إثيوبيا أن يُحدث انهيارا أمنيا، ويترك فراغا تستغله حركة الشباب. وهذا ما يفسر سبب سفر الرئيس محمود (المفاجئ للمراقبين) إلى إثيوبيا لالتقاط صور ودية مع رئيس الوزراء آبي في حفل افتتاح سد النهضة. وقد أشار اقتراحه بالتوسط في نزاع النيل بوضوح إلى أن الصومال سيعمل كوسيط محايد بدلا من أن يكون وكيلا لمصر، على الرغم من التوترات في أرض الصومال وتعثر المحادثات بوساطة تركية.

وتتخذ دول أخرى في المنبع وحوض النيل قرارات مماثلة. فكينيا، التي حضر رئيسها وليام روتو الحفل أيضا، تستورد بالفعل الطاقة الإثيوبية وتتصور مستقبلها مرتبطا بشبكة إقليمية تعتمد على الطاقة الكهرومائية الإثيوبية. ويُقيّم جنوب السودان، البلد الهش الذي يتودد إليه الطرفان، علاقاته التاريخية مع مصر (مصدر دعمه الدبلوماسي والمساعدات الحيوية) وجاذبية جارتها الغنية بالطاقة. لاقت رؤية إثيوبيا “للمستقبل المشترك” صدى لدى الرئيس سلفا كير، الذي أيدها بالتزامه بأن يصبح بلده عميلا رئيسيا للطاقة المُولّدة من سد النهضة.

ويُشكّل استكمال سد النهضة تحديا خاصا بالنسبة لإثيوبيا. فبعد أن تحدت جيرانها وحققت حلمًا دام عقودًا، بتمويل لم يكن من المؤسسات الدولية، بل من مساهمات مواطنيها إلى حدٍ كبير، تواجه البلاد الآن خيارًا فاصلا: هل ستستغل السد لتعزيز تكامل إقليمي حقيقي، كما يُشير خطاب آبي عن “الفرصة المشتركة” أم ستستسلم للنزعة التوسعية القومية، مدفوعة بتعهد رئيس الوزراء بتصحيح “الخطأ التاريخي” المتمثل في خسارة ميناء على البحر الأحمر، وتُغرق القرن الأفريقي في دوامة صراع جديدة أكثر تدميرا؟

انتهى بناء السد، لكن فصل النيل الجديد لم يبدأ بعد.

تعليق واحد

  1. جملة من التناقضات فى ثنايا هذا المقال ,, فاثيوبيا مثلا لم تتحد أيا من جيرانها بل هى على توافق تام معها فضلا عن أنها قدمت حوافز لبعض الجيران كالسودان اذ التزمت ببيعه الكهرباء من السد الى السودان بأقل الاسعار المعمول بها عالميا وكما ذكرت فان السد يبعد عن الحدود السودانية تسعة أميال فقط وبالتالى لن تكون هناك تكلفة عالية لانشاء الخط الناقل.. والسودان فى أمس الحاجة الى الكهرباء سيما بعد الحرب المدمرة التى استهدفت بشكل خاص مرافق الكهرباء فى البلاد.. الشئ الثانى ليس بمقدور مصر اشعال حرب بعيدا عن حدودها لأنها مشغولة قبل اى شئ بما يجرى فى حدودها الشرقية اذ الوضع قابل للانفجار فى اية لحظة…لا زالت أيضا تجربة حرب اليمن حاضرة فى ذهنها بل انها كانت احد أسباب هزيمة يونيو1967م ومصر لن تحارب اثيوبيا لضرب السد الا اذا اصطف معها السودان وفى هذه الحالة فالحرب ستدور فى الاراضى السودانية واضعين فى الاعتبار أن أغلب السدود السودانية قريبة من الحدود مع اثيوبيا فخزان الروصيرص وسد سنار وسد خشم القربة كلها ليست بعيدة عن الحدود مع اثيوبيا والتى سترد على العدوان عليها عبر الاراضى السودانية بضرب هذه السدود فضلا عن أغلب التجمعات السكانية السودان ستكون فى مرمى النيران الاثيوبية ولا أتوقع أبدا أن صانع قرار سودانيا سيوافق على مثل هذا القرار,, مع العلم أن الحكومات السودانية منذ الاستقلال ظلت مرتمية تحت النفوذ المصرى بل تنازلت طواعية عن أراض سودانية كوادى حلفا التى غمرتها مياه السد العالى المصرى فضلا عن أمتداد مياه السد داخل الحدود الاقليمية السودانية مما خلق أغرب وضع فى العلاقات الدولية دولة تخزن مياها داخل حدود دولة اخرى وهو وضع لا مثيل له .. دعك من الاراضى التى استولت عليها مصر عنوة واقتدارا فى حلايب وشلاتين وابى رماد وتوارى المسؤولون السودانيون فى خفر العذارى دون البوح بكلمة عجلى فى الامر,,ولسنا بحاجة الى التحية العسكرية التى اداها الفريق البرهان لرئيسه المصرى السيسى…ان السد قد اصبح واقعا ومزاعم مصر بما أسمته الحقوق التاريخية لمصر فى مياه النيل هى حقوق أعطتها لها القوة الاستعمارية دون علم أصحاب الحق الحقيقيين من دول حوض النيل لأنها ببساطة لم تنل استقلالها… وحسنا فعلت دول الحوض أن عقدت اتفاقية عنتبى والتى اكتمل نصابها القانونى بانضمام دولة جنوب السودان اليها مؤخرا لتأسيس مفوضية حوض النيل ليكون مقرها فى أوغندا ,,,وقد أعترضت مصر كعادتها على هذه الاتفاقية بل أن وزير الرى المصرى قد وجه اساءات عنصرية للحضور من ممثلى دول الحوض …وهذه الاتفاقية لا تعترف بتلك الحقوق التى تعتبرها مصر تاريخية…نعم كل بلدان المنطقة ستسفيد من كهرباء السد بينما ينفرد السودان فقط بانتظام انسياب مياه النيل الازرق على مدار العام مما يبشر بتوسع الرقعة المروية من مياه الازرق وهذا يمثل حافزا اضافيا للوقوف مع قيام السد لان الممانعة أصبحت لا قيمة لها,,,بدلا من ذهاب حصة السودان من مياه النيل الى مصر حتى أن أحد ممثلى مصر قد سخر من الوفد السودانى فى أحد الأجتماعات المرتبطة بمياه النيل قائلا ( ان مصر سترفع دعوى الى مجلس الأمن متظلمة لأن السودان يدع حصته من مياه النيل تغمر الاراضى المصرية).. حاولت مصر توسيع شقة الخلاف بين اثيوبيا والصومال وقامت بما يوحى بانها تقدم دعما عسكريا للصومال فى نزاعها مع اثيوبيا لذلك لم يكن حضور السيد شريف لحفا افتتاح السد غريبا انما كان الأغرب فعلا هو غياب البرهان لأن السودان هو المستفيد الاكبر من بين دول الاقليم من هذا السد وكان هذا الغياب نزولا عند رغبة مصر وتوجيهها له ,,,, وهذا ما يفسر حقيقة علاقة التبعية التى تربط السودان بمصر…. لا شك فى ان كل المحاور تقوم على المصالح فلا مجال فيها للعواطف أو القناعات او التهويمات فهذه لا مجال لها فى العلاقات الدولية انما المصالح والمصالح فقط هى التى تشكلها وليست دول حوض النيل هنا استثناء.. دخول الامارات على الخط واستثماراتها فى اثيوبيا ودول الحوض الاخرى ضربة معلم يعرف مصالح بلاده ولا يتهاون فى تحقيقها ثم ما العيب فى أن تبحث الامارات عن مصالحها ولو كانت على سطح المريخ دعك من أرض السودان الهاملة التى يقتتل فيها أبناؤها فى حرب عبثية لم يعرف بعد أحد متى منتهاها ,,, نعم مصر دولة اقليمية مهمة ولكنها بدأت تفقد هذا الموقع لصالح قوى اقليمية اخرى ناشئة وناشطة فى المنطقة فدعمها الديبلوماسى لا يستفيد منه الا نظام لا يمثل الشرعية كما الحال فى حكومة بورتسودان لا غيرها فزيارة الرئيس الامريكى مؤخرا الى المنطقة لم تشمل مصر وكم ثارت ثائرة الاعلام المصرى على تجاهل ترمب مصر فى جولته تلك وقد نجد العذر لمصر فليس لديها من مال لتقدمه عربونا للتحالف مع ترمب مثل مثيلاتها من دول الخليج ,,, وللحق فان مال الخليج يخدم اليوم أهداف أصحابه وقد قال الامير محمد بن سلمان بأن السعودية هى التى ( حافظت على الدولار الامريكى) باعتبارها عملة تسعير البترول بعد ان فك نيكسون ارتباط الدولار الامريكى بالذهب ونشا تبعا لذلك ما سمى بالبترودولار….أرجو شاكرا قبول هذه الملاحظات على المقال مع شكرى وتقديرى

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..