حَدِيثُ الكُتُب (٢)

حسن عبد الرضي الشيخ
الدين والتنمية الاجتماعية
للأستاذ محمود محمد طه
الطبعة الأولى – ذو الحجة ١٣٩٤هـ / ديسمبر ١٩٧٤م
حين تقرأ كتاب “الدين والتنمية الاجتماعية”، تشعر أن الزمن ينقلب، وأن الكلمات لا تُقرأ بل تُستَشعَر، كأنها تُنفَخ في الروح لا تُسطر على الورق. هو ليس كتابًا بالمعنى المألوف، بل وثيقة استبصار خارقة، نُقلت بلغة الكلام من محاضرة ألقاها الأستاذ محمود على طلبة الجامعة الإسلامية، لكنها تجاوزت زمانها ومكانها، لتصبح اليوم مفتاحًا لفهم الأزمة السودانية، بل الإنسانية، في علاقتها بـ”الدين والعلم والرزق والتنمية”.
وجوهر الكتاب أن العلم والرزق والدين ثلاثية لا تستقيم الحياة إلا بها.
العلم وسيلة للرزق، والدين هو الذي يوجه هذا العلم نحو الخير العام، فلا ينقلب إلى شر كما يحدث حين ينفصل العلم عن القيمة.
من هنا، يتجاوز الكتاب المفاهيم الاقتصادية الضيقة، ليعيد تعريف التنمية باعتبارها “نموًا روحيًا” قبل أن تكون نموًا ماديًا. فالدين عند الأستاذ محمود ليس طقوسًا، بل “منهاج حياة” يهذب الطموح، ويوجه الإنسان نحو الجماعة، لا الصراع معها. والعلم ليس خصمًا للدين، بل شقيقه في طريق معرفة الله، والرزق ليس رزق المعدة فقط، بل أيضًا رزق الضمير والعقل.
وقد يبدو للبعض أن هذا الحديث مثالي.. لكن الواقع يقول غير ذلك.
فالكتاب – الذي كُتب قبل نصف قرن – يتحدث عن أزمات الحاضر وكأنه كُتب اليوم:
الانهيار الاقتصادي، تدهور التعليم، الانفصام بين الدين والسلوك، توحش السوق، وتغوّل الفساد باسم التدين.
يُنبه الأستاذ إلى أن التنمية لن تنهض في بيئة تجهل الدين، ولا دين التقليد، بل الدين “المفهوم في مستوى القرن العشرين”.
ولا تنجح برامج الإصلاح إن ظلت عالقة بين تيارات دينية جامدة ونخب علمانية ترى الدين عقبة لا طاقة.
وفي ضوء الحرب والدمار والانهيار الشامل الذي تعيشه بلادنا اليوم، تتجلى دعوة الأستاذ محمود في أوضح صورها:
إن المخرج لن يكون عبر القروض الدولية، ولا المؤتمرات الشكلية، بل بتغيير الإنسان، ولن يتغير إلا بفهم جديد للدين يجعله حرًا ومسؤولًا ومبدعًا.
ولذلك نقترح:
١. إدراج الكتاب في المناهج التعليمية كمصدر فكري يعيد تعريف التنمية والعلاقة بين الدين والعلم.
٢. تصميم مشاريع تنموية تربط الرزق بالقيم لا بالتكالب.
٣. نشر الكتاب عبر الوسائط الرقمية المبسطة ليستفيد منه المهمشون قبل غيرهم.
٤. استخدامه مرجعًا في الحوار الوطني السياسي لرسم طريق يخرجنا من ثنائية الدولة الدينية والعلمانية، نحو “الدولة الرسالية”.
وفي خاتمة هذه القراءة، نقول بيقين:
في زمن تتخبط فيه الأمة بين دعاوى “الحداثة” الجافة و”التدين” المتكلس، يذكرنا الأستاذ محمود محمد طه أن بناء الإنسان لا يتم بالشعارات، بل بالبصيرة.
وأن نهضة الأمم لا تكون إلا حين تسير الدين والعلم والرزق في طريق واحدة، نحو الله، ونحو الإنسان.
فطوبى له، وطوبى لمن استمع للقول فاتبع أحسنه.
📘 يمكنكم قراءة الكتاب كاملًا على موقع الفكرة الجمهورية عبر الرابط التالي:
🔗 https://www.alfikra.org/book_view_a.php?book_id=34



