مقالات وآراء

أنماط طرائق التفكير السوداني (٣٢) 

 

عوض الكريم فضل المولى وحسن عبد الرضي

مناهجنا التعليمية… بذرة حربناهل يمكن إيقاف الحرب دون أن نوقف ما يغذّيها من أفكار؟وهل يمكن اقتلاع العنف من الشارع، إن كان قد نبت أولًا في عقول الصغار؟هذه ليست أسئلة بلاغية، بل هي دعوة للعصف الذهني، ولحوار وطني صادق. إنها دعوة فكرية لتأمل ما نقدّمه من مناهج تربوية تنحدر نحو تغذية الجذر العميق من جذور العنف السوداني: المناهج التعليمية.في كل صباح، يستيقظ السودانيون على أخبار مأساوية: جثث تُسحل، نساء يُغتصبن، أحياء تُحرق، ومبانٍ تُقصف.وقد يكون من السهل أن نوجّه أصابع الاتهام نحو الفاعلين المباشرين — قوات الدعم السريع، أو الجيش، أو الشرطة، أو العصابات المنظمة — لكننا نتغافل عن الحقيقة المُرّة: أن هؤلاء جميعهم هم نتاج تربية، ومخرجات تعليم، وتكوين عقلي بدأ من الصفوف الأولى. فالمدرسة قد تكون الحاضنة الأولى للعنف.هل نشأ الجنود والجلادون فجأة؟أم أن هناك مدارس علّمتهم أن الخنوع فضيلة، وأن الضرب وسيلة للتقويم، وأن النقاش نوع من الوقاحة؟بل إن في كثير من الفصول الدراسية، تُزرع البذور الأولى للاستبداد حين يُمنع الطفل من السؤال، حين يُهان التلميذ أمام زملائه، حين يُمجّد العنف كأداة للنصر، وتُغرس في النفوس عقيدة “السمع والطاعة” الأبوية أو العقدية.لقد فشلت مناهجنا التربوية الرسمية وموروثنا التربوي الثقافي المجتمعي – على مدى عقود – في بناء عقل نقدي حر، وفشلت في تعليم قيم الرحمة والمساواة والعدالة.وبدلًا من أن تُخرج مفكرين وفلاسفة وصنّاع سلام، أخرجت أجيالًا اعتادت العنف وشرعنته باسم “التربية” والثقافة المجتمعية.فكانت مناهج “الإنقاذ” تُديّن العنف وتؤسس له باسم الإسلام، وتُسيّس التعليم باسم المشروع الحضاري.في عهد نظام “الإنقاذ”، تحوّلت المدارس إلى معسكرات صغرى، وتحوّلت المناهج إلى أدوات حشد عقائدي وحربي.صارت المدارس تُنتج وقودًا بشريًا لجبهات القتال، لا مواطنين منتجين مسؤولين إنسانيًا وأخلاقيًا.تمّت عسكرة التعليم وتخديره أيديولوجيًا، فخرجت أجيال تعرف كيف ترفع السلاح، لكنها تجهل كيف تتحاور أو تتفاوض أو تتعاطف.السؤال الجدلي: هل العنف في الشارع صدفة؟ أم منهجي؟حين نرى شرطياً يسحل شابًا، أو جنديًا يضرب امرأة، هل نتساءل كيف تشكّل وعي هؤلاء؟هل هم “وحوش فردية”، أم مخرجات لمنظومة تعليمية رعت ثقافة البطش؟ألسنا نحن من علّم أطفالنا في الصفوف الأولى أن “الضرب وسيلة تربوية”؟ألسنا من استخدم السخرية والإهانة كأدوات ضبط؟ألسنا من قرأ على مسامعهم أن “الصمت طاعة”، وأن “الخروج على ولي الأمر فتنة”، وأن “العقلانية زندقة”؟فلنسعَ نحو تفكيك عقلية الجلّاد من المقررات.وإذا أردنا سلامًا حقيقيًا، فلا بد أن نبدأ من العقل، لا من البندقية.نحتاج إلى ثورة منهجية جذرية، تُعيد بناء التعليم على أسس إنسانية، عقلانية، متسامحة، تعترف بالآخر، وتحترم كرامة وعقيلة الطفل.نريد منهجًا يُعلّم التلميذ كيف يطرح السؤال، لا كيف يحفظ الجواب.نريد مقررات تُربّي على التفكير الجماعي، والتضامن، لا على التنافس الأعمى والانغلاق.نريد بيئة مدرسية خالية من التمييز والتنمر والتحقير، غنية بالتشجيع، مفعمة بالحوار.ولا بد لنا من أن نعي أن لا سلام بلا تعليم… ولا تعليم بلا إصلاح جذري.إذ من العبث الحديث عن اتفاقات سلام، دون الحديث عن تغيير المناهج وبيئة بشرية تفاعلية.ومن الوهم توقّع الأمن، في ظل أنظمة تعليمية تنتج كل عام جيلًا جديدًا من الجنود العقائديين، لا من المدنيين المفكرين.فالرصاصة لا تبدأ من فوهة البندقية، بل من كلمة في كتاب، أو إهانة في صف، أو فكرة مغشوشة غُرست في عقل طفل.لا نملّ من تكرار أن دعوتنا — أساسها العصف الذهني — هي الوحيدة التي تسمح بالتعافي الوطني.ولنطرح السؤال بجدية على كل مائدة حوار وطني:هل مناهجنا التعليمية اليوم تصلح لبناء السلام؟هل معلمونا مُدرّبون على احترام عقل التلميذ؟هل مؤسساتنا التربوية تصلح أن تكون نواة لمجتمع إنساني سليم؟إذا كانت الإجابة: لا — وهي كذلك — فلا بد من الشروع فورًا في وضع خطة قومية شاملة لإعادة بناء التعليم السوداني من الجذور، يشارك فيها المفكرون، والتربويون، وعلماء النفس، وقادة المجتمعات.في خاتمة مقالنا، دعونا نؤكد يقيننا أن مستقبل السودان يبدأ من فصله الدراسي.وكل رصاصة تُطلق في الخرطوم أو دارفور، هي — في الحقيقة — نتيجة لفكرة تعليمية مسمومة، زُرعت قبل سنوات في عقلٍ صغير.فلنُنقذ المستقبل، بإصلاح المناهج أولًا.جففوا منابع العنف من التعليم وثقافتنا المجتمعية، إن كنتم تريدون سلامًا لا تذروه الرياح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..