السيادة أم إطالة الحرب؟.. قراءة في بيان الخارجية السودانية

في لحظة تتكاثف فيها الضغوط الدولية لإنهاء الحرب في السودان، جاء بيان وزارة الخارجية ردًا على تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، ليؤكد أن أي مقترحات للحل يجب أن تراعي “السيادة الكاملة” و”المصالح الوطنية العليا” و”وحدة الأراضي والمؤسسات”.
لغة البيان تبدو في ظاهرها دفاعًا مشروعًا عن الدولة، لكن في سياق الحرب الراهنة تطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل نحن أمام تأكيد لمبدأ السيادة، أم تمهيد لرفض أي تسوية لا تتطابق مع حسابات السلطة؟
البيان لا يعلن رفضًا مباشرًا لأي مبادرة سلام، لكنه يضع شروطًا واسعة ومطاطة. المشكلة ليست في مفاهيم السيادة أو الأمن القومي، فهي مبادئ لا خلاف عليها، بل في احتكار تعريفها.
في لحظة انقسام وطني وحرب مفتوحة، من يحدد “المصلحة العليا”؟ هل هي سلطة الأمر الواقع وحدها، أم أن المصلحة الوطنية تقتضي إشراك القوى المدنية التي دفعت الثمن الأكبر للحرب؟
إذا كان أي مقترح يتضمن وقفًا فوريًا لإطلاق النار، أو ترتيبات انتقال مدني، أو إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، سيُعتبر “تدخلًا في الشؤون الداخلية”، فإننا عمليًا أمام سقف تفاوضي مغلق، وأمام تحصين مسبق ضد أي تسوية جوهرية.
التجربة السودانية تُظهر أن تيارات الإسلام السياسي التي ارتبطت بحكم عمر البشير لم تتعامل مع التسويات السياسية باعتبارها نهاية للصراع، بل كأداة لإعادة التموضع.
واليوم يتردد سؤال مشروع: هل هناك تيار داخل بنية السلطة يرى أن وقف الحرب قبل إعادة ترتيب المشهد الداخلي لصالحه سيعني خسارته للمعركة السياسية؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن أي مبادرة سلام لا تضمن استمرار النفوذ القائم ستُواجَه بالمماطلة أو التعطيل، ولو تحت لافتة السيادة وحماية الدولة.
أما عن قدرة الحكومة على تحدي المجتمع الدولي، فالمعادلة معقدة. ففي مجلس الأمن الدولي، تمنح توازنات القوى هامش حركة، خاصة مع حساسية بعض الدول تجاه ملفات السيادة وعدم التدخل.
أما إقليميًا، فإن “الرباعية” التي تضم: الولايات المتحدة، المملكة العربية السعودية، الإمارات، ومصر ليست كتلة صماء. تباين المصالح يمنح الخرطوم مساحة مناورة.
لكن القدرة على المناورة شيء، والقدرة على الصمود طويلًا في وجه عزلة دولية شيء آخر. اقتصاد منهك، مؤسسات متآكلة، ملايين النازحين… كلها عوامل تجعل كلفة التحدي مرتفعة، وربما غير قابلة للاستدامة.
يُطرح كذلك سؤال حول ما إذا كان التعاطف المصري–السعودي مع الحكومة يشجعها على التشدد. تنظر مصر إلى السودان من زاوية أمنها القومي ووحدة مؤسساته، بينما تركز المملكة العربية السعودية على استقرار الإقليم ومنع تفكك الدول.
غير أن هذا التعاطف مع “مؤسسات الدولة” لا يعني بالضرورة دعمًا لرفض السلام. فاستمرار الحرب يهدد الاستقرار الإقليمي ذاته، ويُبقي السودان ساحة مفتوحة للفوضى والتدخلات.
وإذا تحولت الحكومة إلى طرف رافض صريح لمبادرة سلام تحظى بدعم دولي واسع، فإن حسابات العواصم ستتغير، لأن الدول تتحالف مع المصالح لا مع الخطابات.
في حال رفض مبادرة سلام متكاملة، فإن السيناريوهات المتوقعة ليست نظرية. قد يبدأ الأمر بتصعيد دبلوماسي متدرج يشمل بيانات إدانة وضغوطًا سياسية، ثم ينتقل إلى عقوبات محددة الهدف تطال قيادات بعينها عبر قيود السفر وتجميد الأصول.
ومع استمرار التعطيل، قد نشهد تحولًا تدريجيًا في شكل الاعتراف الدولي، إذا توافقت القوى المؤثرة على دعم مسار سياسي مدني بديل. التجارب القريبة تؤكد أن المجتمع الدولي لا يتحرك دفعة واحدة، لكنه يتحرك عندما تتراكم مؤشرات الرفض والمماطلة.
جوهر المسألة يبقى في تعريف السيادة نفسها. السيادة ليست شعارًا يُرفع في البيانات، بل مسؤولية تُمارس بحماية المواطنين وصون كرامتهم.
عندما يصبح ملايين السودانيين لاجئين ونازحين، فإن السؤال لا يكون عن حدود التدخل الخارجي فحسب، بل عن حدود الفشل الداخلي.
تحويل السيادة إلى أداة لتعطيل وقف إطلاق النار يفرغها من معناها، لأن الدولة التي تعجز عن حماية شعبها لا يمكنها الاحتماء طويلًا بالشعارات.
المطلوب دوليًا أن يُربط أي اعتراف سياسي أو دعم مستقبلي بوقف فوري لإطلاق النار، وبمسار واضح لانتقال مدني، وبضمان إشراك القوى المدنية السودانية في أي تسوية.
والمطلوب وطنيًا إعادة تعريف “المصلحة العليا” باعتبارها وقف نزيف الدم أولًا، لا إعادة ترتيب موازين السلطة داخل المعسكر الحاكم.
السودان اليوم أمام اختبار مزدوج: اختبار الإرادة الوطنية، واختبار صدقية المجتمع الدولي.
إذا كانت الحكومة ترى في كل مبادرة “تدخلًا”، فإن الحرب ستتحول من صراع داخلي إلى أزمة عزلة خارجية.
وإذا أراد المجتمع الدولي سلامًا حقيقيًا، فعليه ألا يقبل بتسوية تعيد إنتاج الأزمة.
السلام ليس هزيمة لأحد، لكنه قد يكون نهاية امتيازات البعض. وهنا تكمن العقدة الحقيقية، التي ستحدد إن كان خطاب السيادة جسرًا إلى الاستقرار، أم ستارًا لإطالة أمد الحرب.



