مقالات وآراء

ردّ على هرطقات دفع الله الحاج: بين النفاق والذاكرة السودانية

حسن عبد الرضي

في مؤتمر صحفي أُقيم بالرياض صعد إلى المنبر رجلٌ يدعى دفع الله الحاج علي، سفير السودان لدى المملكة العربية السعودية، وراح يتكلّم بوقاحةٍ يُحسد عليها وبجاحةٍ لا تُغتفر: يتهم دولاً وجيراناً ويستجدي العالم أن يدين «مليشيا» هو في الحقيقة أحد أبنائها أو من رَّتَب صعودها وتغذيتها. هذا الكلام ليس مجرد هرطقة كلامية بل هو محاولةٌ لشيطنَةِ الحقيقة وتبييض سوابقٍ سوداء؛ محاولةٌ لتمويهِ الشعب عن جَرَمٍ طال نَسجه ونَمّاه نظامٌ مجرم حكمَ البلاد لعقود.
أقولها صراحة: لا يمكن لمن خان الوطن يومًا ثم ادّعى الضمير والإنسانية أن يملك الحقّ في الوقوف على منبر ليتباكى على المدنيين. يا سادة، من خانوا الوطن وراحوا يخلقون الميليشيات ويُدرّبونها ويُجهزونها هم الذين يتكلمون اليوم عن «انتهاكاتٍ» وكأنهم لم يفرخوا أصلاً تلك الوحوش. كيف يُصدَّق من برز كمدافعٍ عن هذه القوى في محافل دولية قبل سنواتٍ، ثم يعود اليوم ليلوم العالم على صمته؟ هذه المفارقة ليست فقط ضحكًا على الذقون، بل جريمةٌ تضاف إلى سجلّ الكذب السياسي.
هل ننسى كيف كان “هلافيت” نظام “الانقاذ” المباد تدافع في محافل الأمم المتحدة عن قواتٍ اتهمها العالم مرّاتٍ بارتكاب مجازرٍ؟ هل نغض الطرف عن الحقائق التي تُذكر بأن محاولات إدانة هذه القوى في أروقة المجتمع الدولي اصطدمت بدبلوماسيةٍ داعمةٍ لها؟ هذا ليس «شكا» ولا «تهمٌ» بلا دليل؛ التاريخ مسجّل، والوثائق لا تنسى من دافع وعنّف ومن ساعد وأجهَض.
وما أشدّ الوضوح أن تصريحات السفير التي تكرّر ملامح الضحك على ذكاء الناس — بأن الجيش «خرج» من الفاشر لحماية المدنيين وأنه «سوف يعود» ليحميهم قريبًا — هي أكاذيبٌ لا تُخدّر ضميرًا ولا تُخفي الحقائق. من صنع الجنجويد ومن ربّى على العنف ومن زرع ثقافة الانتقام هو نفسه الذي يريد اليوم صفحَةً بيضاء. هل يريدون أن نصدّق أن يدهم نظيفة بينما تتلطّخ سجلاتهم بدماء المدنيين، وبمجازرٍ في دارفور وأماكنٍ أخرى لا تُحصى أرقامها ولا تُمحى آثارها؟
إنّ استثمار مأساة الفاشر سياسياً — تذكّروا ذلك جيدًا — هو أقذر ما يمكن أن يقوم به سياسي يطمح إلى السلطة. لقد طال انتظار أهالي الفاشر سنواتٍ وشهورًا تحت الحصار والقتل والترويع، والآن تذكّرتموهم لأن مصالحكم السياسية تقتضي ذلك؟ هذا نفاق في نفاق، واستثمارٌ سياسي مقزز في دماء المواطنين الذين لا ذنب لهم سوى أن وطنهم قذف بهم في جحيم صراعٍ لا يهم قادته سوى مواقعهم.
أما عن خطابات «الوفاء للمؤسسة العسكرية» وادّعاءات أنها ستحمي الوطن وتعيد النظام والكرامة، فأقول: المؤسسة التي شجّعت وسهّلت وجود الميليشيات أو غضّت الطرف عنها لا تستحق أن تتحدّث عن العدالة. من لم يُحاسب من أبادوا شعوبًا أو لطخوا بلداً عزيزا بالدم طيلة عقود لا يملك اليوم شرعية أن يُملي على الشعوب درسًا في الأخلاق أو القانون. إنّ من فعل ذلك، لن يترك ساحةً إلا وهو يحاول أن يغسل يديه بماء عفن.
في الختام، نقولها بعنفٍ أخلاقيٍ واضح: الشعب سيرفع صوته ضدّ هذه السرديات المزيّفة، وسيحاسب التاريخُ من زرع المشروع الطائفي والمليشياتي في ربوع السودان. لن تُقمع الحقيقة بالخطب المزوّرة ولا بالتصريحات الملفقة؛ فالذاكرة السودانية حيّةٌ، والدماء لا تُمحى، والعدالة — وإن تأخرت — قادمة لا محالة. وختامًا: إنّ من صنعوا الجنجويد والميليشيات هم من سيُقتلعون من جذورهم، وستُزال عن جلد هذا الوطن كلّ “أشجار زقوم” العار التي غرستها أياديهم.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..